تقرير | فى ذكراها السادسة .. شواهد " حملة الخير " التي أصابت النسيج الإجتماعي فى مقتل

ليبيا – يحي أهالي مدينة بن وليد فى مثل هذه الإيام  ذكرى الحرب فى المدينة عقب القرار رقم 7 لسنة 2012 الذي أعلنه المؤتمر الوطني مطلقاً بموجبه عملية عسكرية أطلق عليها إسم ” حملة الخير ” تهدف إلى ما قال بأنه تحرير من بقايا قوات القذافي وذلك عقب مقتل أحد ” ثوار مصراتة  ” إسمه عمران شعبان الذي يُعرّف فى مدينته بأنه هو الذي قبض على العقيد معمر القذافي فى سرت . 

نص قرار المؤتمر الذي تلاه نائب رئيس المؤتمر صالح المخزوم القيادي فى حزب العدالة والبناء يوم 25 سبتمبر على تكليف وزارتي الدفاع والداخلية ورئاسة الأركان باجتياح مدينة بن وليد للقبض على ” قتلة ” عمران شعبان وبقية المطلوبين فى المدينة وتسليمهم إلى العدالة إلا أن القوات التي تحركت كانت في حقيقتها هي قوات درع ليبيا الوسطي ( إئتلاف من المجموعات المسلحة ) غالبيتها من مدينة مصراتة تساندها بعض القوات الأخرى من الزاوية والجبل وطرابلس وبعض مدن الساحل .

يقول معارضوا القرار بأن المؤتمر الوطني العام إضافة إلى أنه أصدره فى جلسة غير مكتملة النصاب حضرها قرابة 37 عضواً فقط قد قام باحياء نزعة لطالما كان يجب تجنبها بين مدينتي مصراتة وبن وليد نظراً لوجود بعض الحساسيات القديمة التي عفى عنها الزمن بين قبائل المدينتين إلا أن المؤتمر عمد إلى إحيائها معلناً بذلك تجديد الصراع بينهما بل بشكل أشد وطأة وأكثر عمقاً ، وقد خرج وزير الدفاع حينها أسامة الجويلي عبر قناة العاصمة معلناً عدم تبعية هذه القوات لوزارته ! .

ورغم المعارضة ومحاولة المشائخ للتهدئة وخاصة من طرف قبائل أعيان المنطقة الشرقية ، إلا أن القوات المكلفة من المؤتمر عزمت على تنفيذه وتنفيذ العملية العسكرية لتنطلق الحرب فى المدينة تزامناً مع عيد الأضحى الذي غاب عن بن وليد لأول مرة فى تاريخها ، وبدلاً من إحياء العيد تحول السكان إلى محاصرين تنهمر عليهم القذائف والصواريخ أو نازحين فى الأودية والشعاب المحيطة بمدينتهم ، حينها برز إسم صلاح بادي كعضو فى المؤتمر يقود عملية عسكرية ضد مدينة أخرى بكاملها لأجل مجموعة من المطلوبين .

أما رئيس المؤتمر العام ، زعيم حزب الجبهة الوطنية للإنقاذ محمد يوسف المقريف الذي أطلق على هذه الحرب إسم ” حملة الخير ” فقد خرج فى خطاب متلفز بمثل هذا اليوم 23 أكتوبر 2012 قائلاً بأن القوات التي تنفذ العملية تلتزم بقواعد الإشتباك ولا تستخدم الأسلحة الثقيلة وتسير فى عملية محدودة للقبض على المطلوبين ومصادرة الأسلحة لكن الصور الواردة من المدينة تزامناً مع خطابه كانت تبيّن حقائق صادمة لا تمت لحقيقة ما قاله بصلة حيث كانت قواته تحاول السيطرة على المدينة فى ذلك اليوم بأي ثمن لتحقيق نصر يتزامن مع ذكرى  ” عيد التحرير ” وكان الثمن مقتل وجرح عشرات المدنيين من السكان كما فى هذه اللقطات التي ينشر بعضها لأول مرة .

وبطبيعة الحال فقد ترافق مع العملية تسجيل عمليات نهب وسلب واسعة طالت الممتلكات الخاصة والعامة إضافة لحرق المنازل عمداً أو نهبها وتخريب محتوياتها بل وكتابة شعارات ” قبلية ” وعبارات نابية بداخلها وجدها السكان عقب عودتهم إلى منازلهم الأمر الذي زاد من المشكلة سوءً على سوء .

جريمة حرب

فى المقابل قالت تقارير حينها بعضها صادر عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إضافة لمنظمات محلية كثيرة بأن جرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في المدينة، ما دفع هؤلاء إلى مطالبة المحكمة الجنائية الدولية ومكتب النائب العام فى طرابلس بفتح تحقيق بشأنه وفى عمليات قتل المدنيين والسجناء ولكن دون أي جدوى .

صور تتضمن بعض الأسرى الذين تمت تصفيتهم فى سجنهم ومن ثم تسليمهم موتى إلى ذويهم – أرشيفية

وفى ذات السياق يطالب عدد من أهالي بن وليد بملاحقة رئيس المؤتمر السابق محمد المقريف قضائياً لقوله فى تسجيل مصور بأنه أعطى أوامر لإعتقال المطلوبين من بن وليد وتقديمهم للعادلة وهو الأمر الذي حدث فى شقه الأول من ناحية القبض لكن شقه الثاني كان ذو نهاية مأساوية تمثلت فى مقتل أكثر من 30 أسير فى سجنهم بمصراتة عقب القبض عليهم أحياء ليتم تسليم جثامينهم إلى ذويهم 27 أبريل 2013 بعد أشهر من إعتقالهم وعليهم آثار تعذيب شديدة فيما يقول الأهالي أن البعض من هؤلاء القتلى لم يكونوا من ضمن المقاتلين بل قد أسرهم على الهوية  .

إرتـــدادات

عقب الحرب فى بن وليد ومقتل العشرات سواء من القوات المهاجمة أو المدافعة ومابينهما من مدنيين ، شهدت البلاد فى الفترات التالية حروباً عدة أخذت طابعاً قبلي وجهوي ومناطقي فى مناطق الغرب والجنوب والوسط وسادت ثقافة إستيفاء الحق بالذات وإستخدام القوة ، وإنهارت قواعد العُرف الإجتماعي وإحترام الجار   .

ويعتبر عدة ساسة ومراقبين بأن قرار المؤتمر الوطني العام رقم 7 /2012 كان بمثابة الضوء الأخضر للقبائل والمدن لكي تستحل دماء بعضها البعض تحت غطاء ” الشرعية الثورة ” وشعارات الحفاظ على الثورة أسوة بمنفذي قرار الحرب فى بن وليد .

ويستدل هؤلاء بأن الأمثلة على هذا ” الإستحلال ”  كثيرة منها  ماحدث لاحقاً بين الزاوية وورشفانة وأولاد سليمان والقذاذفة والتبو والطوارق فى سبها وأوباري وبين زوارة وقبائل النوائل فى الجميل ورقدالين وكذلك بين قبائل الزنتان والمشاشية ، وفى المحصّل فأن المؤتمر العام بالإجمال ، وتيار الإسلام السياسي فيه بشكل خاص يتحملّان وزر هذه المشكلة لكونهم كانوا أول سلطة منتخبة بعد فبراير 2011 تجيز إستخدام السلاح لحل الخلافات بين المدن وسبغها بطابع مناطقي أو قبلي دون مراعاة للحساسيات السابقة .

حتى دفع كل ذلك البعض إلى القول بأن تأزيم قضية بن وليد من قبل الموتمر العام المنتخب فى 7 يوليو 2012  كان متعمداً ضمن سياسة ( فرّق تسُد ) وقد ساد المؤتمر بالفعل حتى تاريخ اليوم وأصبح مجلساً إستشارياً إسمه مجلس الدولة الذي حطّم أعضائه رقماً قياسياً فى البقاء على هرم السلطة هو الأطول بين كل برلمانات المنطقة  .

حملة إعلامية

رافقت هذه الحرب حملة إعلامية تورط فيها هذه المرة إعلام الدولة الرسمي عبر قناة ليبيا الوطنية التي كانت تغطي تحركات القوات على إنها تابعة لشرعية المؤتمر الوطني العام ، وكأي حدث فى ليبيا رغم قتامته إلا أن الأمر لم يخلوا من الطرفة والتنذر حيال بعض المبررات التي سيقت للتغطية على الجريمة التي أرتكبت بحق السكان ألا وهي وجود الرائد خميس معمر القذافي فى المدينة بل أنه يقود المعارك فيها على الرغم من تأكيد مقتله فى غارة لطيران حلف شمال الأطلسي قبل أكثر من سنة عن تلك الاحداث .

وقد أعلنت قناة ليبيا الرسمية نبأ مقتل خميس فى تلك الحرب بعد بتر ساقه وقطع أذنه وإحتراق وجهه والقبض على موسى إبراهيم الناطق باسم النظام السابق قبل أن يتضح بأن كل ما قيل غير صحيح وبأنها كانت حملة للتغطية على ما يحدث داخل المدينة لتشتعل مواقع التواصل الإجتماعي غضباً وتنذراً وكان عنوان ” كراع خميس ” هو الأبرز فى تلك الأيام خاصة مع ظهور رئيس حزب الجبهة الوطنية للإنقاذ محمد إبراهيم الضراط صهر المقريف مؤكداً القبض على خميس وبأنه تم إعلامه بذلك من قبل شخص رأى الجثة بعينه !

تجريم

فى 25 ديسمبر الماضي جرّم مجلس النواب الليبي القرار 7 وإعتبره اعتداءً من السلطة التشريعية على اختصاصات السلطة القضائية والتنفيذية، وانتهاكًا لمبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليها في الإعلان الدستوري .

وأكد المجلس فى بيان بأن قرار المؤتمر العام المنتهية ولايته منعدم لصدوره ممن لا ولاية له مطالباً أصحاب الاختصاص بكشف ملابسات إصدار القرار وكيفية تنفيذه والانتهاكات والآثار التي ترتبت عليه ومعالجته كما دعا مؤسسات الدولة إلى التزام الحيادية كونها موجودة لخدمة كل الليبيين والمصالح العليا، ورفض توظيف أي اعتبارات جهوية أو إيديولوجية .

وحمّل المجلس “كل من ساهم في إصدار هذا القرار، أو عمل على تنفيذه وما ترتب عليه من جرائم ضد الإنسانية، المسؤولية وفق أحكام قانون العقوبات والقوانين المكملة له مطالباً بمعاملة ضحايا مدينة بني وليد معاملة شهداء الواجب جراء تنفيذ القرار .

العدالة الغائبة !

وفى كل سنة من مثل هذه الأيام يحيي أهالي بن وليد ذكرى فقدانهم لذويهم وممتلكاتهم فى تلك الحرب التي شُنت عليهم باسم السلطة دون أن تلتفت لهم أي من الحكومات المتعاقبة لجبر ما لحق لهم من ضرر كما فعلت فى حالات مشابهة مع مدن أخرى تمتلك السلاح والقوة وتشارك فى العملية السياسية .

وفى أبريل الماضي أقر رئيس حزب العدالة والبناء الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، محمد صوان بأن القرار رقم 7 قد تسبب بشرخ في النسيج الاجتماعي، مشيراً إلى أنه أتخذ في فترة الشعور بنشوة الانتصار والثورجية الزائدة من بعض الشرائح وأكد صوان، في مقابلة مع قناة 218  أن هناك من أجج إلى وجود فئات تتجمع في بني وليد لتعود وتنقض على ما وصفها تلثورة، مشيراً الى أن بعض القنوات الإعلامية عملت على تهييج الموقف .

وقال : ” لو رجع بنا الزمن لتلك الفترة لن يوافق عليه أحد ، وحزب العدالة والبناء لم يكن متحمسا للقرار 7 وأنه سعى إلى احتواء هذه العملية التي يتحمل مسؤوليتها كافة أعضاء المؤتمر الوطني العام السابق الذين صوتوا عليها بالموافقة وأشار إلى أن القرار خاطئ وترتبت عليه الكثير من المآسي، مطالباً بمعالجته في سياق المصالحة الوطنية.

كما إستنكر صوان فى معرض حديثه دخول بعض القوات ورفعها لصورة رمضان السويحلي في شوارع مدينة بني وليد، مشيراً إلى إن هذه القضية هي قضية تاريخية وأمرها عند الله وإحيائها برفع الصورة أمر مستهجن ومستقبح حتى من سكان مصراتة لأنه تصرف استفزازي مرفوض لكنه لم يشر إلى مسألة أن أعضاء كتلة حزبه كانوا من بين المصوتين القلائل على القرار فى تلك الجلسة غير مكتملة النصاب والتي قيل بأن قرارها كان مرهوناً فى يد مسلحين جلبهم صلاح بادي أمام المؤتمر للحصول على شرعية للحرب وهو ماتم بالفعل  .

المرصد – خاص