بقلم عبدالحكيم فنوش : عسكرة الدولة ! – صحيفة المرصد الليبية
مقال رأي بقلم / عبدالحكيم فنوش

هناك رائحة كريهة للقيم عندما ينطق بها لسان وعقل أدمنا معاقرة الرذيلة ، فالمتاجرة بالمفاهيم والقيم بضاعة ضمائر فاسدة رائحتها لا تَخفى على كل من لا يزال يقطن بقايا إنسانيته وعقله ، إنها حقيقة كل مُرابٍ قايض بعقول أتباعه لغاياته السلطوية المغلفة بثوب ايديولوجي كان ديني أو عرقي ، جهوي أو وطني فقرر أن يبيعهم الوهم بادعاء انتمائه لقيم لا يمكن أن يكون ناطقاً باسمها و لا أحد حراسها .

والحديث هنا عن كائنات لم تترك قيمة إلا و إنتهكتها ولم تترك فعلا إجراميا إلا و إرتكبته ، فهي تدّعي الحرص على الفضيلة و الوطن و ثورة عقولهم أعجز من أن تطالها بعد أن إختزلوها بفعل القتل والموت فأصبحت مغارة يغرفون منها ما حرموا منه و أساساً لبقائهم .

إنها كائنات تدعي الحرص على مواطنة وحقوق لم يتركوا شيئاً فيها لم يدنسوه ، كائنات لعبت بعقول أُناس أحسن ما يمكن أن يوصف به بعضهم هو أنهم سذج بالأضافة لحرافيش جوعى شبعوا بعد غنمهم ما كانوا لا يتصورن غنمه ، ففقدوا عقولهم ، حتى أن غالبيتهم تحاول إخفاء حقيقة مآربهم من خلال تلك المبادئ والقيم والمفاهيم التي يدعون الدفاع عنها وإستعدادهم للموت من أجلها .

قالوا يريدون دولة مدنية ويرفضون حكم العسكر الأمر الذي يستوجب بالضرورة تعريف هذه المفاهيم التي يتسترون خلفها ويدعون الدفاع عنها ولعبوا بسببها بعقول البعض بالإضافة لآخرين ممن يدعون الإنتماء لنخبة يحاولون التذاكي والتستر وراء هذه المفاهيم ليخفوا نزعات اكثر جذرية مرتبطة بالعرق والجهة والسلطة .

و بالرغم من رفضي لمصطلح الدولة المدنية والذي أرى فيه مصطلحٌ مرتبك معرفياً ولا يجسد المفاهيم التي يتم الحديث عنها من قبل هؤلاء ،  فلا أرى أصلاً لكلمة مدنية التي يرفقونها بالاسم مع الدولة ،  فهل هي من أصل – تمدين – أي من لفظ مدينة هل هي في مقابل العسكري الشيء الذي يربطها بمفاهيم يفترض ضمناً أن لا تكون لدى العسكري وهي قيم تمدين  أي تحضر وبالتالي فأن العسكري لا ينتمي لها .

حاولت البحث عن أصل المفهوم فلم أجد له أصلاً ووجدت تعريفات هائمة تتكلم عن قيم لا تبرر فعل إطلاق لفظ مدنية عليها ، وهناك في اللغات الأخرى مصطلحات مثل  ( إيتا – سيفيل – سفل ستيت – لكنها جميعها لا تصف الدولة بل تصف الفرد داخلها ووضعه القانوني وعلاقته بالآخر وصياغته القانونية في المجتمع .

وفي كل الاحوال المفهوم الدارج لدى مستهلكيه يُقصد منه التعبير عن حالة رفض للإستبداد والدكتاتورية التي مورست من قبل عساكر في فترات مختلفة وفي أمكان عدة وصيانة حقوق وحريات ومبادئ مرتبطة بمفهوم سيادة القانون والمواطنة الشيء الذي إستوجب بالنسبة لهم ضرورة خلق المصطلح الآخر المضطرب المسمى بعسكرة الدولة .

وفي كل الاحوال هم يقدمون الدولة المدنية كمفهوم في مقابل حكم عسكري إرتبط بتجربة في السلطة في بلدان بعينها جسد معنى الاستبداد وهيمنة الدكتاتورية المتلخصة في قرار الحاكم بأمره وبأن الدولة المدنية هي دولة الحقوق والحريات والديموقراطية .

فتعالوا نرى الناطقون باسم الدولة المدنية من الذين يخشون العسكرة وما فعلوه بالقيم التي يفترض بأن الدولة المدنية تمثلها ونرى في نفس الوقت من الذي يمثل منطق العسكرة المرتبطة بإستخدام السلاح لفرض حالة من الإستبداد وإستباحة القيم والدولة والانسان بالكامل .

وبجردة حساب بسيطة سنتذكر أنهم لم يتركوا شيئاً دون عسكرته أي أنهم إستخدموا أداة العسكر لفرض إرادتهم عبر السلاح ، فلولا إحتكار العسكر للسلاح لما كانوا قادرين على ممارسة مفهوم العسكرة التي يدّعون خشيتهم منها وما كانوا قادرين على فرض إراداتهم على من لا يملكونه .

فمن هم العسكر خلال السنوات الماضية ؟ هل هو العسكر الشرعي ؟  أم أنه العسكر المنفلت الذي لم يترك شيئاً لم يعسكره ؟  فلولا عسكرتهم  لما كانوا ليناوروا على وجودهم اليوم .

لقد البسوا عسكرتهم كل لباس الرذيلة ، فعسكروا الدين ودعموا المتطرفين بالسلاح و المال وجرافات التطرف والموت ، تعسكروا بمنطق عنصري قبلي قبيح فامتلكوا السلاح باسم قبائلهم ومدنهم ، عسكروا السياسة كذلك وإستجلبوا المرتزقة و قاطعي الرؤوس ، فهم من إختطفوا رؤساء وزراء وسفراء واقتحموا المؤسسات الشرعية بالسلاح هددوا النواب والمسؤولين بالسلاح .

هم من يفاوضون على وجودهم بحكم سلاحهم ويتنافسون على السلطة و المناصب بحكم ما نهبوا من سلاح ، مع هذا فانهم يقولون بأنهم ضد عسكرة الدولة وكأن العسكرة هي فعل إرتداء بدلة عسكرية وإن حمل سلاح مع إرتداء ملابس داخلية وشباشب إصبع للحمام تنفي عنهم عسكرتهم وإن مارسوا العسكرة باستخدام كل نوع من الأسلحة والاستبداد و فرض الارادة بالقوة و انتهاك القانون والدستور والإنقلاب على إرادة الشعب كما حدث في فجر ليبيا المشؤومة وتهجير المدن والتطهير العرقي وإستباحة المال العام والتصرف بمنطق منعزل بعيداً عن إرادة الشعب ، وبالطبع لم يفوتكم عقد صفقات مع دول و استخبارات وإستقدام جنود و عسكر أجنبي ، كل هذا و هم أنصار الدولة المدنية ويرفضون عسكرتها .

لقد إنتهكوا مفهوم الدولة وأعدموه تماماً وإستباحوا كل شيء فيه فانتفت الدولة التي يدّعون مدنيتها وتعسكر الوجود وأصبح منطق عسكرة الدولة السابق – نعيم – بعد أن ذاق الناس عسكرتهم المنفلتة من القيم  المجردة من الدولة عندما عسكروا كل شيء باعدام ذات الدولة .

إن كانت الدولة المدنية التي تصرخون بها تمثل قيم ومبادئ وحقوق وقانون فأنتم أبعد الناس عنها وإن كانت هي الإستبداد وإنفلات السلاح والهيمنة بعيداً عن ارادة الشعب فأنتم من قام بها ولا يجيد أحد هذه الدناسة كما تجيدونها ، فلا تدنسوا المفاهيم والقيم لأن رائحتكم العفنة تسبق نطقكم بها ولا تستطيعون اخفاءها عند حديثكم عنها .

عبدالحكيم فنوش

12 يونيو 2019