"الغارديان البريطانية " تصدم حكومة الوفاق بتقرير بعد مهمة صحفية فى طرابلس

ليبيا – نشرت صحيفة ” الغارديان البريطانية ” أمس السبت ، تقريراً ميدانياً أعدته لحسابها الصحفية ” فرانشيسكا مينوتشي ” من وحي زيارتها إلى العاصمة طرابلس منتصف شهر نوفمبر المنصرم وقد وصفت القيادة عبر ضواحيها الجنوبية أمراً مخيفاً بعد الدمار الذي أحدثته الإشتباكات الأخيرة بين “المليشيات ” على هامش ماوصفتها بـ “الحرب الأهلية ” في ليبيا .

تقرير صادم لحكومة الوفاق التي منحت إذن دخول الصحفية إلى ليبيا عبر إدارة الإعلام الخارجي التابعة لوزارة الخارجية لكن ” مينوتشي ” ألمحت إلى أن الأمور فى العاصمة تسير بشكل مخالف للشكل الذي ترغب الحكومة أن تظهر به عاصمة البلاد وعنونت تقريرها بعنوان ” داخل الفوضى والفساد في طرابلس ، حيث تسيطر الميليشيات على الشوارع ” .

الصحفية الإيطالية ” فرنشيسكا منوتشي ” – الإنترنت

تروي الصحفية فى تقريرها المطول الذي ترجمته صحيفة المرصد كيف أنه لايزال هناك منازل محطمة وشوارع مليئة بالركام تتخللها آثار إنفجار قذائف الدبابات والصواريخ أثناء القتال الذي دار في سبتمبر الماضي مشيرة إلى أن ” البعض فى طرابلس يقارن الحياة مع الميليشيات بالحياة فى شيكاغو الأمريكية لكنها مقارنة خاطئة لأن المجرمين هناك ليس لديهم مدفعية ثقيلة “. وقالت ” : لقد خاطر الناس هنا بحياتهم تحت حكم القذافي ولكن لقد روعهم الطغاة الجدد في البلاد ، في مدينة الإسلاميين وأمراء الحرب ، يتحدث معارضو ليبيا للغارديان ” .

وقالت الصحفية إن مقابلة المعارضين لحكومة الوفاق في هذه الأيام ليس بالأمر السهل لأن القيام بذلك يعني تجاوز الإنذار الرسمي الذي خُصص لها كصحفية بفندق أقامت به في ، طرابلس وتضيف : ” خرجت للشارع حيث السيارة كانت متوقفة في مكان قريب ومن هناك تحركنا فى رحلة ملتوية عبر الشوارع الخلفية للمدينة مع سائق كان يقود ببطؤ ويقوم بإنعطافات مفاجئة ” .

وأضافت : ” بعد سبع سنوات من خلع معمر القذافي وقتله في الثورة دخلت ليبيا دائرة كاملة من الدكتاتورية ولكن من بوابة الثورة والديمقراطية والفوضى وعادت إلى نوع جديد من الإستبداد ، ففى هذا الوقت ، لا يوجد دكتاتور واحد بل العشرات هم على شكل ميليشيات هي ذاتها التي هزمته ، كما أن معارضي القذافي فى الخارج عادوا للبلاد وبعد عدة أيام من المكالمات الهاتفية ، إلتقيت بواحد من أبرز المحامين هو حميد المهدي “.

تشير الصحفية إلى أن القيادة في طرابلس تضع الشخص أمام مهمة ضبابية للتمييز بين المسلحين الذين يرتدون أزياء مختلفة أو الزي الرسمي المموه وهم يعتلون عربات شحن ( آليات مسلحة ) متهالكة ، وقالت :

” هم أفراد عصابات لكنهم فى الحقيقة هم قوات الأمن الرسمية التابعة لحكومة الوفاق المدعومة من الأمم المتحدة ، لقد أدركت ذلك فى النهاية ، لقد شاهدت كتيبة جديدة تم تجهيزها بزي رسمي أزرق تابعة لوزارة الداخلية لكنها تبقى ميليشيا ، كما أن العنف والتهديد لازال موجوداً مثل السابق ، وتزداد التوترات بعد أن يتم رمي جثمان أحد أمراء الحرب خارج مستشفى إثر مقتله على يد مجموعة منافسة وذلك في أحدث عملية قتل إنتقامية شهدتها العاصمة “.

تسرد الصحفية كيف أنها وفى يوم جمعة زارت المحامي المهدي في بيته ، الذي قالت بأنه أعاد تشييده بعد أن أحرقه من وصفهم بـ ” سفاحي القذافي ” كعقاب لمعارضته للنظام السابق وهو ذاته قد عرّف نفسه كمعارض من جديد وقال : ” عارضت النظام القديم والآن أعارض الطغيان الجديد فى هذا البلد الذي تتبدل فيه الأوضاع كالحرباء” .

بعد عودته من صلاة الجمعة ، إلتقى المهدي بالصحفية ” مينوتشي ” التي قالت بأنه كان يرتدي جلابية بيضاء وبدا أنيقًا وقد قدم لها كوبًا من الشاي الحُلو وقال : “لقد قتلنا القذافي ، لكن العديد من الدكتاتوريين الصغار وقادة الميليشيات  ولدوا من رماد جثته”.

يضيف : ” لو كان بيتي هذا في بلد آخر لكان سيكون على جداره الخارجي لوحة زرقاء تدل على أهميته التاريخية ،  فهو المكان الذي إلتقى فيه المعارضين مخاطرين بكل شيء من أجل حلم الحرية ، كنّا نجلس في هذه الغرفة حيث كنّا كمعارضين نتحدث ونخطط إبان حكم القذافي ، لقد سميت هذه القاعة بقاعة المتظاهرين، هذا المكان الأعز بالنسبة لي فى المنزل.”

ووصفت الصحفية النظام السابق بأنه كان قاسيًا لأن المهدي أخبرها بتعرضه للضرب ثم للسجن وإستطردت قائلة : ” لكن حتى في السجن عزز المهدي الأمل في نفسه بأن ليبيا ستكون حرة في يوم ما ، هذا الأمل يموت لأن ثمار الحرية أصبحت واضحة ” .

تصاعد أعمدة الدخان فى أحد مناطق جنوب طرابلس خلال الإشتباكات الأخيرة – رويترز

يسرد المهدي للصحيفة شعوره الحالي قائلاً : “لم نتعرض للتعذيب والإهانة من الدكتاتور القذافي حتى نصبح مثله ، ماذا جلبت كل هذه الدماء لنا؟ الحقيقة لقد جلبت لنا جحيماً يومياً “. ثم يخفض عينيه ويقول :” أعتقد أن الثورة كانت خطأ “.

تشير الصحيفة إلى أن الأمم المتحدة كانت قد أعلنت قبل ثلاث سنوات بأن الجحيم الذي يتحدث عنه المهدي سينتهي بمجرد تشكيل حكومة الوفاق الوطني التي قيل بأنها شقت طريقها إلى طرابلس لتخليصها من العصابات ولكن عوضاً عن طرد الميليشيات ، فإن الحكومة ذاتها باتت تدين بالولاء لهم !.

يؤكد تقرير ” الغارديان ” بأن ” أمراء الحرب ” في طرابلس موجودون على كشوف مرتبات الدولة إضافة لقدرتهم وبكل بساطة على تهديد المصرفيين بالخطف أو بما هو أسوأ من ذلك وقد أسفرت ضغوط مماثلة عن تسليم الحكومة ملف ” الإستخبارات والمراقبة” إلى ميليشيا إسلامية لم تسمها الصحيفة .

في هذه الأثناء ، تشير الصحفية إلى معايشتها معاناة المواطنين فى شوارع طرابلس مع نقص البنزين وإنقطاع الكهرباء والمياه وشح السيولة النقدية ، وتقول : ” ليبيا غنية بإحتياطيات أجنبية تبلغ 50 مليار جنيه إسترليني ولها إنتاج مزدهر من النفط لكن لا يسمح سوى لعدد قليل فقط من البنوك التي تسيطر عليها الميليشيات بتوزيع السيولة النقدية حيث يقف المواطنون فى طوابير طويلة بطول كيلومتر  للحصول على مذخراتهم ” .

مقاتل تابع لحكومة الوفاق فى إشتباكات طرابلس الأخيرة – غارديان نقلاً عن أ ف ب

وتصف الصحفية رحلتها للقاء المهدي فى منزله بأنها إشتمت فيها رائحة نادرة للهواء النقي في مدينة يتم التحكم فيها عن كثب عن طريق المعلومات، وتقول :

”  في عهد القذافي كان الصحفيون يحتاجون إلى تصريح فقط للخروج من الفندق إلى الشارع ،أما الآن أنا بحاجة إلى إثنين من الحكومة ، والآخر من الميليشيات التي تسيطر على أي منطقة أخطط لزيارتها ، لم ينتخب أحد حكومة الوفاق التي عينتها لجنة حوار ترأستها الأمم المتحدة ، طرابلس لها وجهان أمام العالم الأول يبرز عند زيارة الدبلوماسيين الغربيين دورياً لها لتصويرها بأنها مدينة مبتسمة مع رئيس الوزراء فائز السراج ، أما الوجه الآخر فهو للليبيين أنفسهم وهو ليس جميلاً “.

أما عن حرية حركتها اليومية فى طرابلس ، تقول الصحفية ” فرانشيسكا مينوتشي ” بأن الحكومة خصصت لها مرافق يدعى إسماعيل كان يقول لها ” لا تلتقطي صوراً لطوابير الإنتظار أمام المصارف ولا تجرى مقابلات مع الناس هنا”  ، كما تؤكد بأن هذا الشخص كانت لديه أوامر بأن يتبعها في كل مكان وبحوزته بمجموعة من التصاريح والأذونات ، وتصف الصحفية الأمر بأن له جانب هزلي لأنه كان يمكنها شراء القهوة من أي مقهى من المقاهي المنتشرة فى المدينة لكن لا يمكنها التحدث إلى الزبائن لأنها لا تملك تصريحاً بذلك! .

كما أكدت بأنه لم يكن بوسعها التحدث للشبان البسطاء فى الشوارع لكنها شاهدت شبان آخرين من المليشيات يرتدون ملابس باهظة الثمن تحمل علامات تجارية راقية ولديهم رشاشات ويتجمعون حول سيارة مرسيدس سوداء فاخرة لأنهم يعرفون أنهم القوة الحقيقية في هذه المدينة ، وتقول :

” كما يفعل الجميع في حالات الإحباط ، أسأل إسماعيل مرافقي من حكومة الوفاق عن ما هي التقارير التي يمكن أن أقوم بها بدون تصاريح تخولني التحدث إلى الناس فيجيب قائلاً : لا أعرف ، ربما لا شيء” .

وممن وصفتهم بالمعارضين الآخرين الذي قابلتهم الصحفية هناك شاب يدعى إبراهيم وهو مقدم برامج إذاعية وقد شكل لجنة صغيرة تسمى لجنة الأزمات وتعقد إجتماعات جادة لمناقشة المضي قدماً بالأوضاع مشيرة إلى أنها لجنة غير مجدية .

مقر مفوضية الإنتخابات المحترق بعد هجوم داعش عليه فى مايو الماضي – إ ف ب

كل هذا وبحسب ذات الصحيفة يجعل إبراهيم يعتقد أن ليبيا لا تستطيع التعامل مع الحرية ويقول : ” لم نكن مستعدين للثورة ولم يكن لدينا الوسائل للتعامل مع هذه الحرية ، كنّا مثل الطفل الذي كان يطلب لعبة لفترة طويلة ثم حصل عليها في النهاية ، لكن تم تفكيك اللعبة إلى قطع ولم نعد نعرف ما يجب فعله بهذه القطع “.

وعن تعاملها مع إدارة الإعلام التابعة لحكومة الوفاق ، تقول الصحفية إن الإدارات فى طرابلس تُدار بشكل بيروقراطي من قبل نفس الأشخاص الذين قالت بأنهم كانوا يديرونها فى النظام السابق بالطرق القديمة ، تضيف : “يفتخر أحد ضباط الإعلام قائلاً : نحن جميعًا من الخُضر فى هذا المكتب ، فى إشارة منه إلى لون علم الدكتاتور الأخضر ، نحن نعرف كيف نتعامل مع الصحفيين ، إنهم جميعاً جواسيس “.

عن الفساد ، تقول الصحفية نقلاً عن شاب يدعى محمد بأنه كان في ظل النظام السابق واسع النطاق واصفاً الحالي بأنه فساد فوضوي ، ويشير هذا الشاب البالغ من العمر 35 عاماً ويزور فندق الصحفية فى المساء بأن طرابلس تعاني من الفساد على كل المستويات ، وقال : ” حتى أولئك الذين ينبغي أن يدينوا الفساد هم فاسدون مثل الآخرين وربما أكثر.”

تنقل الصحفية بأن محمد حمل السلاح إبان ” ثورة 17 فبراير ” وإنضم لصفوف من وصفتهم بالمتمردين ، لكنه يعتبر الآن ماقام به بأنه كان خطأً ، وتنقل عنه قوله  :

” لو كان بمقدوري ، سأمسح تلك الأيام من ذاكرتي ، أعرف أن القذافي كان ديكتاتوراً ، لكننا لم نكن مستعدين للديمقراطية ، إن المستفيد المحتمل من هذا الاستسلام هو خليفة حفتر الذي بنى قواته بالقوات المسلحة النظامية في ليبيا ، حفتر أيضاً كان معارضاً وقبلها كان من رفاق القذافي وهو يتهم حكومة الوفاق بموالاة الإسلاميين وتعهد بالزحف على طرابلس وسحق المليشيات ، كثيرون يؤيدونه هنا رغم مخاوفهم من أنه يطمح لإقامة حكم عسكري “.

ويتابع محمد حديثه عن مشاعره الحالية قائلاً : ” نحن جميعاً مستقيلين وفى هذه الإستقالة يفكر الكثير منا ، وبألم يعتصر القلوب بأنه من الأفضل أن يكون حفتر فى طرابلس ، من الأفضل أن يعود رجل قوي إلى هذه البلاد “.

وتختم الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى إستطلاع رأي وصفته بأنه نادر وقد قامت به فى وقت سابق وكالة حكومية أميركية وكانت نتائجه بأن الجيش بقيادة القيادة العامة هو أكثر المؤسسات الليبية شعبيةً ، في حين بلغت تأييده ما نسبته 68٪ متفوقاً بذلك على حكومة الوفاق التي بلغت شعبيتها 15٪ فقط من الليبيين المستطلعة آرائهم .

يشار إلى أن إدارة الإعلام الخارجي التابعة لخارجية الوفاق قد أعلنت وصول الصحفية ” فرانشيسكا مينوتشي ” إلى طرابلس ومغادرتها يوم 21 نوفمبر المنصرم وكتبت مشيدة بها وبزيارتها : “غادرت الصحفية فرنشيسكا مينوتشي الأراضي الليبية عبر مطار معيتيقة .

بيان إدارة الإعلام الخارجي حول زيارة ومغادرة الصحفية ” مينوتشي “

وكانت الصحفية الإيطالية المحررة بصحيفة ليسبريسو الإيطالية قد قامت بزيارة عمل صحفية شملت العديد من المواضيع الصحفية و أختتمت برنامج عملها بحضور إحتفالات المولد النبوي الشريف بالعاصمة طرابلس . هذا وتعد الصحفية مينوتشي احدى الصحفيين المتخصصين في قضايا الهجرة و قد أجرت معها عدد من القنوات الفضائية مقابلات مرئية باعتبارها متخصصة في هذا المجال ” . وفقاً للإعلام الخارجي .

لكن ” مينوتشي ” وبعد مغادرتها طرابلس نفت مشاركتها فى تغطية إحتفالات المولد النبوي وقالت بأنها لم تكن تتحرك بحرية وقد فُرضت عليها قيود من قبل إدارة الإعلام الخارجي وبأن البيان الذي نشرته الإدارة عن زيارتها كان به معلومات خطأ ! .

 

المصدر : صحيفة الغارديان البريطانية . 

الترجمة : المرصد – خاص