بقلـم : عيسى عبدالقيوم

مقال رأي

( الصلابي يؤكد .. والتاريخ ينفي )

 

تابعت ما نقلته متابعات صحيفة “المرصد” عن الدكتور علي الصلابي ، والذي خلاصته أن ليبيا لولا الخلافة العثمانية كانت ستتحول الى دولة مسيحية !!  فهل سنجد بين ثنايا كتب التاريخ وأحداثه ما يدعم هذه الفرضية يا ترى؟! هذا ما سأحاول طرحه معكم والإجابة عليه بشكل علمي موضوعي مشفوع شهادات الاتراك.

معاهدة لوزان الأولى :

************

عند التنكيش وراء فرضية الصلابي سيقودنا البحث الى نقطة الصراع بين الخلافة العثمانية والدول المسيحية حول ليبيا.. وهنا سنجده مجسداً فى وصول ايطاليا ومحاولتها احتلال برقة وطرابلس (لان مسمى ليبيا يومها لم يولد بعد) .. فماذا فعلت الخلافة يا ترى من أجل الحفاظ على جزء من أراضي المسلمين تغزوها قوة اجنبية مسيحية؟!.

للاسف لن نجد لفرضية الصلابي اي اثر هنا ، فقد وصلت القوات الايطالية عصر يوم 28 سبتمبر 1911، ولم تشرع فى قصف طرابلس إلا في 3 أكتوبر ، لتحتلها فى 10 أكتوبر ، اذن سقطت طرابلس خلال اسبوع فى ظل وجود حامية عثمانية !!

بعدها بعام فقط وجهت إيطاليا إنذاراً مدته ثلاثة أيّام للعثمانيين للقبول بالمقترح الإيطالي. فخضعت الخلافة العثمانية وإنطلقت المفاوضات ووقعّت المعاهدة في 18 أكتوبر 1912 ، وقعها من الجانب العثماني محمد نبيه بيك ورمبولغيون فخر الدين بيك ، ومن الجانب الإيطالي بييترو بورتيليني، جيودو فوسيناتو وجوزيبي فولبي.

 

فرضية الصلابي ونص معاهدة لوزان الأولى :

***************************

وهنا سنجد بيت القصيد مشرعاً .. وهو أن الخلافة العثمانية لم تدافع عن “أهل السنة والجماعة” كما يؤكد الصلابي بل سنجد فى بند المعاهدة العاشر قبول السّلطان العثماني بمنح الاستقلال الذّاتي لطرابلس وبرقة ،وسحب جميع الجنود والضّباط والموظفين منهما ، وبكل تأكيد من الطريف أن يُمنح شعب ضعيف فقير معدم “استقلاله” بعد احتلاله بعام تقريباً ، عموماً حاول مولانا الخليفة ان يحفظ ماء وجهه على حساب شعب طرابلس وبرقة ، رغم ان قانون الشريعة الاسلامية يحرم عليه قطعاً التنازل عن أراضي المسلمين كما يقول قانون الخلافة الذي تجبى بواسطته أموال الزكاة والضرائب !!.

كيف فهم الاتراك معاهدة لوزان الأولى؟!:

***********************

جواباً على هذا السؤال سنجد إنتقاداً حاداً للمعاهدة والقائمين عليها من الطرف التركي ، من الكاتب “قدير مصراوغلو” فى كتابه “معاهدة لوزان ، انتصار أم خدمة؟!” حيث يقول” إن الاتراك في توقيع (معاهدة اوشي) تخلوا عن قيادة المسلمين ورضوا بقطعة صغيرة من الأرض” .. وبالمناسبة تسمى المعاهدة ايضا بمعاهدة اوشي نسبة الى قلعة أوشي التى جرت فيها المداولات وتقع في ضواحي لوزان بسويسرا  ووقعت المعاهدة في 22 شوال 1330هـ الموافق 18 أكتوبر 1912.

معاهدة لوزان الثانية:

************

ثم لننتقل رفقة الدكتور علي الصلابي الى معاهدة لوزان الثانية لانها ايضا ذات صلة بأراضي المسلمين وقصة حمايتها من المسيحية ، وسنكتشف أن المعاهدة تضمنت هذه المرة حماية المسيحية داخل تركيا ذاتها التى قبلت ورحبت ،بعكس الاساطير التى يلوكها البعض دون تمحيص ، فعُقد “مؤتمر لوزان” الثاني وإنكشف عن توقيع “معاهدة لوزان الثانية” فى 24 يوليو 1923 بفندق “بوريفاج بلاس” بمدينة لوزان جنوب سويسرا. وكانت أطراف المعاهدة الدول المنتصرة فى الحرب العالمية الأولى ممثلة فى بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ، والإمبراطورية العثمانية التي ترأس وفدها إلى مؤتمر لوزان عصمت إينونو .

فرضية الصلابي ونص معاهدة لوزان الثانية :

***************************

نصت معاهدة لوزان2 على تخلي تركيا عن السيادة على قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام، وبتنازل الدولة العثمانية عن كافة حقوقها السياسية والمالية المتعلقة بمصر والسودان اعتبارا من نوفمبر عام 1914.

كما نصت على “حماية الأقلية المسيحية الأرثوذكسية اليونانية بتركيا والأقلية المسلمة باليونان، وألزمت الحكومة التركية بالمحافظة على حياة وحقوق وحرية جميع المواطنين ضمن أراضيها، وبمساواتهم أمام القانون بغض النظر عن الأصل والقومية واللغة والدين” ، اذن فقد فرضت معاهدة لوزان الفكر والمنطق العلماني وتم تقبله برحابة صدر من الدولة العثمانية ! وهو يقيناً عكس ما يقوله الدكتور الصلابي.

كيف فهم الاتراك معادة لوزان الثانية؟!.:

***********************

نقل موقع الجزيرة نت مقالاً تحليلياً للمعاهدة عنونه بـ”معاهدة لوزان 2 اتفاقية مهدت لتأسيس الجمهورية التركية ” وإفتتحه كاتبه بقوله “وينظر الاتراك الى معاهدة لوزان باعتبارها وثيقة تأسيس للجمهورية التركية، كما وصفها بذلك مرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان”  اذن الرئيس التركي بذاته ينظر إليها كنقطة ايجابية أسست ومهدت لما هو عليه اليوم !.

الخلاصة :

*****

فبعيداً عن هرطقة الإسلاميين واساطيرهم ، فإن تركيا دولة علمانية ، والحزب الحاكم حالياً يرفض وصفه بالحزب الاسلامي ، ولم يكن هو من أسس قواعد نشأتها بل تقبل تلك القواعد وتعايش معها وطور نفسه وفكره وفقها وتماهى معها فأنتج مشروعاً نهضوياً حقيقياً صفق له الاترك وصوتوا له وهم يعيشون اليوم كدولة عصرية لا صلة لها بما يلوكه بعض الاسلاميين إلا أثناء فترات الانتخابات وموسم حصاد الاصوات .

فلتركيا دستور علماني وتحضى بعلاقات قوية مع امريكا حيث توجد لديها قاعدة امريكية  وتركيا عضو فاعل بحلف النيتو ولديها طلب بالانظمام الى الاتحاد الاوربي  ومعترفة بـ “دولة اسرائيل ” ولها تبادل تجاري مهم معها وأخيرا إعترفت قوانينها بحق “المثليين” فى اقامة علاقاتهم تحت حماية القانون وتعتبر الاقتصاد الربوي هو الاساس الذي ينمي ويدعم تطورها السريع والمذهل ، وتعيش كمجتمع مختلط الثقافات والاديان فلا يجيز دستورها التفريق بين افراده على اساس ديني !.

هذا ما تقوله كتب التاريخ القديم والحديث .. والسلام .

عيسى عبدالقيوم

13 فبراير 2018

 

 

 

المشاركة