بقلم كامل المرعاش : بريوش ماري أنطوانيت وشوكولاتة كاربو السراج ! – صحيفة المرصد الليبية
مقال رأي بقلم الكاتب كامل المرعاش

ماري أنطوانيت، أجمل ملكات فرنسا، ذات الأصول النمساوية و الجمال ” الاري الجرماني الأخاذ ” ، ولدت عام 1755 في كنف الامبراطورية النمساوية، وبرجها العقرب.

أمها ماريا تيريزا (1717-1780)، الامبراطورة الأسطورة، التي حكمت أجزاء واسعة من أوروبا بفضل حنكتها، وشدة ذكائها في حبك العلاقات العائلية وزيجات المصلحة، التي كانت وسيلة ذلك العصر، في ربط الاحلاف السياسية، للهيمنة والسيطرة.

تزوجت ماري انطوانيت، من الملك لويس السادس عشر، وعمرها 14 ربيعاً، ضمن نفس سياق زواج المصلحة الذي خططت له ونفذته أمها ذات الكيد العظيم، لتضمن شر غزوات ملوك فرنسا لها من جهة ولكي يمتد حكمها حتى بلاد الغولوا الفرنسية.

الملكة الصغيرة، جاءت لحكم فرنسا، بترتيب ثنائية المصلحة والنفوذ، وهي تفتقر لفهم أبسط قواعد الحكم والسياسة ودهاليز سياسة القصور، ومطابخها الخلفية.

عاشت الملكة الصغيرة، رمزاً للأرستقراطية الراقية، وإستثمرت كثيراً في جمالها القاتل ، وملأت الملذات والاضواء حياتها، وأسرفت في السفر والترحال وإقامة الحفلات الفاخرة والتمثيليات المسرحية.

حتى أصبحت ماري الأسطورة الجميلة، مكروهة جدًا، في عقول الفرنسيين الأجلاف، لإفسادها البلاط الملكي الفرنسي، حيث كانت تسرف في إغداق الأموال على الكهنة والقساوسة ورجال الدين وحراس وقادة جند البلاط والمقربين منها، والذين كانوا يتحكمون فيها وفي كل شيء، ويحكمون باسمها، وعاثوا في البلاد فساداً ونهباً وتقتيلاً واذلالاً.

ولم تعط ماري أي إهتمام للأزمات الطاحنة في البلاد، حيث تفشي الخطف والقتل والمرض والفقر والجوع الذي إجتاح البلاد الفرنسية، ومات الآلاف نتيجة للحكم الفاسد، وتحكم كهنة وجند البلاط المحاربين في مقدرات البلاد.

ولأن الملكة الصغيرة، جاءت لحكم فرنسا، بترتيب ثنائية المصلحة والنفوذ، وهي تفتقر الى تجربة الحكم والسياسة كما أشرت ، يبدو أن حسابات دهقنة الأم تيريزا، كانت حكماً بالموت الزعاف، على أسطورة الجمال ماري وعرضها مع تعاقب السنون لما سمي فيما بعد بـ ” متلازمة ماري إنطوانيت” والتي تحول فيه لون شعرها الأشقر الغزير اللماع الذي إختطف عيون وقلوب عشاقها الفرنسيين الى أبيض، أشعث، مجعد، من الخوف والرهبة على عتبات مقصلة الثوار والغوغائيين الباريسيين، فيما اشتهر بمقصلة ” البريوش “.

هذه النهاية المأساوية حدثت مع إرهاصات الثورة الفرنسية عام 1789، بعد فشلها في حشد الجند وسيوفهم ورماحهم لحماية بلاط ” قصر فرساي ”  وإغرائهم بالمال للدفاع عن عرشها وبذخها وإسرافها، في مواجهة الجماهير الباريسية الجائعة والبائسة التي زحفت على القصر وهدمت سجن الباستيل وحولت قسراً مقام البلاط من حصنه المنيع بفرساي الى قصر “تويليري” في قلب باريس، ليكون تحت عيون ثوار كانتونات الفقر والبؤس الباريسي.

وفي النهاية أصبحت ماري وزوجها التعيس لويس سجينين في قصر “توليري” الباريسي، وتحت رحمة حراس البلاط من جهة والغوغائيين من جهة أخري.

بريوش ماري إنطوانيت كان القشة التي ساق جميلة الجميلات إلى حتفها، وخوفها من هذا المصير المحتوم، وحول شعرها الأشقر الغزير الى أشعث مغبر، علاه الشيب الدميم.

حدث ذلك بعد أن روي عنها القول في إجابة عن جوع الناس واختفاء الخبز فقالت” إذا لم يجد الناس الخبز ، فليأكلوا البريوش“، جملة يختلف الرواة في حقيقتها، ولكنها قادتها فوراً الى المقصلة وأُعدمت بقطع رأسها يوم 16 أكتوبر 1793 م، في ميدان الكونكورد، بعد أن أُقتيدت بعربة مكشوفة طافت بها  شوارع باريس حيث رماها الغوغائيين بالأوساخ وكل ما يقع تحت يدهم، وقصوا شعرها الطويل ثم وضعوا رأسها الصغير في المكان المخصص في المقصلة (الجيلوتين) وهوت السكين الحادة فأطاحت برأسها في السلة الجانبية، وهي تتوسل اليهم بأن يغطي شعرها، حتى لا تغطيه الدماء، كآخر أُمنية لها في الحياة، ولكن بلطجية وثوار المقصلة أبو إلا أن تضرج الدماء شعرها وجسمها الذي طالما تغني بجماله شعراء القرن الثامن عشر بفرنسا.

وهكذا كان البريوش اللذيذ سبباً في سقوط الفساد والظلم والاستبداد الذي مارسه الكهنة والقساوسة ورجال الدين وحراس البلاط، تحت حكم إمرأة أسطورة في الجمال، لكنها كانت في حقيقة الأمر دمية يتلاعب بها أراذل القوم، والأشرار ويحكمون باسمها، يقتلون باسمها، ينهبون باسمها، لا لشيء إلا لأنها وفرت لهم شرعية ثنائية المصلحة والنفوذ الآتية من بعيد، والمحبوكة في الخارج.

مزاوجتي بين البريوش والشوكلاتة، تأتي من كون أن الاثنين، يحبهم الناس، ويقبلون على تناولهما بنهم، حتى أن المخابز والمعامل تتفنن في إعدادهما بأشكال عدة وألوان زاهية، تشبع العيون قبل البطون.

وأيضا لأنهما مُنتجين عالمِيين لا تفرق بينهما الثقافات ولا المسافات ولا السياسات ولا الأفواه المتحفزة لحلاوة المذاق ،  بل نشأت في هذا الخطب أصناف ومراتب حسب طبقات الناس، فالغالى من أصنافها لا يقدر عليه إلا الملوك والرؤساء والوزراء وحواشيهم من خدم وحراس البلاط.

أما عامة الشعب، من الدهماء والغلاظ والأجلاف والفقراء ليس لهم إلا الخبز منقوص الوزن أو المصاب بالكساح، هذا إذا وُجد أصلاً في بلد عاش وشم البحبوحة ويحلم برائحة البريوش المفقودة منذ سنوات، والتي باتت على بعد بضعة أمتار من تبة القتال التي يعانقها ليل نهار؟! . 

شوكلاتة السراج ونوعها الفاخر”كاربو” لا تخرج عن هذا السياق ، فمذاقها حلو، ثمنها غالي، تذوب بين الأصابع قبل أن تولج في الأفواه والشفاه المزركشة بأحمر الشفاه الذي حوته قائمة وسلة المشتريات المتكاملة المطلوبة من متاجر ضاحية “هارودز” اللندنية الفاخرة.

ذهب صاحبنا بشحمه ولحمه، راجلاً متخلصاً للمرة الاولي من فضول حراس معبد أبوستة، ليشتري بعض من شوكولاتة “كاربو” الفاخرة بالقرب من “نايتس بريدج” كعنوان للتواضع ورفع الحرج ، وهروباً من عيون زعماء و”كابوات ” حراس البلاط، وأشاوس التبات في تخوم طرابلس الذين يدودون عن بلاط أبوستة وأعمدته في الصخيرات المغربية!. 

لقد أثارت ” شوكولاتة كاربو السراج ”  غضب الشباب والعجائز والولدان وإعتبرها كثيرون بأنها مستفزة لمشاعر الليبيين الذين يعيشون جحيم حكم بلاط السراج ومليشياته منذ 4 سنوات عجاف، فلا كهرباء ولا ماء ولا وقود ولا علاج ولا تعليم ولا أمن ولا مرتبات ولاحتى خدمات  .

حياة شقاء وبلاء وإستباحة لكل شيء تُشبه الي حد بعيد تعاسة الباريسيين في أواخر القرن الثامن عشر، غير أن الفرنسيين كانت تحكمهم ماري أسطورة الجمال وهذا شيء لا يمكن توفره للسيد السراج إلا في الشيب الذي زحف على شواربه وأُطلق على أعالي أُذنيه ، وأتمنى أن لا يكون تباشير وإرهاصات “متلازمة ماري انطوانيت”.

النشطاء ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إعتبروا نزهة ” كاربو السراج اللندنية ” إستخفافاً بأهالي العاصمة قائلين، إن الشباب يقتلون كل يوم في تبات وادي الربيع والزطارنة والخلة واسبيعة وكلية مصراتة الجوية وإنقطاع الكهرباء تجاوز أكثر من 15 ساعة، ونقص البنزين والإزدحام على محطات الوقود بات بالأيام ونقص السيولة وصعوبة الحياة، وهو يشتري الشوكولاتة من أشهر متاجر لندن.

كيف إرتضى ” سرجيو شوكلاتة كاربو ” أن يقضي إجازة عيد الاضاحي والذبح في عاصمة الضباب لندن وأن يتسوق من أغلى متاجرها والبلاد تعيش في أسوأ حقبة من تاريخها ؟ . 

لا ننكر على السيد السراج أن يشتري له ولأحبته شوكولاتة كاربو فهذا من حقه كانسان، ولكن ليس من حقه كرئيس للمجلس الرئاسي أن يهرب من تعاسة حكمه، ومن ظُلمة العاصمة، وقمامتها التي أزكمت رائحتها الأنوف ورجس شياطين ميليشياته ، ليتنعم في لندن، وبمال الليبيين، في زمن شح السيولة والصفوف المتراصة أمام المصارف، فإن كان موقفه لا يلاحق عليه القانون، ولكن أين الأخلاق، وأين المسوؤلية العامة وحق الرعية على الراعي ؟! . 

كان الأمر سيكون رائعاً، لو حقق السراج الوئام والسلام والإستقرار والإزدهار لليبيا، وفتح لنا محلاً لشكولاتته المفضلة كاربو في طرابلس، وغيرها من مدن ليبيا المنسية، ليتمكن كل عشاق الشوكولاتة من تذوقها أو حتى التمتع بشكلها أو إلتقاط ” صور السيلفي ” معها من وراء الفيترينات الجميلة، اذا لم يستطيعوا شرائها.

وهنا تصبح مقاربة بريوش ماري انطوانيت، بشكولاتة كاربو السراج منطقية ومحفزة للهمم، في زمن الصمت المريب وقاعدة ” أخطى راسي وقص”، فهل سيطالب جمع الليبيين بحقهم في رغيف خبز رخيص ونظيف ولذيذ، وهل عندما لا يجدونه سيقول لهم السراج، ” كلوا شوكلاتة كاربو !!؟  

وهل ستحدث ثورة شوكولاتة كاربو في طرابلس؟؟؟

وهل ستنقذنا هذه الهبة، من جيش مسلسل المزايدات وطواحين الهواء وبكائيات شعراء حقد الوسواس الخناس لـ  ” سانية الوحيدية ” بألا تكون ليبيا عزبة أو معطناً لأحد غير أهلها وناسها وأن تعيش على أمجادها وإرثها الجمعي خالية من الأحقاد والعداوات ومهاميز السوء الدساسون ومرضي الأوهام ومضغ الماضي !!!

وهل سينج جيش الشعب المقاتل في “معركة الفتح المبين” رغم كيد الظالمين  القريبين والبعيدين، في إقتياد السراج ونوابه وحراس بلاطه ووزراء حربه وأزمته ومستشاريه وحوارييه في الداخل والخارج إلى قلعة السراي الحمراء، إستعداداً لمحاكمتهم العادلة ولا نقول نصب المقاصل  لهم، في ميدان الشهداء مثل ما فعل ” بؤساء باريس الحقيقيين ” في ميدان الكونكورد عام 1793 م.

أسئلة شرعية تتداولها كل ألسن أضعف الإيمان الليبية، فحال البلاد والعباد أصبح لا يُطاق، والعبث وصل منتهاه، وصاحبنا لازال يعيش في برجه العاجي وما زال حراس البلاط وكهنته يتلاعبون به ويديرون ثنائية دفة التبات والمكبات التي خنقت حتى الهواء الذي يتنفس منه الطرابلسيون.

أم سنري أشاوس تبات حراس بلاط السراج يبثون لنا مشاهد مباشرة، بنكهة عارض الأزياء المغوار ” جلال القبي المصراتي” وإستعراضاته الكربونية، مرتدياً “فانيلات” فيرساشي ونظراته الشمسية الذهبية، وهو يتناول شيئاً من شوكلاتة كاربو السراج وأن يشهر لنا هده العلامة التجارية بإعلان مدفوع الثمن، لتسويق كاربو السراج!!!

د. كامل المرعاش

باريس، 23. 08. 2019