تقرير | حل مؤجل وميزان يتمايل بطرابلس ووفاق مُوقع بالدم فى الجنوب – صحيفة المرصد الليبية

ليبيا – أثار بيان المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الصادر مساء الثلاثاء ردود فعل متباينة كان أغلبها رافضاً لما ورد فيه وخاصة رفضه للعمل العسكري ضد الإرهابيين والمعارضة التشادية إلا بشروط معينة .

وبلغة حازمة دعا الرئاسي إلى التوقف الفوري لمثل هذه الأفعال حفاظاً على السلم الأهلي وحقنا للدماء، آملاً أن تسود لغة العقل والحكمة وأن تتوقف هذه الأعمال التي قال بأنها تحبط آمال الليبيين في تحقيق الإستقرار ، فى إشارة منه لعملية الجيش فى الجنوب .

وإعتبر الرئاسي أن هذه التصرفات ستعيد البلد إلى الوراء وهي على أبواب حل الأزمة عبر توحيد المؤسسات واجراء الانتخابات حتى تجتاز المحنة وتصل  إلى بر الأمان وبأدوات الجزم قال بأنه لن يسمح بحدوث أي شقاق إجتماعي فى الجنوب .

وفي المجمل حاول الرئاسي الظهور بمظهر القوي الحازم الواثق من نفسه وقراراته ومواقفه وبياناته ، إلا أن بياناً آخراً صدر قبل دقائق من بيانه كان له رأي آخر تتفق طبقة واسعة من الليبيين مع ماجاء فيه وإن أختلف بعض منها مع من أصدره .

كان هذا البيان من قوة حماية طرابلس التي أعلنت للمرة الثانية عدم إعترافها بشرعية المجلس الرئاسي إلا مجتمعاً باعضائه التسعة، حسب إتفاق الصخيرات ، مطالبة بعثة الأمم المتحدة بتنفيذ الإتفاق كاملاً بحذافيره، لا بطريقة إنتقائية تستخدم السلطة لأجندات وصفتها بالحزبية المناطقية المشبوهة.

وتضم هذه القوة كل من كتيبة ثوار طرابلس ، النواصي ، قوة الردع الخاصة ، الردع والتدخل ( أبوسليم ) وكتيبة باب تاجوراء وقد خاضت حربين مع اللواء السابع  ترهونة فى جنوب العاصمة حيث تلى الحرب الأولى تكليف فتحي باشاآغا منصب وزير الداخلية .

عقب ذلك بساعات أعلن رئيس المجلس الرئاسي تكليف ” الفريق ” على كنه بمنصب آمر المنطقة العسكرية سبها لكن عدم إجماع الرئاسي وفقاً لنصوص الاتفاق السياسي يجعل من هذا القرار لا يساوى أكثر من ثمن الوريقة والحبر الذي كُتب به .

ولم تمضي ساعات عن صدور القرار حتى أشعل الرئاسي عبر كنّه نار قتال فى أوباري ضد قوات الجيش ، وليس أي قوات ، بل ضد الكتيبة التي كانت تسمى يوماً ما بقوة حفظ السلام لكونها قد فضت القتال بين قبائل الطوارق والتبو الذي دار طيلة سنة 2015-2016 وأفشلت إتفاقاً مشبوهاً للمصالحة وُقع فى العاصمة القطرية الدوحة ، هي الكتيبة ذاتها التي وقّع سكان المدينة قبل شهر على طلب يرفض إنسحابها حفاظاً على السلم الأهلي الذي قد يتحول فى أي لحظة إلى صراع أعمق وأشد وطأة فى ظل الأجواء المشحونة الحالية .

كان عنوان أحداث اليوم الخميس الأبرز هو معركة أوباري التي سقط فيها 10 قتلى 4 منهم من الجيش ينحدرون من المقارحة والحساونة والطوارق و 6 آخرين من قوات كنّه لينتهي الجمع بأنه يوم ” الوفاق الموقع  بالدم ” وبإمتياز ” .

قبلها قال اللواء أسامة جويلي آمر المنطقة العسكرية الغربية فى حديث لـ المرصد بأن قوات تابعة لجهاز حرس المنشآت النفطية قد توجهت لحقل الشرارة قبل أن يعلن آمر الجهاز عقيد إدريس بوخمادة عدم إرساله أو قوات أو إجراء تنسيق بالخصوص فيما توعدت القوة التي كانت تتمركز فى الحقل بالقتال .

مراراً أكد أعضاء من الرئاسي نفسه ومن مجلس النواب بأن السراج يتفرد بصفة القائد الأعلى بالمخالفة لنصوص الإتفاق السياسي الذي ينص على أن أعضاء الرئاسي التسعة هم القائد الأعلى بل أن الإتفاق نفسه يشدد على ضرورة أن تصدر القرارات بإجماع كامل الأعضاء وهو الأمر الذي إستندت عليه المحاكم فى إبطال ووقف تنفيذ عشرات القرارات الصادرة عنه .

وبعيداً عن رمال الجنوب ، إلى فوضى القرارات والإجراءات ، أعلنت الكتيبة 301 مشاة ” الحلبوص ” عودة تمركزاتها فى جنوب طرابلس بتنسيق وبطلب من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ، قبل أن يخرج الناطق باسم السراج نافياً إصداره أي تعليمات لها وبأنه لم يكلف أي قوة للتمركز سوى المنصوص عليها فى قرار الترتيبات الأمنية التي لم يُكتب لها أن ترى النور سواءً الآن أو حتى منذ دخول الرئاسي إلى طرابلس .

وبالعودة إلى الجنوب ، تعلن مصادر مقربة من الجيش الليبي إنطلاق عملية تستهدف الدخول إلى مدينة مرزق ، ليتفاجئ الجميع بدخول قوات الجيش إلى مدينة أوباري والسيطرة عليها وعلى حقل الشرارة النفطي أكبر حقول البلاد داعياً مؤسسة النفط ضمنياً إلى التوقف عن التحجج بعدم ملائمة الظروف لإعادة تشغيله .

فى المجمل فأن ماحدث ويحدث يشير إلى أن ما نسبته قرابة 90% من الحقول النفطية قد أصبح خارج السلطة المسلحة لحكومة الوفاق التي باتت فى مرمى الإتهام بتأجيج الصراعات القبلية بتعيين الفريق كنه فى هذا الظرف الدقيق وهو المنحدر من قبيلة الطوارق كما حاولت سابقاً وفشلت عبر تعيين شخصيات من قبيلة العواقير فى محاولة منها لشق الصف الإجتماعي الداعم للجيش مهما كلف الثمن .

كما يدل على أن رقعة سيطرة القوات المسلحة قد إتسعت بشكل يبدو أن الرئاسي ومجلس الدولة ومن خلفه جماعة الإخوان المسلمين لم يستوعبوه بعد ولم يضعوا له القراءة الصحيحة كما أن الحملة التي إطلقتها قناة الجزيرة القطرية ومن لف لفها فى ليبيا عن إندلاع أحداث تطهير عرقي فى الجنوب لم تجني أكلها .

ففي الوقت الذي كان يتوقع من يقف خلف هذه الحملة بأن تلقى أصداءً دولية ، جاء الرد من باريس التي رحبت صراحة وعلى لسان وزير خارجيتها بعمل الجيش الليبي فى الجنوب مؤكدة على أهمية البؤر الإرهابية التي تمكن من القضاء عليها .

هي باريس ذاتها التي شنت خلال هذا الأسبوع غارتين جويتين إستهدفت مواكب مسلحة للمعارضة التشادية كانت منسحبة من ليبيا وكان آخر هذه الضربات ما أُعلن عنه مساء الأربعاء وفيما يتحدث حلف الإسلام السياسي عن إبادة عرقية للمدنيين فإن المرصد فى المقابل لم تتحصل على أي أسماء أو حصيلة لقتلى ليبيين من قبائل التبو أو غيرهم سوى أن كل الإحصائيات تؤكد بأن القتلى من المسلحين التشاديين ومن تحالف معهم .

ولم يمضي وقت طويل حتى ظهر المبعوث غسان سلامة على شاشة العربية مشيداً بعمل الجيش فى الجنوب بقوة ومؤكداً على عودة الأمن لسبها متوقعاً إستئناف العمل قريباً فى حقل الشرارة الذي يرفض مدير المؤسسة الوطنية للنفط صنع الله إعادة تشغيله وهو الذي كان ينشر نشرة يومية للخسائر المليونية عندما لم يكن مسؤولاً عن إغلاقه .

يؤكد سلامة فى حديثه بأن الجيش قضى على عناصر إرهابية فى الجنوب كما ذكّر الجميع بزيارته إلى سبها عندما إشتكى له السكان من المسلحين التشاديين والسودانيين وقال ”  لكن الأمن تحقق الآن ” ولكنه فى المقابل لا زال يتحدث عن تأجيل الحل المؤجل ألا وهو الإنتخابات رغم إشارته ضمناً بأن عمل الجيش الحالي يصب فى خانة توفير الأمن اللازم لها .

وعندما كان سلامة يتحدث ، نشرت قوة حماية طرابلس بلاغاً أرسلته للنائب العام أعربت فيه أملها أن يتم الكشف عمن يقف وراء صفقات السلاح المتكررة التي تأتي من  تركيا، كون بعض المسؤولين صرحوا لوسائل الإعلام عن أن الأسلحة التي تم ضبطها في ميناء الخمس متمثلة في مسدسات وكواتم صوت ورشاشات لا تشكل خطر على المواطن وذلك فى إشارة لتصريحات وزير الداخلية فتحي باشاآغا الذي إتهمته صراحة فى وقت سابق بإيقاض الحرب ، لتأتي اليوم وتتهمه ضمنياً بتوريد شحنات الموت من تركيا فيما إتهمه جمرك ميناء الخمس بجلب مليشيا للإستيلاء على المدرعات المضبوطة بالقوة ! .

وبالعودة لوضع الجنوب فقد أكد النائب الأول لرئيس مجلس النواب حميد حومة بأن تعيين كنّه يهدف الرئاسي من خلاله لإشعال نار الفتنة القبلية فيما حذر الجيش على لسان عميد أحمد المسماري كنّه من مغبة إستمراره فى تنفيذ الاجندة القطرية حيث كان يقيم معتبراً بأن قرار هذا التكليف قد صدر من جهة غير مختصة ولا دستورية ولا قيمة له .

أما المفتي الصادق الغرياني وأحاديثه فذلك شأن آخر ورواية أخرى وفصل مستمر من فتاوى الدم ، حتى أن قائلاً قد قال بأن الرجل يكاد أن يكون معارضاً تشادياً أكثر من زعيم المعارضة التشادية ” تيمان آرديمي ” نفسه لا لشيء إلا إنتصاراً لأيدولوجيا أعمت القلب قبل البصيرة عن تمييز عدو مشترك لليبيين أجمع وهو الذي قال سابقاً بأن ” قتال حفتر فى بنغازي مقدم على قتال داعش فى سرت ! ” .

وفى المجمل فأن كل هذه الأحداث المتسارعة ولعل أهمها بعد الجنوب هو بيانات قوة حماية طرابلس كون هذه القوة لاطالما كانت تُعتبر اليد الضاربة للسراج ويبدو واضحاً بأنها لم تعد على توافق معه بالمطلق حتى بلغ بها الأمر بتقديم شكوى ضد وزير خارجيته الذي إتهمته صراحة فى عدة مناسبات بهندسة مشروع فجر ليبيا والتحالف مع الإخوان المسلمين وتنفيذ أجندتهم .

إذاً ، هو  إختلال واضح فى ميزان عقر دار ” الوفاق ” قد بات جلياً ولربما قد يقول قائل بأن الوقت قد حان لنسيان هذا المصطلح أصلاً وتجاوزه وهو الذي لم ينل من إسمه أي نصيب منذ ثلاثة سنوات لم تسجل إلا تطبيقاً إنتقائياً لبنود إتفاقه ، كيف لا وأعضاء فى الرئاسي يرفضون القرارات الفردية ومحاكم تحكم تباعاً ببطلان هذا القرار أو ذاك لصدوره بغير إجماع أو لإنعدام الصفة ، وبيانات عسكرية متخبطة وقرارات وأوامر دموية وجهل مطبق إن أُفترضت حسن النية بتركيبة ونسيج إجتماعي معقد فى الجنوب لم يزيده العبث إلا تعقيداً   .

وبغير معزل عن كل هذا الضجيج ،  هناك لجنة تسمي نفسها لجنة الترتيبات الأمنية يتوقف على نجاح عملها حياة آلاف الليبيين لكنها تؤكد عدم تنفيذ أي من هذه الترتيبات حتى على بعد أمتار من مقر الرئاسي نفسه الذي يعترض على إستخدام القوة والحلول العسكرية ضد فلول إرهابية هاربة من مالي والجزائر ومعارضة تشادية على بعد 1000 كيلومتر ، هي المعارضة ذاتها التي شاركت فى مجزرة دامية صيف 2017 راح ضحيتها 141 مواطناً ليبياً فى قاعدة براك الشاطئ الجوية وبإشراف كامل ومسؤولية مطلقة من وزارة دفاع توافقية لم يتبقى منها إلا حامل حقيبة وختم فى أرفف مكتب السراج وأحياناً فى جيبه .

المرصد – خاص