المرصد | مساء التاسع من اكتوبر 2015 ، فى مثل هذا اليوم أطل المبعوث الأممي السابق الى ليبيا برناردينو ليون برأسه فى مؤتمر صحفي من الصخيرات أعلن خلاله عن إختيار فائز مصطفى السراج رئيساً للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق و بعضوية كل من فتحي المجبري و أحمد معيتيق و محمد العماري زايد و عمر الأسود و موسى الكوني وسط توقعات يبدوا انها كانت غير دقيقة بإنتهاء فصل من أسوأ فصول الازمة الليبية التى لم تزداد الا تعمقاً و انسداداً أفقياً و رأسياً .

و فى يوم الخميس و هو اليوم السابق لهذا الاعلان أعلن المبعوث ليون فى مؤتمر صحفي آخر عزمه تسمية الاسماء المقترحة لتشكيلة المجلس بعد ساعات فور تسلمه لها من فريق الحوار السياسي الذى تلقى بدوره قائمة تضم 12 إسماً مقترحاً من مجلس النواب لرئاسة المجلس .

و شكّلت تسمية ليون فى اليوم التالي لإسم السراج صدمة لمجموعة من أعضاء مجلس النواب و بعض المكونات و النخب السياسية دفعت الكثير منهم الى معارضة المجلس الرئاسي حتى يومنا هذا لعدم وجود إسمه فى القائمة المقدمة من النواب و التى أختيرت بالتوافق بينهم كما أن غالبية الليبيين لا يعرفون حتى اليوم الطريقة التى أُختير بيها السراج او المجموعة التى وقفت وراء ترشيح إسمه لهذا الموقع و لكن دائما ما كان يدور الحديث حول اسم فضيل الامين عند الحديث عن مسألة تسمية السراج . كانت خطوة إختيار رئيس من خارج قائمة الـ 12 مرشحاً اولى هفوات الاتفاق السياسي و أكبر سقطات ليون باعتبارها ضرباً للتوافق بين النواب الذين اتفقوا على تمرير اسماء مرشحيهم .

و فى نفس اليوم سمى ليون كل من فتحي باشاغا رئيساً لمجلس الدفاع و الأمن القومي و عبدالرحمن السويحلي رئيساً لمجلس الدولة الإستشاري المنصوص عليه فى المسودة الخامسة للاتفاق السياسي الذى تم تعديله لاحقاً بتضمين ملاحظات المؤتمر العام و الاسلام السياسي بالاتفاق الامر الذى اعتبر مخالفة لما تم الاتفاق عليه و قد سارع السويحلي الى رفض ذلك الترشيح قبل ان يسعى له مجدداً بعد تمكن المجلس من دخول العاصمة طرابلس .لم يلتفت الناس حينها بحجم المخالفة التى أُرتكبت بقدر إهتمامهم بالأسماء التى طرحت .

و بعد 6 أشهر من تسمية أعضاء و رئيس المجلس الرئاسي و 4 أشهر من توقيع الاتفاق فى 15 ديسمبر 2015 تمكن المجلس من دخول طرابلس بحراً صبيحة 30 مارس 2016 فى رحلة يصُر الرئاسي انها تمت على متن و بحماية البحرية الليبية بينما قال الرئيس التونسي الباجي السبسي ان البحرية التونسية سلمتهم خارج مياهها للبحرية الايطالية التى سلمتهم بدورها الى فرقاطة السدرة الليبية .

قبل ذلك كان المجلس قد أماط اللثام عن أول تشكيلة حكومية له شكلها فى الخارج و تتكون من 32 وزيراً و قد لاقت رفضاً شعبياً و نيابياً واسعاً و لم تنل الثقة الامر الذى دفعه الى تشكيل حكومة جديدة مصغرة فى 15 فبراير 2016 و قد تم اسقاطها ايضاً فى تصويت علني داخل مجلس النواب يوم 22 أغسطس الماضي .

و قبل ان ترحل سنة 2015 رحل المبعوث ليون تاركاً خلفه إرثه الثقيل للألماني مارتن كوبلر ليستقبل الليبيون سنة 2016 بتفاؤل مشوب بالحذر فقد بدأت التحالفات تنهار لترسم تحالفات جديدة و قد أُخمدت حروب و أُشعلت أخرى إلا أن  حرب الجيش المستمرة قبل و بعد ذلك الوقت ضد إئتلاف الجماعات الإرهابية التى لم يكن تنظيم داعش بأقلها خطورة كانت قد تصاعدت وسط معارضة شرسة أبداها أعضاء  الرئاسي كـ عبدالسلام كجمان عضو حزب العدالة و البناء و جماعة الاخوان المسلمين و محمد العماري زايد عضو حركة التجمع الاسلامي الليبي و أحمد معيتيق المقرب من الاسلاميين و المرشح عن مدينة مصراتة  .

اما فى سرت حيث المعقل الرئيس لداعش في ليبيا ، و بعد إعلان الجيش نيته التحرك نحو المدينة ، سارع المجلس الرئاسي الى تشكيل غرفة عمليات عسكرية لمحاربة تنظيم داعش في المدينة أعقبها إنطلاق عملية عسكرية سميت بـ ” البنيان المرصوص ” و قد حظيت بدعم جوي أمريكي الامر الذى أعتبرته بعض النخب مناورة سياسية من الرئاسي لقطع الطريق امام تحقيق اي مكاسب لقيادة الجيش التي ترفض الانضواء تحت سلطة المجلس الذى كان يعمل على ان ينحسر وجود الجيش داخل مناطقه في بنغازي و أقصى الشرق باعتبار ابراهيم جضران مسيطراً على مناطق الهلال النفطي التي لم يضع الرئاسي في حسبانه بانه سيخسرها خلال بضعة ساعات يوم 11 سبتمبر الماضي .

كما إستمر الوضع الهش في الجنوب على ما هو عليه مع انحسار معدل العنف القبلي بوقف اطلاق النار بين قبائل التبو و الطوارق فى اوباري بجهود إجتماعية مارستها مكونات قبلية أخرى بمنأى عن الرئاسي مع ارتفاع معدل نسبة الجريمة في سبها و ما جاورها و تفشي تجارة تهريب المخدرات و البشر عبر الصحراء نحو الشمال و عبور مختلف أصناف الارهابيين من و إلى دول الطوق بمعدلات كارثية وسط أوضاع إقتصادية و معيشية للسكان يصعب تحملها في الوقت الذى لم يحرك فيه ممثلو الجنوب في الحوار السياسي او الحكومات او البرلمان او المؤتمر – إلا ما رحم الله – ساكناً نحو هذا المشهد المتأزم لإجرارهم خلف الصراع السياسي في أماكن أخرى .

قد يقول قائل ان السراج و مجلسه لم يتمكنوا من العمل بأريحية لعدة عوامل أهمها عرقلة  مجلس النواب له بعدم منح حكوماته الثقة و لكن قد يرد آخر ان الرجل لم يمنح اي قيمة للمجلس عندما أعلن و في مخالفة صريحة لكل بنود ما أُتفق عليه عن تفويض وزرائه بأداء مهامهم دون نيل ثقة السلطة التشريعية و كلف لجنة باستلام مقار الوزارات برئاسة محمد العماري و أقال السفراء و عين الموالين و المقربين و حتى الحواريين في مفاصل عدة بعد ان تمكن من الحصول على ميزانية تسييريه عقب اتفاق بين مجلسه مع الصديق الكبير محافظ مصرف ليبيا المركزي الذى لم يخطر في بال أحد أن يتقارب و يتوآئم السراج معه بعد مشاركته في تصويت الاطاحة به تحت قبة مجلس النواب صبيحة 14 سبتمبر 2014 .

و بعد إنقضاء هذا العام الذى تحتاج سرد مجرياته الى كتب و معلقات و مخطوطات و مع إقتراب إنتهاء الولاية القانونية المحددة للمجلس بمدة عام كذلك ، يجد المواطن الليبي نفسه واقفاً امام طوابير المصارف و المخابز و الأسواق و امام مشهد معقد لا يبدوا ان الاتفاق السياسي الذى يتمسك الاسلام السياسي به حتى النخاع بعد خسارته الانتخابات و حصوله من الاتفاق  بصيغته الحالية على كل ما يريد سيساهم في حلحلته ،  و لا مجلس النواب العاجز حتى عن عقد جلسات تشاورية بعد تفككه و هدم أركانه سياسياً بعد فشل عملية هدمه عسكرياً و لا المؤتمر العام في ثياب مجلس الدولة العائد الى الحياة من الهاوية حيث سراديب المقابر بعد ان مات و شبع موتاً في فبراير 2014 و لا الرئاسي ذو التسعة رؤوس الذى وصل به المطاف يوم الجمعة الماضية بعد سنة من الشتات و الفراق بين أعضائه إلى ما يعتبره انجازاً أشاد به عبر مكتبه الإعلامي بتشكيل لجنة فى ردهات منتجعات ڤمرت لتتباحث و تتدارس و تتفاوض حول إيجاد مكان يعقدون به جلستهم المقبلة داخل ليبيا فى ظل وضع أمني أقل ما يوصف بأنه دموي و كارثي .

سنة اجمع الجميع بعد إنقضائها بما فيهم كوبلر ذاته على تراجع شعبية المجلس الرئاسي الذى هتف البسطاء له و مرحبين به في تحدي واضح لبقايا المؤتمر العام و أذرعه المسلحة و فتاوي التشدد أما اليوم فلن يجد بضعة نفر من قاطني حي زاوية الدهماني  للدفاع عنه حال تعرضه في مخدعه المجاور لأي طارئ – لا سمح الله – حتى أولائك الذين كانوا يخرجون عبر الفضائيات للدفاع عنه و عن فكرة وجوده أناء الليل و أطراف النهار لم يعودوا مستعدين لممارسة دور شاهد الزور بعد تبدد كل الوعود و الاحلام الوردية حول حلحلة الازمتين الاقتصادية و الامنية فبدلاً عن ذلك كانت هذه السنة سنة نحس لقيمة الدينار الليبي و سنة سعد للمجموعات المسلحة التي تغولت بعد ان تعهد الرئاسي بتفكيكها و إخراجها من المدن فمكث بوعده ، أما ثالثة الأثافي فكانت الإرتهان الواضح للخارج و الاستقواء به و باتت النتيجة الوحيدة المحققة التى يقف امامها الجميع اليوم بما فيهم الرئاسي نفسه هي تدويل أزمة ليبيا إلى حد لا يعلم نتائجه إلا الله وحده .

قد يبدوا هذا السرد التاريخي المقتضب لهذه السنة الطويلة قاسياً بحق الرئاسي و رعاة الاتفاق و المؤمنين به  بشكله الحالي كما قد يخال للقارئ ان الكاتب متشائم و قد بالغ في رسم صورة سوداوية دون تقديم حل ، إلا ان بصيص أمل أخير قد يلوح فى آخر الأفق حال تقديم التنازلات و الاقتناع بحتمية وجود حل بالعودة الى الحالة الشبه طبيعية اما نحو رئيس و نائبين كما هو الحال فى كل دول العالم – باستثناء ليبيا التي دائما ما يحب ساستها إختراع العجلة – اما نحو صناديق الانتخابات التشريعية و الرئاسية و إنهاء العبث الانتقالي الذى أثقل كاهل البلد و أوصله إلى شفير الانهيار و الافلاس.

الكاتب : موفق الرحال

9 أكتوبر 2016

المشاركة