قللت مصادر مصرية من المبالغة في تأويل القرارات القضائية التي بدت وكأنها تصب في صالح جماعة الإخوان، لا سيما وأن المحكمة قد قررت في غضون أسبوع تقريبا إلغاء أحكام مشددة على عدد من قيادات الجماعة بينهم الرئيس السابق محمد مرسي في اثنين من أبرز القضايا التي حوكم فيها هؤلاء.
والثلاثاء، قضت محكمة النقض المصرية بقبول الطعن المقدم من مرسي ونائب المرشد العام للإخوان خيرت الشاطر و22 آخرين، على أحكام الإعدام والسجن المؤبد والمشدد الصادرة ضدهم في قضية “التخابر مع حماس”، وإعادة محاكمتهم.
وجاء الحكم، بعد أسبوع، من صدور حكم سابق قضى بإلغاء الإعدام الصادر بحق مرسي وعدد من أعضاء وقيادات الجماعة، في قضية سجن وادي النطرون.
وقالت صحيفة “العرب” اللندنية نقلا عن عدد من خبراء السياسة المصريين إن الحكمين لا يعني مطلقا أن حكومة بلادهم قد غيرت من موقفها الثابت بضرورة أن يلتزم الإخوان وداعموهم بالخارج، بالكف عن مهاجمة مصر، وعدم اللجوء إلى ممارسة العنف.
وأضاف المحللون أن الإشارات التي صدرت عن الحكومة أكدت أنها ليست متعجلة للمصالحة، ما لم يبدأ الإخوان أولا بإبداء حسن النوايا، فليس هناك ما يجبر النظام برمته على التعجيل بها. لكن تلك الإشارات تقول، أيضا، إن الأحكام القضائية لن تحول دون المصالحة أو التفكير فيها.
ودفعت الخطوات القضائية المصرية تجاه الإخوان الكثيرين للتساؤل عما إذا كان ذلك مؤشرا على رغبة القاهرة في إجراء مصالحة مع الإخوان وفق شروط معينة.
وقال مراقبون إن الأوضاع الإقليمية، تهيئ الظروف الداخلية في مصر لتهدئة سياسية مع الجماعة، لكنها ليست مصالحة، وأن تلك التهدئة لن تكون حلا نهائيا للمشكلة القائمة، لكنها فقط فرصة لالتقاط الأنفاس من جميع الأطراف.
وما زاد من الجدل، أن الأحكام صدرت في وقت دعا فيه نائب مرشد جماعة الإخوان المسلمين إبراهيم منير، السبت الماضي، إلى إتمام “مصالحة” في مصر، وهي الدعوة التي ارتبطت بضغوط إقليمية من قبل أطراف عدة لتسوية الأوضاع السياسية بين الجماعة والحكومة المصرية.
وأضاف المراقبون أن جماعة الإخوان شعرت بأن دائرة الدعم الدولي تضيق من حولها، وتحديدا بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبالتالي فإن التوجهات الخارجية لن تصب في صالحها.
كما أن دولا داعمة للإخوان مثل قطر وتركيا، تشعر بالحرج الدولي للاستمرار في احتوائهم، ما قد يلحق بهاتين الدولتين خسائر فادحة.
وأكد محللون مصريون لـ”العرب” أن إلغاء الحكمين ضد مرسي، جاء بسبب أخطاء وثغرات قانونية أثناء المحاكمات، ولا يمكن النظر إليه باعتباره مؤشرا على تغير في سياسة الحكومة ضد الإخوان.
وأضاف هؤلاء أن مراجعة الأحكام دليل على أن القضاء مستقل عن السلطة السياسية على عكس ما دأبت على ترويجه الجماعة.
ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة مصطفى كامل السيد إن معظم القضايا التي أدين فيها الرئيس الأسبق (مرسي) وقيادات الإخوان المسلمين “اعتمدت فيها النيابة على تحريات أجهزة الأمن، وهذا في حد ذاته لا يكفي كدليل قانوني صحيح”.
وقال طارق فهمي الخبير بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط بالقاهرة، “إن هناك مناخا جديدا، يجري تشكيله داخل مصر، ما يفسح المجال أمام بعض المواءمات السياسية التي تعكس رغبة الحكومة في تبريد الموقف السياسي مع خصومها”.
وأضاف فهمي في تصريح لـ”العرب” “أن بلورة هذه المواقف قد تكون بشكل قانوني، من خلال إقرار قانون العدالة الانتقالية الذي تجري مناقشته في دوائر مغلقة بالحكومة والبرلمان، بجانب الإفراج الرئاسي عن السجناء، مع فتح المجال أمام مشاركة سياسية بشكل أوسع في انتخابات المحليات المقبلة”.
واعتبر أن الحكومة المصرية ربما تكون أدركت أن التصعيد المستمر إلى ما لا نهاية، لن ينعكس سياسيا بالشكل المرجو، وأخذت في تغيير استراتيجيها لصالح تهدئة الأوضاع، بما يضمن سيطرتها على ميزان الوضع السياسي الداخلي. وكان النظام في مصر أبدى مؤخرا انفتاحا على قوى سياسية مدنية داخلية، تعتبر خصما قويا له، وتمثل ذلك في الإفراج عن الدفعة الأولى من الشباب السجناء، وقرب الإعلان عن ثاني الدفعات الأسبوع المقبل.-( وكالات)

المشاركة