” شيرخان ” وشيتاو يتصدران مع ” البقرة ” وبادي .. هل طوّقت ” حماية طرابلس ” نفسها ؟ – صحيفة المرصد الليبية

ليبيا – وإن حاولت حكومة الوفاق ومسؤوليها إظهار العكس ، تتصاعد المخاوف في محاور جنوب طرابلس من تنامي نفوذ المسلحين المتشددين على حساب الكتائب المحلية التي باتت أكثر هشاشة من البقية بشكل واضح وعلني غير خفي وكان آخر ظهور سجل في الساعات الأخيرة للقيادي المتشدد عضو ما يسمى سرايا الدفاع عن بنغازي مراد شيتاو أحد المتورطين في الهجمات على المرافق النفطية وما تلاها من مجازر إرتكبتها هذه السرايا المصنفة أمريكياً كجماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة وكان ظهوره هذا في صورة مع القيادي الآخر محمود بعيو الملقب ” شيريخان آمر كتيبة ” شهداء أماطين ” بأحد محاور القتال جنوب العاصمة وقد شاركا في السابق سوياً بمعارك فجر ليبيا وتحديداً بقاعدة الوطية .

شيتاو مع شيريخان – جنوب طرابلس

خلال الأيام الأولى للقتال الدائر في العاصمة منذ يوم 4 أبريل الجاري ، حاولت كتائب طرابلس التي تطلق على نفسها إسم لم تقره وزارة الداخلية وهو “  قوة حماية طرابلس ” إظهار نفسها بشكل أكثر قوة ، إلا أن هذه الصورة لم تدم طويلاً وقد طغت على هذا النمط صورة أخرى لكتائب مختلفة غالبيتها من مصراتة وجوارها ومن بقايا ما يسمى شورى وسرايا بنغازي والمتعاطفين معهم.

بانوراما : قوات الوفاق هي الجيش

خلال الفترة التي سبقت هذه الحرب ، وتحديداً في شهر فبراير أصدرت قوة حماية طرابلس ثلاث بيانات متوالية ( إضغط للإطلاع ) أعلنت في جميعها عدم إنصياعها للمجلس الرئاسي إلا مجتمعاً وإتهمت رئيسه بتمكين جماعة الإخوان المسلمين ( إضغط للإطلاع ) واصفة إياه بـ ” العابث ” وأعلنت حرب بيانات معلنة ضد وزير الداخلية فتحي باشاغا متهمة إياه بالتآمر وإشعال الفتن والحروب وتوريد السلاح وغيرها كما إتهمته ضمنياً بدعم الإرهاب وإشعال حرب اللواء السابع في سبتمبر ونوفمبر الماضيين بل وحتى قد طالبت النائب العام بفتح تحقيق ضده على خلفية شحنة أسلحة الخمس المثيرة للجدل !.

فيما رد باشاغا بالقول خلال زيارته للولايات المتحدة بأنهم مجموعة مليشيات تبتز الدولة ولا تنصاع لها حتى أن المبعوث غسان سلامة حشد السفراء في إجتماع يوم 17 يناير كان عنوانه دعم باشاغا لمواجهة هذه ” المليشيبات ” التي إتهمها سلامة وباشاغا نفسه بعرقلة تنفيذ الترتيبات الأمنية وجلب الويلات للعاصمة طرابلس .

رسالة قوة حماية طرابلس للنائب العام ضد باشاغا يوم 6 فبراير 2019

فتور

طيلة هذه الحرب التي دخلت اليوم الأحد يومها الثامن عشر لم يظهر باشاغا في أي إجتماع مع قادة كتائب طرابلس رغم ما سُرب من أنباء عن إجتماع هنا وإجتماع هناك ، بيد أن الإجتماع الوحيد الذي ظهر فيه كان مع قادة كتائب ورجال أعمال متنفذين مرتبطين بكتائب في مصراتة يوم 6 أبريل الجاري .

إجتماع باشاغا مع قيادات مصراتة

ورغم أن رئيس المجلس الرئاسي يحاول إظهار قواته بمظهر المنضبط وتسميتها في بياناته وقنواته وقنوات الإخوان المسلمين كليبيا بانوراما والأحرار وغيرها بـاسم ” الجيش الليبي ” في محاولة لإخفاء بعض التسميات المخجلة التي تحملها قيادات وكتائب هذه القوات ، إلا أن ثمة خلل واضح على ما يبدوا وخاصة فيما يتعلق بكل من آمري المنطقة العسكرية طرابلس والوسطى .

متشددين

“ يزعم فائز السراج ومجلسه من خلال بياناته وتكليفاته أن رئاسة أركانه ومناطقها العسكرية تُسيّر الأمور بإنتظام وتشرف على تنظيم العمل والمحاور ، لكن وعلى ما يبدو فأنها لا تيسر شيء سوى التوقيع على توزيع الأموال باسم الدفاع والأركان والقائد الأعلى من ميزانية الـ2 مليار التي بدأ صرفها يومي السبت والجمعة الماضيين ، بدليل دخول كل أنواع المتطرفين والمتشددين والمهربين تحت لواء ” جيشه وأركانه ” جهاراً نهاراً وليس تسللاً بسبب  حفتر وحربه كما يحاول السراج أن يُقنع العالم ، متجاهلاً ومن معه حقيقة أن هؤلاء المتطرفين والمجرمين وقطّاع الطرق والمهربين جميعاً لم يدخلوا طرابلس من القبة أو الكفرة أو الرجبان ولم يهبطوا عليها بالمظلات من كوكب عطارد ، بل جاؤوا عبر الطريق المُعبد ضمن قواته التابعة له ورقياً من مناطق لطالما إدعى بسط نفوذه عليها وتأمينها تماماً حتى أن بعضها لا يبعد عن مكتبه أكثر من 40 كلم مما يثبت بأنه لم يكن جدياً في السابق لإستئصال ورم هؤلاء من جذوره كمشكل أمني عويص بل قام فقط بتحييدهم وتطبيثهم لتثبيت سلطته من خلال إرضاء أطراف داخلية وخارجية بعينها تتقاطع مع هؤلاء على حساب الأمن القومي “ يقول مراقبون    .

يحاول بعض عناصر وقادة كتائب طرابلس وخصومهم السابقين إرسال رسائل طمأنة بأن ما يجري هو ” إلتحام لحماية الثورة ضد العسكر ” وبأنهم قد تناسوا خلافتهم جميعاً لكن واقع الحال يشير لعكس ذلك تماماً فمثلاً :

لا يخفي قادة كتائب طرابلس خشيتهم من سبب بقاء قوة من مصراتة في تاجوراء والقره بوللي بعيداً عن محاور الإشتباك ، يقول هؤلاء بأن هذه القوة تنتظر ساعة إنهاكهم وستنقض للسيطرة على ما تبقى من مؤسسات في العاصمة كما أنهم لا يخفون قلقهم من التأييد الحديث من قبل قيادات متطرفة معروفة للمجلس الرئاسي رئاسة وأعضاء ومنهم مثلاً سامي الساعدي المسؤول الشرعي للجماعة المقاتلة والصادق الغرياني ونوري أبوسهمين وغيرهم  .

في المقابل يرفع أنصار المفتي وفتاويه ومجالس الشورى وغيرهم من المتشددين ضد الوفاق ذات الشعار عن ” التلاحم والوحدة ودفع العدو الصائل ” ومن هؤلاء مثلاً زياد بلعم وصلاح بادي ومحمود بعيو ” شيريخان ” وبشير خلف الله ” البقرة ” وبقايا كتيبة ” الشهيد البركي والقوة الوطنية المتحركة ذات الغالبية الأمازيغية وآخرين لكنهم لا يخفون مثلاً رغبتهم في الإنتقام من قوة الردع الخاصة وتحرير سجنائهم المتطرفين أو المهربين لديها ومنهم زعيم التهريب فهمي بن خليفة المعاقب أمريكياً وأممياً .

خلل في توازن القوى

قبل أيام ظهر باشاغا في مقابلة عبر قناة ليبيا لكل الأحرار متحدثاً عن إستعدادهم لبناء تحالفات جديدة قال بأنهم سيدافعون بها عن أنفسهم ، فسّر البعض حديثه عن أمر يتعلق بتحالفات خارجية جديدة رداً على التحالف الواضح والإصطفاف خلف القوات المسلحة من طرف الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبعض الدول العربية الفاعلة رغم محاولة دبلوماسيات هذه الدول إظهار العكس .

لكن في المقابل ودون مواربة ، لم يعد يخفي قادة وعناصر كتائب طرابلس إستيائهم المطلق مما باتوا يعتبرونه ركوناً كاملاً من السراج لباشاغا وماخلفه من ترسانة مسلحة ظهر تأثيرها على صنع القرار ، ومن هذه الأمثلة مثلاً تقليص نفوذ القيادي بكتيية ثوار طرابلس وسام فرحات  على قناة ليبيا الرسمية والوطنية  و ” إستيلاء ” الناطق السابق بإسم فجر ليبيا ” أحمد هدية ” على أدوات التأثير بالقناة تحت شعار ” الجبهة الإعلامية لعملية بركان الغضب ” إضافة لتعيين مصطفى المجعي ناطقاً بإسم العملية وكلاهما من مصراتة وعلاوة على ذلك أصدر السراج قراره رقم 527 بشأن إنشاء مركز إعلامي لذات العملية مكون من سبعة أشخاص 6 منهم أيضاً من مصراتة وواحد من طرابلس الأمر الذي بات يستثير الحلفاء الآخرين بشكل لم يستمروا في تجاهله كما في الأيام السابقة .

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

على الصعيد العسكري ، عيّن السراج عقيد طيار محمد قونونو ناطقاً عسكرياً بإسم ” القائد الأعلى ” وعيّن العميد أحمد بوشحمة مسؤولاً عن العمليات داخل طرابلس وكلاهما أيضاً من مصراتة ، فيما تولى مهند يونس وهو مسؤول الشهداء والجرحى بالحكومة مهام الناطق الرسمي بإسمها وهو من المحسوبين على أبوسهمين وحكومة الإنقاذ التي تولى فيها مهام وزير الحكم المحلي قبل أن ينضم بالتفاوض لحكومة الوفاق .

باشاغا لا ينسى

لا يُعرف عن فتحي علي باشاغا وهو عسكري متقاعد أي تاريخ سياسي أو نضالي قبل سنة 2011 سوى أنه ظهر خلال ” ثورة فبراير ” كمنسق إحداثيات لحلف شمال الأطلسي ، إمتهن التجارة قبل تلك الفترة ويقول مقربون منه بأنه ” شخص لا يعرف النسيان طريقاً إلى قلبه ” فهو البرلماني المنتخب الذي قاطع البرلمان منذ اليوم الأول ورفض حتى مجرد التفكير الإلتحاق به ، نسج علاقات جيدة مع الإيطاليين والأتراك والإنجليز ثم أصبح وزيراً للداخلية بقرار مفاجئ.

السيرة الذاتية لباشاغا عند ترشحه لمجلس النواب

كانت كتائب طرابلس تتهم باشاغا بإختلاق ما تسميه ” الفتن والحروب ” لأن هدفه بحسب وجهة نظرها خلق فراغات ومساحات رخوة لإعادة كتائب مصراتة وحلفائها إلى سابق وضعهم بالعاصمة طرابلس لتعويضهم عن سوء تحالفاتهم قبل الوفاق والتي كان هو جزء منه بوصفه ” عرّاب فجر ليبيا ” كما وصفه اللواء أسامة جويلي قبل أشهر  ، أما الآن فتشير التطورات على الأرض إلى أن كامل المعطيات التي تحقق لباشاغا غرضه قد توافرت أمامه ولن يستطيع أحد إيقافه بل وحتى ربما لن يتورع عن كسر شوكة هذه الكتائب إلى الأبد إن إستدعت الحاجة وواصلت الإعتقاد بأن ” العاصمة ومؤسساتها ” مسجلة بإسمها  .

باشاغا كان من الرافضين قطعاً لإستمرار سطوة كتائب النواصي وثوار طرابلس والردع و غنيوة وباب تاجوراء على مؤسسات الدولة بالعاصمة التي أكد قبل أسابيع معاناتها من فوضى أمنية بسببهم ، فمنهم مثلاً من تحتكر المصرف المركزي وتسببت في خلق توتر بين باشاغا وصديقهم الحميم الصديق الكبير ومنهم من لها نفوذ جبّار على المؤسسة الليبية للإستثمار التي أضطرت للفرار من مقرها الرئيسي في برج طرابلس إلى منطقة السياحية ومنهم من يتحصل على إعتمادات دولارية ضخمة بجرة قلم او برسالة تهديد عبر رسالة ” إس أم إس ” .

حجر على رقعة الشطرنج

في 13 أبريل الجاري نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً على تطورات طرابلس قالت فيه أن كتائب العاصمة الليبية والتي تدافع عنها الآن تضم ” أربع ميليشيات كبرى ” حكمت المدينة مثل المافيا تحت الحكم الصوري للحكومة المدعومة من الأمم المتحدة واحد منها على الأقل تعارض الديمقراطية وتعمل في بعض الأحيان كشرطة أخلاق وآداب في إشارة منها لقوة الردع الخاصة .

تطرقت الصحيفة مثلاً في ذات التقرير إلى هيثم التاجوري الذي ظهر ليومين متتالين في الإشتباكات ضد الجيش وإختفى مجدداً قائلة : ” أصبحت عادة ارتداء التاجوري ملابس من علامات باهظة مثل  فرساجي أو دولتشي غابانا في الخطوط الأمامية للقتال مثاراً للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي الليبية وبات بعض الليبيون يسمون كتيبته باسم ـميليشيا فاشونستا –  أي مليشيا عرض الأزياء –  وقد علق أحدهم على صفحته قائلاً أتمنى الحصول على خزانة ملابس التاجوري ” .

نيويرك تايمز : كتيبة ثوار طرابلس فاشنيستا مليشيا

أما القيادي في الكتيبة أدهم ناصوف لم يخفي إمتعاضه من سطوة المتطرفين وتناميهم ومما يعتبره إستغلالاً من طرف جماعة الإخوان المسلمين لما يسميها معركتهم ضد الإستبداد وحكم العسكر ،ولذلك فأن موضوع الخلافات بين هذه الأجنحة لم يعد سراً ، فكتائب مصراتة المناهضة للوفاق ترى في هؤلاء معركة مؤجلة ، صلاح بادي يصفهم بـ ” الفاسدين ولصوص الإعتمادات ” الذين جلبوا الذل والعار لنساء طرابلس أمام المصارف أما موقف القوات المسلحة تجاههم قبل مشاركتهم في المعارك كان أقل تشدداً وترى في قادتهم ” مجرد لصوص ” مشكلتهم وهدفهم المال والسيارات والسفر والسياحة والملابس الفاخرة .

وترى القيادة العامة في أفرادهم أشخاص يمكن إعادتهم للطريق الصحيح وإعادة تنسيبهم وتنظيمهم في القطاعات النظامية كأفراد ، كما أن المشير خليفة حفتر لم يخفي في أحد أحاديثه تعاطفه مع بعضهم عندما قال بأن منهم من أضطر لحمل السلاح للدفاع عن شارعه و أسرته ومنهم من إنضم فقط من أجل مرتب 2000 دينار ومنهم كذلك من حمل السلاح لحماية نفسه من أخطاء إرتكبها في الماضي ، أما الآن فقد تحول جميعهم لمجرد حجر على طاولة شطرنج مليئة باللاعبين بعد أن كانوا هم الطاولة وهم اللاعب الوحيد !  .

فكّي الرحى

لقد إنحازت كتائب طرابلس بشكل كامل ومطلق لحكومة الوفاق وقتالت لأجلها في صيف 2016 بهدف إخراج المتشددين الموالين لحكومة الإنقاذ وصلاح بادي والمفتي وشيريخان والبقرة وبقايا الجماعة المقاتلة وبإعتقالهم أبرز الإرهابيين من قادة مجالس الشورى بل وحتى خلية حماس الفلسطينية ووصفهم لكل من سبق في بيانات رسمية بالإرهاب  .

لقد وضعت كتائب طرابلس نفسها اليوم على خطي مواجهة ، الخط الأول وهو خط مؤجل حتماً يتمثل في الكتائب التابعة للجهات والتيارات المتشددة المشار لها أعلاه وهي في مجملها أحادية التفكير لا تعرف إلا منطقاً واحد ألا وهو إما معي أو ضدي ، كما أن كتائب طرابلس نفسها لا يمكن لها القبول بأي شركاء لها يزاحمونها النفوذ والميزانيات والتنفذ على صناع القرار وعلى الموارد والمؤسسات والمنافذ .

شيتاو مع بلعم أرشيفية

أما الخط الثاني فهو القوات المسلحة التي أكدت لهؤلاء مراراً وتكراراً بأن كل من ألقى السلاح ودخل بيته فهو آمن ، وكدليل على مصداقية هذا المبدأ شهد محور عين زارة خلال الأسبوع الماضي عملية تفاوض مباشرة بين إحدى كتائب الجيش وما يعادل كتيبة كاملة من مختلف تشكيلات طرابلس ولكنها بائت بالفشل ، يقول العميد فوزي المنصوري آمر المحور بأنه لا يتورع عن حفظ وتأمين أي عنصر يبحث عن مخرج آمن .

حماية طرابلس : ليبيا لن تكون إلا دولة مدنية

في المقابل ترفع كتائب طرابلس شعارات بالكاد يصدقها حتى قادة هذه الكتائب أنفسهم في قتالهم ضد القوات المسلحة وقد جعلتهم هم وغيرهم مادة للسخرية ألا وهي شعارات مدنية الدولة ومناهضة العسكرة ، وهي شعارات مثالية في ظاهرها عندما تصدر من مدنيين يطمحون لبناء دولة مدنية حقيقية على أساس سليم ، وليس من مسلحين لا يتورعون عن البصق أو حتى صفع أي وزير على وجهه حتى يتورم أو خطفه وتغييبه وترهيبه وإبتزازه بما كل ما هو متاح وغير متاح في حال رفض تنفيذ هذا المطلب أو هذا القرار وهو الأمر الذي يجعل من القوات المسلحة لديهم في خانة الخصم الذي سينهي هذه ” النغنغة ” وهذا النفوذ الذي يضمن لهم الكسب الوفير ومنه مثلاً ميزانية 2019 التي سيتحصلون من خلالها على ملايين الدينارات كقوات تابعة بشكل صوري لداخلية ودفاع الوفاق ومن هذه الملايين قوائم مرتبات لأعداد وهمية مضخمة عن منتسبيهم .

حساب بالورقة والقلم

في المحصل ، وبحسب توازن وتوزيع القوى ،  لقد وضعت كتائب طرابلس نفسها بين فكي الرحى وخيارين أحلاهما مر وثالثهما الموت المحقق ، فإما الإنصياع التام لخصومهم السابقين ليكونوا في سلة واحدة اما المجتمع الدولي مع ( كتائب الإنقاذ – لواء الصمود – موالي المفتي ومجالس الشورى – المهربين والمطلوبين – كتيبة البركي المطرودة من أبوسليم والتي بدأت في حشد قواها لمعركة مؤجلة مع غنيوة  – إلخ ) هذا من جهة ، وباشاغا وحلفائه وكتائبه الموالية وكتيبته الخاصة ( حطين ) والقبول بإقتسام ”  كعكة طرابلس ” معهم من جهة أخرى .

وأما الخيار الثاني فهو إعادة الحسابات في قتالهم القوات المسلحة وإيجاد حل ومخرج آمن لهم ، أما ثالث الخيارات فهو رفض الخيارين السابقين ، لتكون النتيجة تآكل وإستنزاف قوتهم في حربهم ضد الجيش ليكونوا بذلك لقمة سائغة لـ” كتائب وقوات الخصوم ” السابقين ربما حتى قبل حسم الجيش للمعركة سواء بالربح او الخسارة .

عندما غضب سلامة

صباح الجمعة صب المبعوث الأممي سلامة جام غضبه ضمنياً على قناة ليبيا لكل الأحرار التي تحولت هذه الأيام من قناة إخبارية لها توجهها لقناة شعارها ( قال مصدر – كشف مصدر ) عندما نشرت دون مصدر هذه المرة ما قالت بأنه تسريب من إحاطته لجلسة مجلس الأمن المغلقة يوم الخميس ، نسبت له القناة ما مفاده ” أن تراجع القوات المسلحة في هذه الحرب يعني أن هذه الكتائب المصطفة حالياً في طرابلس جنباً لجنب ستتغول ولن يتمكن أحد من إيقافها مستقبلاً ” .

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

رفض سلامة هذه التسريبات المزعومة جملة وتفصيلاً ونعت من نشرها  بـ ” الكذب ” لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن هذا ما سيحدث حتى وإن لم ينطق به سلامة ، ستتقاتل هذه الكتائب حتماً وسيحاول كل قطب فيها الإستئثار بالحكومة وبالمؤسسات ، وستتعطل الإنتخابات المعطلة أصلاً ، سيتغول التيار الإسلامي بشكل لن يقوى السراج على إحتوائه حتى وإن نجح حتى الآن في مداهنته .

قد يقول قائل بأن كل ماسبق رجم في الغيب أو محاولة لشق الصف المتشقق أصلاً عمودياً وأفقياً ولا يجمعه سوى كرهه لحفتر لأسباب مادية أو سياسية أو أيدولجية أو جهوية أو قبلية أو فئوية بمن فيهم السراج نفسه الذي يقول خصومه بأنه لا يرى في ليبيا أبعد من أسوار طرابلس ولا يرى في سكانها غير بضعة من صفوة مستشارين ونفعيين وعائلات تحيط به ويحيط بها مع إمكانية إستخدام آخرين من مكونات وقبائل ومجاميع مسلحة ضمن لعبته على التناقضات .

ولكنه مجبر الآن للتحالف مع كل من يستطيع مساعدته لإستمرار سلطته ولكي لا يدخل طرابلس من يصفهم مستشاروه وإعلاميوه بـ  ” ثلة من الرعاع ”  بعد أن عبّر عن شعوره بالأسف لخذلانه من المجتمع الدولي الذي نصبه ذات شتاء حاكماً على البلاد بترشيح من خارج قوائم مرشحي مجلس النواب لرئاسة حكومة الوفاق ، ترشيح لا يعلم أحد كيفية حدوثه نهاية سنة 2015  سوى الله وبضعة نفر من صنّاع وريقات الإتفاق السياسي وعرّابي كواليس الصخيرات من سفراء ورجال مخابرات ،  ولم يعد أمامه الآن إلا ذات الخيارات الموضوعة أمام كتائب طرابلس التي فقد فيها الثقة بسبب موقفها منه خلال الفترة الماضية بسبب تمسكه بالوزير باشاغا.

 

في المحصل ، يستفيد السراج الآن بتحالفه مع باشاغا وقد أصبح درعه الحامي بعد فشل ” كتائب طرابلس ” في صد الهجوم لوحدها ولن يعود إعتماده عليها لمواجهة الأخطار كما في الساق ، ويسفيد باشاغا بما فشل في تحقيقه من خلال ” الفتن والقلاقل والدسائس  ” التي إتهمته بتنفيذها كتائب طرابلس خلال شهر فبراير الماضي وقد تحقق له اليوم ما يريد مجاناً بإضعاف نفوذ هذه الكتائب وإدخال منافسيها للعاصمة حتى وإن حاول طمأنتها بأن الجميع على قلب رجل واحد اليوم ضد حفتر .

قيادي في ثوار طرابلس يتوعد باشاغا بسبب الخلافات بينهم في فبراير الماضي

أما ” كتائب طرابلس ” في ذاتها تعاني من  ” عقدة الإختزال والملكية المطلقة للعاصمة ” والمتابع لخطابها خلال كل الحروب السابقة والحالية ضدها منذ سنة 2014 وحتى 2019 يمكنه ملاحظة إسقاطها النظرة الجهوية على كل المعارك والأخطار التي تستهدفها لحشد دعم الشارع الطرابلسي لصالحها وتصويرها للتوترات على أنها ” معركة ضد طرابلس ، معركة بين البداوة والمدنية ، معركة بين الرعاع والحضارة ، معركة ضد العاصمة وخصومها ، معركة بين الأشرار وأبناء العاصمة الأخيار ، معركة بين المدينة س وطرابلس ، معركة بين المدينة ص وطرابلس ” وما إلى ذلك من شعارات غير منطقية تقتات عليها وتستمد منها وجودها ولكنها لم تعد خفية على الجميع .

كما لا يمكن لهذه الكتائب ومن يقف خلفها من ساسة ورجال أعمال ووكلاء محليين على كل حال من الأحوال التصور مستقبلاً أو قبول فكرة من سيقول لهم : ” لولانا لأكلكم حفتر يوم أكل الثور الأبيض ” وهو منطق مليشياوي  معروف عن جميع هذه الكتائب المتنافسة المتناحرة دون إستثناء خلال هذه الحروب ومنها بعض الأمثلة الماثلة بعد عملية فجر ليبيا فهي لا تتورع عن معايرة بعضها البعض بالهزائم والمساندة عندما يكون أحدها محتاج للآخر في أوقات الشدائد كما أنه يتعين على كتائب طرابلس في حال تراجع الجيش أن لا تتصور إطلاقاً بأنه سيكون بوسعها القول مجدداً لـ ” كتائب مصراتة وحلفائها وكتائب الزاوية والأمازيغ والجبل بمختلف توجهاتهم وأهدافهم ومعهم مقاتلي مجالس الشورى وعصابات التهريب  ” وغيرهم : ” شكر الله سعيكم ورحم موتاكم ، أتركوا طرابلس لنا ولأهلها وعودوا من حيث أتيتم ! ”    .

بالعودة للسراج ، قبل ساعات من ليلة الأحد التي شهدت موجة قصف جوي غير مسبوق على أهداف تابعة لقواته في طرابلس ، أصدر بياناً ألمح فيه لتخاذل المجتمع الدولي حياله وهو ضيق عبّر عنه الجمعة بكل صراحة في مقابلة مع قناة ” بي بي سي ” عندما قال بأن ( المجتمع الدولي خذل الشعب الليبي ) وبدا من الواضح في بيانه بأنه يعوّل على إسترداد الأرض لإعادة الزخم الدولي لصالحه خاصة بعد ما بدا وكأنه إنحياز روسي أمريكي فرنسي صيني و – عربي –  يتبلور لأول مرة لصالح صديقه السابق خليفة حفتر .

بينما تتحدث دوائر دبلوماسية غربية عن أن العالم أصيب بالملل من الحلقة المفرغة التي تدور فيها ليبيا منذ ثمان سنوات وبات يبحث عن أقصر الحلول بعد فشل كل نظريات ” جيفري فيلتمان و جونثان واينر و ديبرا جونز ، وبيتر ميلت ” عن إحتواء التطرف والمليشيات والفوضى من خلال تمكين ” الإسلامويين المعتدلين ” من مفاصل الحكم وهو الأمر الذي لم يستوعبه بعد السراج والمشري والمحيطين بهم من الذين يدفعونهم دفعاً للنكاية في هذه الدول عبر الإنضمام للحلف ( القطري – التركي ) المنبوذ أقليمياً بسبب عدة قضايا أهمها التحالف مع إيران .  .

قد يسأل سائل عن سبب تغيّر موقف الجميع تجاه فائز السراج وبدرجة أقل خالد المشري وهو سؤال تحمل التطورات التي سبقت الأعمال العسكرية الإجابة عليه وتمثلت في التالي :

-عرقل الرجل مع خالد المشري جهود القاهرة وإجتماعاتها لتوحيد المؤسسة العسكرية حتى أن اللواء أحمد عون المكلف من طرفه بالخصوص قد إستقال من منصبه لهذا السبب .
-عطّل تنفيذ مخرجات إجتماع باريس ومن ثم باليرمو ومن بعدهما لقاء أبوظبي وشتت مجلس النواب بإستقطاب كتلة منه إلى طرابلس لكي لا ينفذ الإستحقاقات المطلوبة منه إلا بما يرضي شخصه. 
-أصر على الإستفراد بالقرار داخل المجلس الرئاسي وإتهمه بذلك أعضاء من المجلس منهم أحمد معيتيق وعبدالسلام كاجمان بذلك وباتوا يصفونه بالديكتاتورية والشللية والجهوية لصالح ” لوبي طرابلسي ” محدد يحيط به  . 
-تحجج بوضع الدستور لإجراء الإنتخابات وفق مخرجات باليرمو وباريس وأبوظبي ، كتب مجلس النواب قانون الإستفتاء ، رفض السراج تمويل المفوضية لإجراء الإستفتاء ولوح المشري باللجوء إلى القضاء للطعن في القانون . 
– دعم الملتقى الوطني الجامع الذي كان سينعقد في 16 أبريل الجاري ظاهرياً مع ترشيحه شخصيات لحضور الملتقى كانت ستحاول تمييع نتائجه لصالح تأجيل الإنتخابات عام كامل بينما لم يتوقف خالد المشري طيلة الوقت عن التشكيك في الملتقى قبل إنعقاده وذلك إنطلاقاً من متلازمة الشك والهواجس التي تعيش عليها جماعة الإخوان المسلمين .
– طبّق الإتفاق السياسي بإنتقائية معيبة وفشل في تنفيذ الترتيبات الأمنية قبل وبعد حرب اللواء السابع ، أحرج سلامة بشكل متكرر ، وتنصل عن تنفيذ عدة عهود قطعها على نفسه لإخراج البلد من أزمتها خلال إجتماعات دولية حضرها ممثلو العالم أجمع كان آخرها في أبوظبي .

إنسدت كل الأبواب برسم ختم أبوستة وإندلعت الحرب . 

 

المرصد – خاص – تحليل