شاهد | من جنزور إلى واشنطن .. من ورّط ” مليشيات طرابلس ” مع العالم قبل الحرب ؟ – صحيفة المرصد الليبية

ليبيا – في 17 يناير الماضي قبل أن تندلع الحرب في طرابلس بين المجموعات المسلحة التابعة للمجلس الرئاسي والقوات المسلحة منذ 4 أبريل الماضي عقد وزير داخلية الوفاق فتحي باشاآغا إجتماعاً موسعاً نظمته لصالحه بعثة الأمم المتحدة في ليبيا من داخل مقرها بمنطقة جنزور مع 18 سفير ورئيس بعثة دولية يمثلون في مجملهم كامل البعثات الأجنبية العاملة في البلاد ضمن ما كان يسميها جهوده ” لفرض الأمن وبسط مفهومه له ونزع سطوة المليشيات ” .

وجاء ذلك الإجتماع بين حربين شهدتهم مناطق جنوب العاصمة بين قوات الوفاق واللواء السابع المنحل وقد شارك في أحد تلك المعارك ضد الحكومة في سبتمبر 2018 لواء الصمود بقيادة صلاح بادي وتنفيذه هجمات إجرامية مميتة دون كل القوات المشاركة في الحرب ما دفع بمجلس الامن والإدارة الأمريكية إلى تصنيفه وإبراهيم جضران على لوائح العقوبات الدولية وذلك بطلب فيما يبدوا من المبعوث غسان سلامة الذي قال حينها في لقاء عبر شاشة 218  بأن ” من طلب عقوبات على أشخاص قد تحصل عليها ” .

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

كانت سماء العلاقة في تلك الفترة بين قوة حماية طرابلس ملبدة بالغيوم والتوتر الشديد حيث منعت المجموعات المسلحة باشاآغا بداية من الدوام في المقر الرسمي للوزارة بوسط طرابلس أو مقر طريق المطار مادفعه للعمل إنطلاقاً من منطقة جنزور وفي الأثناء تبادل الطرفان الإتهامات بالعمالة والإجرام وعدم الإنضباط و ” مليشة الدولة ” والتسبب بالحروب والفتن وما إلى ذلك .

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

وقال سلامة في ذلك الإجتماع :

 

خلفيات الخلاف

قبل ذلك الإجتماع بيوم واحد وتحديداً في 16 يناير 2018 حصل تطور أمني خطير في مطار طرابلس الدولي الذي كانت تتمركز فيه الغرفة الأمنية ترهونة عقب إتفاق وقف إطلاق النار المبرم في مدينة الزاوية برعاية الأمم المتحدة عندما هاجمت كتيبة ثوار طرابلس وقوات غنيوة المطار ، حينها أصدر باشاآغا بياناً يتهم “مليشيات غير منضبطة” بإفساد تسلم الداخلية لمطار طرابلس من غرفة ترهونة التي بات يصفها اليوم بـ ” الكانيات ” وأدرج عدداً ممن يقول بأنهم قادتها على لائحته الخاصة للمطلوبين بينما كان يعني بـ ” المليشيات ” قوة حماية طرابلس  .

في نوفمبر الذي تلى الحرب الأولى وسبق هذا الإجتماع أقدم هيثم التاجوري آمر كتيبة ثوار طرابلس مع بعض المقربين منه على قتل إثنين من قيادات الكتيبة بينهم القيادي البارز الهادي عوينات وذلك بعد خطفهم أمام مرأى ومسمع الجميع فور عودتهم من تونس عبر مطار معيتيقة الدولي ، فيما غادر القياديان الآخران محمد البكباك وجلال الورشفاني البلاد وبقيا في الخارج حتى اليوم ومنذ ذلك الحين باتوا يتهمون رفيقهم التاجوري علناً بالعمالة وخيانتهم كرفاق .

يميناً هيثم التاجوري وعبدالهادي عوينات يساراً – أرشيفية

في اليوم التالي للواقعة التي سجلتها عدسات الهواتف ، قالت مصادر الداخلية أن باشاآغا شعر بغضب كبير تجاه ما حصل  وأطلع مقربين منه وبعض الحلفاء الدوليين بأنه لا مناص من وضع حد لهذه المجموعات التي باتت تتحداه وذلك مهما كلف من ثمن .

حصاد مؤجل لفجر ليبيا

دائماً ما يواجه باشاآغا إتهامات بإعتباره عرّاب عملية فجر ليبيا التي أسفرت عن هذا الإنقسام السياسي المريع الذي تشهده البلاد منذ سنة 2014 بهدف تشتيت وتقسيم مجلس النواب بصفته مسؤولاً أو متنفذاً على الأقل على كل من كتيبة حطين والمجلس العسكري مصراتة الذي تصدر تلك الحرب وقادها المعاقب دولياً صلاح بادي الذي يتصدر الآن مجدداً مشهد الحرب في طرابلس عقب حربين في ديسمبر ونوفمبر 2018 وَجهت عقبها قوة حماية طرابلس إتهامات لباشاآغا بالتآمر على العاصمة مع بادي وإشعال الحروب والفتن .

فيما رد باشاآغا بأن هذه المليشيات  – كما وصفها – غير منضبطة وتسيطر على مفاصل الدولة وتمارس الإبتزاز واللصوصية ولا تنتمي للداخلية إلا إسمياً وتحاول فرض نفسها بالقوة وبأنها تصول وتجول وتفعل ما تريد لأنها تملك الإمكانيات الكبرى بسبب سيطرتها على ميزانية الوزارة والقرار المالي والإقتصادي والسياسي للدولة ، كان ذلك في مقابلة مع قناة ” بي بي سي ” في 5 يناير 2019 .

إستمر باشاآغا في مهاجمة هذه المجموعات حتى أنه أعلن على هامش زيارته الرسمية إلى واشنطن في فبراير الماضي من خلال لقاء مع قناة الحرة الأمريكية وصولهم مع هذه الجماعات إلى طريق مسدود مؤكداً بأن الترتيبات الأمنية قد فشلت وليست سوى حبر على ورق وهو ما يناقض كلام رئيسه فائز السراج الأسبوع الماضي من باريس عبر قناة فرانس 24 عن نجاح هذه الترتيبات التي أكد  المبعوث غسان سلامة أيضاً فشلها في تحقيق أي تقدم ملموس !.

خلال الثلاثة أشهر من هذا العام قبل إندلاع الحرب في الرابع من أبريل المنصرم قدم المبعوث سلامة عدة إحاطات لمجلس الأمن بل وحتى عدة مقابلات إعلامية أكد فيها سيطرة ” مليشيات طرابلس ” على الدولة والقرار متهماً إياها والنخبة السياسية الحاكمة بالسلب والنهب والفساد الممنهج وعرقلة الحلول السياسية في وقت قدمت فيه قوة حماية طرابلس بلاغاً للنائب العام ضد باشاآغا في 6 فبراير الماضي متهمة إياه بجلب مدرعات من تركيا بهدف تقديمها لمجموعات مؤدلجة وذلك بناءً على إقراره وعلمه بإستيرادها وضبطها في ميناء الخمس . للمزيد حول القضية إضغط هنا  كما أصدرت ثلاث بيانات أكدت فيها عدم إنصياعها للرئاسي إلا مجتمعاً بأعضائه التسعة وكانت تسعى بذلك لعرقلة كل قرارات باشاآغا تجاهها ونزع الشرعية منها .

بلاغ قوة حماية طرابلس ضد باشاآغا للنائب العام

فوضى المليشيات والإرهاب

وقبلها وفيما بدت علامة فارقة في علاقة فتحي باشاآغا بـ ” مليشيات طرابلس ” ، عُقد مؤتمر صحفي كان يتابعه العالم أجمع لهول الكارثة التي ضربت يوم 25 ديسمبر 2018 وزارة الخارجية ، يومها إتهم باشاآغا هذه المليشيات صراحة بالتسبب بالفوضى الأمنية وسلب إختصاصات الأجهزة المختصة ما أفسح المجال لداعش بل وإتهمها بكل بوضوح بالتعامل مع أجهزة مخابرات أجنبية لم يسمها وقال ” هذا لم يعد سر ، الليبيون أذكياء كفاية ويعلمون من يعلم بمهنية ومن يعمل بفوضية ”  .

أكد باشاآغا أيضاً بأن ما كان في طرابلس ليس أمناً بالمعنى الصحيح بل هو أمن نسبي هش وذلك بعكس مابات يقوله منذ شهر ونصف عن أن الأمن في طرابلس كان ممتازاً وبأن حفتر قام بتخريبه وتنشيط الإرهاب وأعلن أيضاً في ذات المؤتمر بأن الترتيبات الأمنية حبر على ورق ولم ينفذ منها شيء ، في وقت لم تُسجل فيه العاصمة ظهور أي إرهابيين من مناطق خارج سيطرة حكومة الوفاق بعد هذه الحرب الأخيرة ، بل أن كل من رُصد ظهورهم قد جاؤوا من مناطق خاضعة لسلطتها مثل الزاوية ومصراتة والخمس وهم يقاتلون اليوم أيضاً تحت سلطتها .

وعلى كل ، كان حديث فتحي باشاآغا في كل تلك الفترة عن المليشيات في الإعلام والمحافل الدولية والبيانات مثار إعجاب قطاع واسع من السكان رغم تشكيك بعضهم في قدرته على فعل شيء أمام نفوذهم الكبير مالم يستعن بقوة من مصراتة مثلاً لمجابهتهم وردعهم بالقوة ، لكنه عاد وتراجع عن كل هذا منذ مطلع أبريل وبات يصف أطراف أخرى بأنها عصابات  ، أما العصابات السابقة – كما كان يصفها – فباتت قوات مساندة وأبطال وشهداء يضحون لأجل مدنية الدولة التي أكد يوماً بأنهم نهبوها ولم يتبعوها يوماً إلا على الورق !  .

ومن العلامات الفارقة الأخرى هي البيان الصادر في 1 نوفمبر 2018 عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن إعتداءات الجماعات المسلحة على المؤسسات الإقتصادية الذي تزامن  مع إعتداء على مقر المؤسسة الليبية للإستثمار نفذته كتيبة النواصي بقيادة قائدها الميداني محمد بوذراع الملقب بـ ” الصندوق ” وقد ذُكرت الكتيبة في تقرير لجنة الجزاءات التابعة لمجلس الأمن كطرف متنفذ على المؤسسة بقوة السلاح وكذلك في عدة تقارير إعلامية وبحثية دولية ذات مصداقية ،  فيما قالت البعثة بأن المجموعات تتدخل في عمل هذه المؤسسات بهدف التربح وجمع المال ، قبلها وبعدها قدم المبعوث سلامة إحاطة للمجلس ذاته إتهم خلالها المليشيات بالتربح بهذه الطريقة وبعرقلة وضع الإصلاحات الإقتصادية لأنها تستفيد من فارق سعر العملة الأجنبية عن طريق حصولها على الإعتمادات المصرفية بملايين الدولارات حتى بلغ سعر صرف الدولار الواحد تسعة دولارات .

بيان بعثة الامم المتحدة حول إعتداءات الجماعات المسلحة في طرابلس على المؤسسات الإقتصادية بهدف التربح

 

الأمر ليس مزاجياً

دبلوماسيون غربيون إتصلت بهم المرصد حينها عقب الإجتماع الأممي لأجل دعم داخلية الوفاق أكدوا نقلهم كل ما قاله باشاآغا عن ” مليشيات طرابلس وغيرها ” وممارساتها إلى دولهم سواء في الإجتماع أو في الإجتماعات الجانبية أو تصريحاته الإعلامية ،  وعندما إتصلت بهم الصحيفة الأسبوع الماضي مجدداً للتعليق في هذا التقرير حول الحرب الجارية في طرابلس دعا بعضهم لضرورة وقف إطلاق النار وتحييد العناصر الإرهابية ولكن كان اللافت تأكيد جلهم بأن حكومتاهم تجد صعوبة في تغيير موقفها من ” مليشيات الوفاق ” بعد الصورة التي كونتها عنهم بناءً على رسائل باشاآغا السابقة وتصريحاته تضاف لها تقارير دوائر الأمن والمخابرات ما قبل وبعد الحرب الأخيرة عن وضع هذه القوات وتحالفاتها المختلفة سواء مع المتشددين أو حتى مع مهربي البشر والوقود والسلع كون بعضهم أيضاً يرتبط نشاطه بنشاط تمويل الإرهاب عن طريق التهريب  .

في المقابل تشير مصادر الولايات المتحدة المتطابقة إلى أن باشاآغا قدم عن هذه المجموعات التي كان يصفها بالمليشيات ، ذات الصورة السوداوية لواشنطن خلال زيارته لها في فبراير الماضي وطالبها بمد يد العون له لفرض مفهومه للعمل الأمني وخاصة في العاصمة ، وهو أمر ليس بالسر لحديثه عنه من هناك عبر اللقاء مع قناة الحرة ، ما قد يفسر بالتالي خفوت الصوت الأمريكي تجاه مايحصل حالياً والتأييد الذي أبدته إدارة الرئيس دونالد ترامب ومستشاره للأمن القومي جون بولتون للمشير خليفة حفتر في سبيل القضاء على هذه المجموعات التي كان باشاآغا وسلامة وغيرهم قد قدموا عنها قبل الحرب صورة مليشياوية إجرامية بائسة مطابقة لما يقدمه حفتر وما تقدمه ربما أجهزة ودوائر المخابرات والامن المطلعة على واقع الأرض ، وهو ما يجيب بالتالي على جزء من تساؤلات  هذه المجموعات وقادتها وشعورهم بخيبة أمل مستمرة عن سبب تراجع العالم عن دعمهم ودعم حكومة الوفاق في هذه الحرب كما جرت العادة وذلك بإستثناء الدعم التركي والقطري المعلن وربما الإيطالي غير المعلن والبريطاني الذي يبدوا بأنه قد خفت إلى مادون المتوقع  .

قال دبلوماسي أوروبي كبير لـ المرصد مفضلاً عدم إعلان هويته أو جنسيته  : ” قرارنا تجاه هذه المليشيات وجزء ليس ببسيط من صورتنا الخاصة عنها وعرقلتها للأمن وتعمدها الفوضى ما أتاح الفرصة لداعش وتعثر الإقتصاد الليبي وتنامي أنشطة التهريب كوناها بناءً على ما كان يردنا من تقارير حولها من حكومة الوفاق نفسها ومستشاريها ووزرائها قبل هذه الحرب الدائرة حالياً .. سلامة كان يقدم إحاطات علنية يؤكد خلالها أن هذه المليشيات تتبع الحكومة صورياً فقط وتتحكم في سعر الصرف وتبتز مؤسسة الإستثمار والوزارات والشركات ويعتبر الصراعات بينها تدور على الموارد المالية التي يجب أن يتمنع بها الليبيون ، لذلك لا يمكننا الآن أن نغير هذا القرار أو هذه النظرة في بعض دولنا بمجرد أن تقول لنا هذه الحكومة نفسها بأنه علينا تغييرها لسبب ما ، الأمر ليس مزاجياً أو إرتجالياً لهذه الدرجة ، كل ما بوسعنا قوله الآن هو دعوة الجميع إلى الإلتزام ببيان الإتحاد الأوروبي الأخير الداعي لضرورة إتخاذ خطوات على الأرض بإبعاد الإرهابيين والمطلوبين والمهربين والمصنفين والمعاقبين دولياً وكل من يرتبط بهم   ” .

المرصد – خاص

قوة حماية طرابلس : لاطاعة للرئاسي مجدداً إلا عندما يكون قراره مجتمعاً بكامل أعضائه التسعة

قوة حماية طرابلس : السراج يواصل العبث بتمكين عناصر جماعة الإخوان المنبوذة من مفاصل الدولة