شاهد | سرت المدمرة فى صور .. هل يوفي السراج بوعود إعادة الإعمار ؟

ليبيا – لازالت صور المدينة الساحلية الجميلة بشواطئها وأحيائها الهادئة وشوارعها الواسعة والنظيفة تبعث الكثير من الحسرة والأسف لما حلّ بها بسبب حروب السنوات الماضية من دمار وخراب حتى أطلق عليها سكانها لقب ” كوباني ” ليبيا نسبة إلى مدينة سورية دُمرت بشكل شبه كامل بسبب الحرب كما لم تدمر أي مدينة .

سرت المدينة التي تبعد عن العاصمة طرابلس قرابة الـ 450 كيلومتراً شرقاً وتعد حلقة وصل بين الشرق والغرب والجنوب وهي المدينة التي تتجمع فيها الشبكة الأطول والأضخم في العالم لنقل المياه ” النهر الصناعي”  شهدت حربين خلال السبعة سنوات الماضية أتت على مساكنها ومزارعها وأبنيتها وقراها الحديثة مخلفة حفر وخرابات مغمورة بمياه الصرف الصحي والقاذورات وبقايا الذخائر والشظايا والجثث التي لم يتوقف مسلسل العثور عليها حتى قبل أيام قليلة عندما عثر الهلال الأحمر على قرابة 200 جثة مجهولة الهوية فى مقابر جماعية ، وكذلك بقايا مساكن وعمارات مثقوبة وأسقف متهاوية ، تسرب المياه والمجاري وتحتضن بقايا الموتى والقوارض.

رئيس المجلس الرئاسي رفقة وفد من حكومته فى زيارة لسرت 17 أكتوبر 2018

مدينة هلكت ودُمرت بكل أنواع الأسلحة من الأكثر بدائية وحتى الأمريكي منها الأكثر تطوراً فقد أستمر القتال في حربها الأولى لاكثر من شهر مخلفاً دماراً إعتبره الكثير من السكان متعمداً بدافع الأنتقام من مدينتهم التي أحتضنت العقيد القذافي في معركته الأخيرة حيث مماته ومسقط رأسه ، موجهين اللوم لقوات التحالف الدولي التي يقولون بأنها كان يتوجب عليها حماية المدنيين لا تدمير مدنهم وتركهم يواجهون مصيراً مظلماً في مدينة لم تتوفر فيها الا الأطلال بعد أنقطاع المياه والكهرباء وتهجير ونزوح معظم سكانها ، حسب أحد المهجرين من المدينة .

وما إن استعادت سرت بعضاً من عافيتها ببدء عودة الأهالي وصرف بعض الأموال لإعادة إعمارها وتنظيفها ومحاولة دمجها بعد فترات من التهميش والإهمال ، حتى تغلغل أفراد التنظيمات الأرهابية عام  2014 في المدينة على مراحل ، لجنة أمنية مدعومة من الحكومة تحولت إلى أنصار شريعة ثم تحوّرت إلى داعش ناشرين اللون الأسود على أسطح المباني التي رفض أصحابها رفع علم الثورة الجديدة في رد فعل عما حل بالمدينة ، فاتحين الباب للقادمين من قادمين من شرق البلاد وغربها وجنوبها ومن خارجها ، بحثاً عن ملاذ وبيئة يمكن من خلالها التوسع والسيطرة والتجنيد .

تنظيم داعش يعلن السيطرة على سرت – أرشيفية

وهذا ما حدث وفق الأهالي الذين فرض عليهم تنظيم الدولة الإسلامية قيوداً  في الحركة والتنقل والتعامل واللباس والصلاة مستغلاً عباءة الدين ومنفذاً لأحكام الخليفة والأمير الذي أمر بالذبح وقطع رؤوس كل من يخالف تعاليمهم في المدينة حاصدين رؤوس الكثير من أبنائها العسكريين والأمنيين وحتى المدنيين، وما أن انتهى العام حتى أعلن تنظيم الدولة الأسلامية في مطلع 2015 سيطرته التامة على المدينة .

وبعد غارات متقطعة وعمليات إنتحارية وتمدد التنظيم ، تشكلت قوات البنيان المرصوص كقوة تابعة لحكومة الوفاق وكتائب مساندة قدمت معظمها من غرب البلاد وتحديداً من مصراتة  لكنها ضمت بين صفوفها مجموعات من طرابلس والزاوية وغريان ومدن أخرى ، الى جانب مجموعات من المنطقة من بينهم ”  الكتيبة 604 ” الموجود في المنطقة .

وقد تقرر خوض حرب ضد التنظيم إستمرت المعارك فيها لأشهر حتى تم دحر التنظيم وهروب فلوله لأطراف المدينة والصحراء جنوباً مشكلاً خلايا نائمة تقوم بعمليات غادرة بين الحين والآخر دون أن تعود بشكل معلن وقوي كالسابق ، لتعلن قوات البنيان المرصوص التابعة لحكومة الوفاق الوطني في يونيو من نفس العام  تحرير المدينة  من داعش وسيطرتها على آخر معاقلها في منطقة الجيزة البحرية بمدينة سرت.

هنا بدأت سرت وسكانها رحلة أخرى نحو التعافي وعودة الحياة التي فقدت كل مقوماتها في المدينة هذه المرة ، فلم يترك لا التنظيم ولا القوات الحكومية ما يمكن الإتكاء عليه في المدينة بعد أشهر من المعارك المسلحة .

ولا زالت آثار الدمار والخراب ظاهرة على الأرض وماثلة للعيان في كل أرجاء المدينة التي أضطر سكانها للعودة هذه المرة بعد أن أعيتهم الحاجة ونقص السيولة وتبدد المذخرات خلال أشهر النزوح والتهجير .

وبرغم حزمة المساعدات التي قدمتها الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها لإعادة بناء القطاعات المتعطلة في سرت إلا أن الإنهيار شمل كل الخدمات الصحية والتعليمية والبنى التحتية في المدينة  .

وقد علق أحد السكان وهو ينظر الى  المدرسة التي إنهارت أسقفها وأسوارها وتمت تغطية الفتحات بجدار خشبي رقيق حتى تقي التلاميذ البرد ، “أن الأمر يحتاج لأكثر من سيارتي أسعاف وصيانة سريعة للمرافق حتى يتمكنوا من اللحاق بركب المدنية والشعور بالأمان من جديد” بعد كل ما حدث لهم ولمدينتهم وذلك على حد قوله.

جانب من ورشة عمل إعادة إعمار سرت بحضور رئيس الرئاسي 17 أكتوبر 2018

وقد أنطلقت في “المدينة المنكوبة “على حد تعبير الأهالي ، ورشة عمل أمس الأربعاء ليومين حول إعادة أعمار وتنمية سرت تحت شعار   “واقع وطموحات”، بحضور رئيس المجلس الرئاسي فائز السرّاج ووزير داخلية الوفاق فتحي باشا آغا وآمر المنطقة العسكريةالوسطى اللواء محمد الحداد وعميد البلدية مختار المعداني .

وأعلن السراج فى زيارته عن إنشاء هيئة لإعمار وتنمية مدينة سرت؛ لتكون المدينة نموذجاً يحتذى من حيث التخطيط والتحديث وقال : “ما أحوجنا اليوم إلى الوحدة الوطنية، لنخوض معاً معركة لا تقلّ أهمية عن المعركة ضد الإرهاب، معركة البناء، وتعمير المدن والمناطق التي تضرّرت نتيجة للحرب والمواجهات المسلحة ” .

وتواصلت الورشة على مدار يومين ” بجامعة سرت ” وهي أحد أهم معالم المدينة التي  طال الدمار الكثير من مرافقها ، وتم عرض جملة من أوراق العمل منها ما تناول ” أهمية إعادة إعمار المدينة من المنظور الجغرافي والتنموي والأمني والأجتماعي والبحث فى دور الطاقات المتجددة كمدخل لتحقيق التنمية المستدامة “، ” تأثير الحرب على الحالة النفسية على السكان” وورقات أخرى تم تناولها في اليوم الثاني تحدثت عن ” استراتيجية إعادة الإعمار والآثارالسلبية لأنتشار البطالة ” كما كان لتلوث البحر وأهمية معالجته ضمن مشاريع الإعمار مكان في لورشة ، ليبقى بذلك أمر إعادة تأهيل هذه البقعة من الجغرافيا الليبية مرهوناً بنجاح المجلس الرئاسي أو فشله ليكون كل هذا العمل مجرد أوراق تزين المكاتب أو حبيسة للأدراج  .

المرصد – خاص

عشرات الصور لجانب من الدمار والاضرار التي أصابت سرت نتيجة حروب 2011 – 2016 – 2017