بقلم سعد العكر عن هيئة صياغة مشروع الدستور : وفقاً للقانون !
آخر الاخبار
مقال رأي – بقلم سعد العكر

 

تطرح علينا العديد من الأسئلة فيما يتعلق بعمل الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدّستور؟ ومن بين الأسئلة :

هل الهيئة تجاوزت المدة المحددة لها؛ لصياغة مشروع الدّستور؟ وهل يجوز للهيئة مخالفة المدة التي حدّدها الإعلان الدستوري لكتابة الدّستور؟

في إجابتي عن الشقّ الأوّل من السّؤال:

 

فإنّ الهيئة قد تجاوزت المدة التي حددت لها في الإعلان الدّستوري لكتابة مشروع الدّستور، حيث أن الهيئة التأسيسية قد انتهت فترة ولايتها دون أن تنجز ما أوكل إليها من مهام، وهذا طبقًا للبند (ب) فقرة (10) مادة (30 ) من الإعلان الدستوري، والتي جاء فيها ( …. تنتهي من صياغة مشروع الدّستور واعتماده في مدة لا تتجاوز مائة وعشرين يوما من انعقاد اجتماعها الأوّل).

 

إنّ الهيئة التأسيسية قد عقدت أولى جلساتها في مدينة البيضاء يوم الإثنين الموافق 2014/4/21، أما آخر جلساتها، والتي اعتمدت فيها المسودَّة، كانت يوم السبت الموافق 2017/7/29، وبذلك فإن الهيئة قد استغرقت (1194) يوم لكتابة مسودَّة الدّستور، وهو ما يعد تجاوزا للمدة القانونية المحددة لها في الإعلان الدّستوري ب(1074) يوم.

 

الشقّ الثاني من السّؤال: هل يجوز للهيئة مخالفة المدة التي حدّدها الإعلان الدستوري لكتابة الدّستور؟

 

وهذا السؤال يدعونا لطرح سؤال آخر، ألا وهو: ما قيمة الإعلان الدّستوري؟

 

إنّ الإعلان الدستوري هو وثيقة دستورية مؤقتة بطبيعتها، تتكون من عدة مواد تسيِّر البلاد لفترة معينة، والإعلان يحوي نصوصا دستورية ذات سموٍّ ومكانةٍ عالية، كمنزلة النّصوص الدّستورية الواردة في الدّساتير، عليه فإن نصوص الإعلان الدّستوري، تكون لها طبيعة دستورية، وبالتالي لا يجوز لا الانتقاص منه، ولا مخالفة أحكامه، وما يقع من تجاوز لا يعتد به، وهو والعدم سواء.

 

من خلال هذا التّوضيح تتبيَّن لنا قيمة الإعلان الدّستوري، ولما كان الإعلان الدّستوري قد نظَّم وحدد في نصوصهِ ضوابط عمل الهيئة التأسيسية، فهنا يقع لزامًا على الهيئة التقيد والالتزام بما جاء في نصوص مواد الإعلان الدّستورى، وعدم مخالفتها، وهو ما وقع فعلا من الهيئة بتجاوزها لمدة (120) يوم التي نصَّ عليها الاعلان طبقا للبند (ب) فقرة(10) مادة (30 ) وهي مخالفة صريحة من الهيئة.

 

إلا أنّ الهيئة وأعضائها لم يكتفوا بتجاوز المدة المحددة لهم فقط، بل زادوا وقالوا: بأنّ لا سلطان لأحد على الهيئة، فهي هيئة تأسيسية -لا يجوز- حتى للقضاء مراقبة أعمالها، وهذا الاشتطاط في الرأي من قبل أعضاء الهيئة يعد استرشادًا واستشهادًا بحكم المحكمة العليا (الدائرة الإدارية) في الطعن المقدم لها رقم 182/64ق في الحكم الصادر من محكمة استئناف البيضاء دائرة القضاء الإداري بتاريخ 2017/5/22 في الدعوى الإدارية رقم 2017/81، حيث قضت المحكمة( بقبول الطعن شكلاً، بعدم اختصاص القضاء الإداري ولائيا بنظر الدعاوى المتعلقة بعمل هيئة الدستور في ليبيا).

 

وإذا كنا نتفق بأنه – لا ولاية- للقضاء الإداري على أعمال الهيئة التأسيسية وذلك وفقا -للتسبيب- الذي بنت عليه المحكمة العليا حكمها، والذي تؤكده المادة (2 ) من القانون (88) لعام 1971 بشأن القضاء الإداري؛ فإني أرى بأن أعضاء الهيئة يحاولون من خلال هذا الحكم الواضح، والذي لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل؛ إعطاء تفسير آخر مخالف للحكم، ألا وهو (لا سلطة للقضاء بشكل عام على الهيئة) وهذا فهم خاطئ ومغالط لما جاء في حكم العليا من ناحية، ومخالفًا للمبدأ الأساسي في التقاضي، ألا وهو: (أن القضاء هو صاحب الولاية العامة في الفصل في المنازعات) من ناحية أخرى.

 

إن الهيئة التأسيسية وإن كانت مستقلة، ولها الحق في أن تضع ما تراه مناسبا من نصوص دستورية، واذ كان  الإعلان الدّستوري لم يقيد الهيئة وهي تصوغ مشروع الدّستور بأي قيد، ولم يلزمها بأي شرط، ولم يفرض عليها اتّباع أي نص دستوري، أو قانوني، أو لائحي، ولم يجعل تبعيتها لأي سلطة؛ وذلك حماية لها من أي تدخل، إلا أن الإعلان الدّستوري ذاته ألزم الهيئة بإتِّباع النّصوص الإجرائية التي حددِّت في البند (ب) فقرة (10) مادة (30)، فيما يتعلق بالنّصاب المطلوب لقرارات الهيئة، ومدة عملها- وحدد كذلك الإعلان الدّستوري في الفقرة (12) من المادة (30 ) كيفية عرض الدّستور على الاستفتاء، والنّصاب المطلوب لاعتمادهِ، وإجراءات المصادقة عليه وإصداره في حال قبوله من الشعب، أو إعادته للهيئة في حالة عدم الموافقة عليه لتعديله، وطرحه مجددا للاستفتاء- وكل ذلك خلال مواعيد محددة.

 

وهذا ما يعني أن القضاء متمثّل في المحكمة العليا (الدائرة الدستورية) صاحب ولاية على الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدّستور، لا من ناحية رقابة النّصوص الدّستورية في حد ذاتها، وإنما صاحب رقابة على الإجراءات التي حدّدها الإعلان الدّستوري لممارسة الهيئة لأعمالها، وذلك لأن المشرع الدّستوري أراد تقييد الهيئة التأسيسية بقيود وضوابط محدّدة، وأنه لو أراد -غير ذلك- لم حدَّد مواعيد إلزامية للهيئة لإنجاز مهامها.

 

ورأينا في كل ماسبق يدعمه زيادة على ما قلناه؛ أمران آخران يتمثلان؛ في أحكام سابقة للدَّائرة الدّستورية بالمحكمة العليا:

 

الأوّل: حكم المحكمة العليا (الدائرة الإدارية) الذي يحاول أعضاء الهيئة الاستشهاد به؛ بأنه -لا ولاية- للقضاء على أعمال الهيئة، فإن هذا الحكم قد جاء في -تسبيبه- وغني عن البيان بأنَّ التسبيب هو (وسيلة القاضي في التعليل على صحة النتائج التي انتهى إليها في منطوق الحكم الذي أصدره) فإنه قد جاء نصًّا في التسبيب: ( ومن غير إخلال باختصاص الدائرة الدّستورية بالمحكمة العليا في شأن ما تصدره الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدّستور من قرارات بالمخالفة للإجراءات المبينة في المادة 30 من الإعلان الدّستوري….) وهذا كما هو منقول حرفا من نص حكم المحكمة؛ يدل دلالة واضحة؛ على أن المحكمة -لمحت- إلى جواز الطّعن في الهيئة عن طريق الدّائرة الدّستورية.

 

ثانيًا: سوابق أحكام للمحكمة العليا « الدّائرة الدّستورية » :

 

1- قضية الطعن رقم (28) بشأن عدم دستورية التعديل الدّستوري رقم (3) لعام 2012 الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي، حيث انتهت المحكمة ((بقبول الطّعن شكلاً، وبعدم دستورية التعديل رقم (3) لسنة 2012، حيث خالف المجلس الانتقالي نص المادة (36) من الإعلان الدّستوري؛ والتي تقضي بضرورة أن يكون تعديل الإعلان الدّستوري بأغلبية ثلثي أعضائه.

 

وأكدّتِ المحكمة في تفسيرها على أنه حتى وإن كانت الرقابة الدّستورية وفقًا لنص المادة (23) من القانون رقم (6) (لسنة 1982 بشأن إعادة تنظيم المحكمة العليا) مقصورة على مراقبة مدى إلتزام القانون محل الطّعن لأحكام الدّستور، ولا تمتد إلى رقابة النّصوص الدّستورية في ذاتها، إلا أنه متى نص الدّستور على طريقة معينة وإجراءات محددة لتعديل النصوص الدّستورية؛ تعيَّن على السّلطة التشريعية عند إصدار التّشريع التزامها، فإن طُعن في نص التعديل بأنه مؤسس على إجراءات تخالف الإعلان الدّستوري، فإن من اختصاص الدائرة الدّستورية؛ أن تتصدى لمراقبة مدى إلتزام السّلطة للقيود الواردة بالدّستور، إعمالا للمبدأ الأساسي في التقاضي الذي مقتضاه، أن القضاء هو صاحب الولاية العامة في الفصل في المنازعات، إلا ما استثني بنص خاص، ولو قيل بغير ذلك؛ لكان للسلطة التشريعية أن تتحلل من القيود الواردة بالدّستور بشأن التعديل، وهو إطلاق لسلطاتها، وفتح باب لمخالفة النصوص الدّستورية، وهو ما لايستقيم قانونًا.

 

ومما لاريب فيه أن خلال هذا الحكم أنّ الدائرة الدّستورية أعطت لنفسها حق مراقبة ما يقع من أي سلطة على الإعلان الدّستوري، حتى وإن كانت هذه السلطة، سلطة تشريعية، والتي من بين مهامها أصلاً؛ إصدارالقوانين التي تنظم عمل المحكمة العليا نفسها.

 

والمحكمة إن أعطت لنفسها الحق في ذلك، فإنها أَيضًا لم تجد نصًّا خاصًّا في الإعلان الدّستوري يقيدها، ويحصِّن عمل الهيئة التأسيسية، على غرار ما فعله الرئيس المصري السّابق محمد مرسي في 21 نوفمبر من عام 2012 في ذلك الإعلان الدستوري الشهير، والذي كان من ضمن الأسباب الرئيسية لإسقاطه، حيث جاء في المادة الخامسة منه (لا يجوز لأية جهة قضائية حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدّستور).

 

2- الحكم في الطعن الدّستوري رقم (61/17 قضائية) والذي نصَّ بقبول الطّعن شكلا وبعدم دستورية الفقرة (11) من المادة (30) من الإعلان الدّستوري، المعدّلة بموجب التعديل الدّستوري السابع الصادر بتاريخ (11) مارس 2014 وكافة الآثار المترتبة عليه، حيث رأت المحكمة بأن المؤتمر الوطني قد خالف نص المادة (36) من الإعلان الدّستوري؛ والتي تقضي بضرورة أن يكون تعديل الإعلان الدّستوري بأغلبية ثلثي أعضائه، وهو مالم يتحقّق، وقد كان تسبيب الحكم مشابه للحكم السابق الذي ذكرناه آنفا.

 

إنّ هذه الأحكام السّابقة باتت تشكل جزءا من مبادىء المحكمة العليا، حيث أن نص المادة(31) من القانون82/6 بشأن إعادة تنظيم المحكمة العليا ألزم المحكمة العليا بأن تلتزم بمبادئها، ولا يحق لها أن تقضي بخلافها، وألزمت جميع المحاكم الأدنى منها درجة بعدم جواز مخالفتها.

 

 

واذا كان البعض يرى؛ إن الحكمين السابقان للدائرة الدّستورية مشوبان بالعوار والبطلان لأسباب متعددة، من بينها ( مخالفة الدائرة الدّستورية لمبادئها، أو عدم النظر في أعمال السّيادة، أو تجاوز المحكمة لأطر الولاية المحددة في المادة 23 من القانون 82/6 والمعدل بالقانون (17 ) لعام 1994، وأنّ الولاية القضائية هي للمحاكم؛ وفقًا لقانون نظام القضاء، وأنّ الدعاوى المذكورة دعاوى بطلان تعديل دستوري، مما يجعلها من اختصاص المحكمة الابتدائية، وهي كما هو معلوم المحكمة ذات الولاية العامة في نظامنا القضائي … الخ )

 

فغني عن البيان أن أقول لهم، أن المحكمة العليا هي أعلى محكمة، وأنّ أحكامها باتت(نهائية) أي أنها لا تقبل الطعن ولو بالتماس إعادة النظر، والسبيل الوحيد للتخلص من أحكامها هو مخاصمة الهيئة التي أصدرت الحكم، عن طريق وحيد وصعب، حيث يتطلب إثبات أن المحكمة -أنكرت العدالة- برفضها الإجابة على دعوى أو طلب قدم إليها، أو ارتكابها لخطأ مهني جسيم.

 

ختــــــــــــــاماً

((لما كانت القواعد الدّستورية قواعد موضوعية أو إجرائية هي قواعد آمرة تسمو على مادونها من القواعد القانونية، وذلك أنها تعبر عن ضمير الأمة وتعكس إرادة الشعب، وهي الضّابط للقيم التي ينبغي أن تكون عليها الجماعة، ومحددة لشكل الدولة، ونظام الحكم، فقد أحاطها المشرِّع بضمانات لكفال قدسيتها وعدم الخروج عليها، إلا في الإطار الذي يحدده الدّستور ذاته)).

 

وإذا كانت الجمعية العمومية للمحكمة العليا سنة ( 2016 ) أصدرت قرارها رقم ( 7 لسنة 2016 ) وجاء في إحدى فقراته (وقف البث في الطعون الدّستورية).

 

إلا أن الدائرة الإدارية الثالثة لمحكمة استئناف طرابلس بتاريخ 2018/7/23 بشأن الدعوى الإدارية رقم 2017/97، فإنها قد أصدرت حكمها في الشقّ المستعجل (بوقف قرار الجمعية العمومية للمحكمة العليا فيما تعلق بوقف البث في الطعون الدّستورية) وهذا يعني؛ إعادة فتح باب الطعون الدّستورية أمام الدائرة الدّستورية.

 

وخلاصة القول في كل ما قلناه يتمثل في الآتي:

 

أولاً: طبقا للإعلان الدّستوري، فإن الهيئة التأسيسية لصياغة الدّستور قد انتهت فترة عملها؛ دون أن تنجز مهامها.

 

ثانيًا: كافة الآثار المترتّبة على اعتماد الهيئة لمشروعها (إصدار قانون الاستفتاء من مجلس النواب، ونتائج الاستفتاء على الدّستور … الخ) هي والعدم سواء.

 

ثالثًا: الدائرة الدّستورية بالمحكمة العليا هي الجهة القضائية المختصة بمراقبة أعمال الهيئة في الجانب الإجرائي فقط، وهو الجانب الذي حددته نصوص الإعلان الدّستوري.

 

سعد مفتاح العكر

مستشار قانوني ومحاضر مساعد بكلية الحقوق – جامعة طبرق