وفق مشروع المليون ونصف المليون فدان، الذي طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسي للاستثمار في مصر، تم عرض أراضٍ في مناطق النوبة، لبيعها بالمزاد العلني إلى جانب الأراضي الأخرى.

وفور تناهي الخبر إلى أبناء النوبة، هرع العشرات من المواطنين إلى قطع طريق “أبو سمبل -أسوان” السبت الماضي 19/11/2016، احتجاجا على اعتراض قوات الأمن قافلتهم، التي نظموها للمرة الثانية، متوجهين إلى منطقتي توشكي وخورقند، رافضين طرح أراضيهم للبيع، ضمن مشروع المليون ونصف المليون فدان؛ ومؤكدين مجددا أحقيتهم بتلك الأراضي “المميزة”، التي تقع على بحيرة ناصر.

وخلال تظاهراتهم، رفع المشاركون شعارات ولافتات، نددوا فيها بالاتجاه الحكومي لبيع “أرضهم التاريخية” بالمزاد العلني، ودونوا على اللافتات المرفوعة شعارات “توشكي نوبية – النوبة ليست للبيع – على الدولة احترام المادة 236 من الدستور”. وأصدرت القافلة بيانا، طالبت فيه برفع طرح أراضي خورقند من كراسات الشروط المطروحة للمزاد العلني، وإعطاء الأولوية لتمليك باقي أراضي مشروع توشكي لشباب الخريجين من أبناء محافظة أسوان، كما طالب البيان بسرعة ترسيم حدود القرى النوبية.

ولدى تجمع المئات من أبناء النوبة في أسوان، رافعين مطالبهم إلى الجهات الحكومية، وبعد مرورهم من “كمين” مطار أسوان، وعند الكيلو 40 بطريق “أسوان – أبو سمبل” السياحية، تصدى كمين أمني مسلح بالمصفحات وسيارات الشرطة والأمن المركزي للمسيرة “النوبية”، مانعا مرور القافلة؛ ما دفع المشاركين إلى النزول من سياراتهم، في مسعى من جانبهم لإقناع قوات الأمن بإفساح الطريق لهم للمرور، غير أن تعليمات عليا صدرت بعدم السماح للقافلة بإكمال سيرها، وتحت أي ظرف من الظروف، وهنا، بدأ الموقف في التأزم، حيث جاء الرد على الرفض الأمني بقطع الطريق في الاتجاهين، وافترش المئات الطريق.

وما ضاعف حدة الأزمة، ذلك الخلاف الذي طرأ بين أبناء محافظة أسوان أنفسهم، حيث شرع أعضاء برلمان المحافظة الحدودية، والقريبة من شمال السودان، في طلب تخصيص 12 ألف فدان من أراضي توشكي للنوبيين بنسبة ثابتة، على أن تقسم باقي الأراضي على جميع أبناء المحافظة، لكن المقترح البرلماني أثار غضب القبائل العربية، ووصفوا تلك التوصيات بأنها تمثل ظلما لأبناء القبائل، الذين يمثلون 92 في المئة من سكان أسوان، وعقدت القبائل العربية اجتماعا، أوصوا فيه برفض أي قانون أو تشريع، يتضمن تمييزا بين أبناء محافظة أسوان، وكذلك رفض ما تم الاتفاق عليه بين نواب البرلمان عن المحافظة حول تقسيم أراضي توشكي علي أساس عرقي، وأن تتم عمليات توزيع الأراضي على أساس المواطنة.

النوبيون الذين واصلوا تصعيد الأزمة طيلة الأيام الماضية، والتي تحولت إلى قضية عامة تشغل الأوساط الشعبية والحكومية كافة، يستندون في موقفهم إلى المادة 236 من الدستور المصري، الصادر في عام 2014، والتي نصت على حق النوبيين في العودة إلى أراضيهم خلال 10 سنوات، وعدم التصرف بأراضي بحيرة ناصر قبل إنهاء الاستحقاقات النوبية؛ ومنها إقرار قانون إنشاء الهيئة العليا لإعمار وتنمية “النوبة القديمة”، وهي الأراضي التي كانوا قد هجروا منها خلال فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لدى إنشاء السد العالي وبحيرة ناصر، حيث يرى أهل النوبة أن عرض هذه الأراضي في المزاد، يعني ضياع حقوق أصحاب الأرض الأصليين.

وفي السياق ذاته، ومع تصاعد الأزمة، راحت الجماعات المنضوية تحت لواء “نادي النوبة العام” بالعاصمة المصرية في التحرك، داعية الجمعيات النوبية كافة إلى الاجتماع بشكل عاجل، لتأكيد مطالبهم الداعمة لمسيرة أهل النوبة الرافضين بيع أراضي توشكي وخور قندي بالمزاد العلني للمستثمرين ورجال الأعمال. وطرح المشاركون في تلك الاجتماعات الطارئة، التي التأمت ابتداء من نهار الأحد، الماضي 20/11/2016، ضرورة التقيد بمطالب الاعتصام الأربعة، وهي:

1- أن تكون الأولوية لأبناء النوبة وأسوان بمشروع توشكي ضمن المليون ونصف المليون فدان.

2- تفعيل المادة 236 من الدستور بإصدار قانون بإنشاء الهيئة العليا لإعادة التوطين وتعمير وتنمية بلاد النوبة الأصلية.

3- تعديل القرار الجمهوري رقم 444 لسنة 2014، والخاص بتحديد المناطق المتاخمة للحدود، بما يتفق مع نصوص الدستور وحقوق النوبيين بإعادة توطينهم على كامل أراضيهم.

4- وقف طرح أي مشروعات للبيع أو المزاد للمستثمرين ورجال الأعمال في المنطقة، قبل تفعيل الدستور وصدور القانون.

ومن الواضح أن غضب أهل النوبة واعتصامهم ضاعفا من حدة الأزمة؛ ما دفع نوابا في البرلمان إلى سرعة التدخل لاحتوائها، ولا سيما أنها آخذة في التصاعد؛ حيث التقى رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل ظهر أمس، الاثنين 21/11/2016، وفدا نيابيا، ضم أربعة من نواب البرلمان، وهم:

مصطفى بكري، الذي دعا إلى لقاء

محمد الغول وكيل لجنة حقوق الإنسان

السيد حسن موسي وكيل لجنة الزراعة

عمرو أبو اليزيد ممثلا عن أبناء النوب

وقد عقد اللقاء في مقر مجلس الوزراء لبحث اعتراض أهل النوبة على طرح أراضي توشكي وخورقند للبيع بالمزاد العلني، حيث جرت مناقشة مستفيضة للأزمة، والتحذير من تداعياتها، والسعي لاحتوائها بكل السبل، منعا لتعرض البلاد لأزمة جديدة لا مبرر لها. وخلال استعراض أبعاد الأزمة، تقرر سفر النائب البرلماني مصطفي بكري إلي النوبة، حيث وصل، الثلاثاء 22/11/2016، وبرفقته النائب محمد سليم ممثل دائرة كوم امبو بأسوان، إلي مناطق النوبة للبحث في إنهاء الأزمة التي تستثمرها بعض عناصر الخارج والداخل في التحريض علي تحريك المخطط القديم لفصل مناطق النوبة عن باقي مصر، تحت زعم الاستقلال الذاتي، وهو مخطط لم يعد خافيا على أحد، حيث بدأ الترويج له منذ سنوات بعيدة، عبر عناصر معروفة التوجه والأهداف، في استغلال واضح لمعاناة أهل النوبة، منذ نزعهم عن قراهم، وأراضيهم لإنشاء وبناء السد العالي في الستينيات من القرن الماضي.

ووسط أجواء الغضب التي تخيم على الأزمة النوبية، تنتظر أوساط عديدة نتائج الزيارة البرلمانية إلى أسوان، ومدى تجاوب الدولة المصرية مع المطالب الأربعة التي يتمسك بها المعتصمون من أهل النوبة. فهل تتجاوب الحكومة مع مطالبهم؟ أم تترك الأزمة تتصاعد في مسار لن يصب في صالح البلاد في نهاية المطاف؟

 

المصدر : (روسيا اليوم)

المشاركة