بقلم أ.عزة المقهور | وثيقة مؤتمر برلين 2020 خطة عمل جديدة لليبيا – صحيفة المرصد الليبية
وثيقة مؤتمر برلين 2020 خطة عمل جديدة لليبيا

عزة كامل المقهور

أولا مقدمة

دون حاجة للخوض في الإرهاصات التي أدت إلى مؤتمر برلين، وأهمها النزاعات الأهلية المسلحة المتتالية في ليبيا وفشل اتفاق الصخيرات في أن يطبق على أرض الواقع وأن يحرز هدفه الأساسي في خلق سلطة تنفيذية موحدة وفعالة، بل أن الأمر وصل إلى أن ظلت مؤسسات اتفاق الصخيرات مؤسسات واقع لينتهي بها المطاف طرفا في نزاع مسلح.

تقول التجارب الدولية أن اتفاقات السلام الهشة غالبا ما تكون مدعاة لحروب ونزاعات أشرس مما سبقها وأفضى إليها. لذا أفاد السيد سلامة في لقائه مع قناة 218 بأن “الاتفاق الجيد يحمي ويضمن ذاته ولا يحتاج إلى حماية خارجية”، ومن هنا فإن القادم ما بعد مؤتمر برلين يجب أن يكون اتفاقا أو حزمة من الاتفاقات “الجيدة” والصلبة التي تكفل خروج ليبيا من نفق الصراع المسلح إلى السلم والتنمية والعدالة وتكافؤ الفرص، لا أن يفضي إلى نزاعات أشد شراسة مما سبقها. وإن على البعثة الأممية أن تتفادى نموذج “صخيرات” آخر يعصف بما تبقى من أنفاس لهذا البلد الصغير وسط كل هذه المشاكل التي تحيط به وتتوالد داخله، وألا تكرر الأخطاء التي ارتكبت في اتفاق الصخيرات وأن تعمل جاهدة للوصول إلى اتفاق/ اتفاقات سياسية، أمنية/ عسكرية واقتصادية/ مالية “تحمي وتضمن ذاتها” موضوعيا واجرائيا.

 

أبرز ملامح مؤتمر برلين

 

  1. المكان والتاريخ: العاصمة الألمانية برلين وبمبادرة من المستشارة الألمانية مريكل، بتاريخ 19 يناير 2020.
  2. العضوية: الأعضاء الخمس الدائمين لمجلس الأمن والذين عجزوا لسنوات مضت عن اتخاذ قرارات حاسمة في المسألة الليبية، مما كثر لجؤهم إلى اصدار البيانات التي عكست عجزهم عن التوافق بشأن الأزمة. إضافة إلى بعض دول الجوار (مصر والجزائر) ودول أخرى ذات علاقة بالنزاع الليبي (الإمارات المتحدة، فرنسا، إيطاليا، تركيا)، والدولة المستضيفة والمبادرة (المانيا) حسبما ورد في الوثيقة المعلنة عن المؤتمر.

ومن ضمن الأعضاء أمين عام الأمم المتحدة، وممثلي عن الاتحاد الأفريقي والاوربي وجامعة الدول العربية.

  1. وثيقة برلين: صدور وثيقة متوافق عليها من الأعضاء ومعلنة ومنشورة تتكون من 7 فصول و 11 صفحة و 55 بندا ومرفق تنفيذي (غير منشور) رغم اشارة السيد سلامة الى أهميته[1].!
  2. لجنة المتابعة: نصت الوثيقة في فصلها الأخير عن تشكيل لجنة متابعة على مستويين:
  • المستوى الأول: العام الرسمي الأعلى، للاجتماع شهريا برئاسة البعثة الأممية، ونائب رئيس بالتداول، مهمتها متابعة تطور مراحل تنفيذ، واعداد تقارير عن كل جلسة.
  • المستوى الثاني: تشكيل أربعة لجان عمل على مستوى الخبراء تعقد اجتماعاتها مرتين شهريا برئاسة مندوب عن البعثة الأممية للتعامل مع معوقات التنفيذ، وتبادل المعلومات، وتنسيق العمليات.
  1. عدم مشاركة أية وفود ليبية في الاجتماعات الرسمية، رغم دعوة رسمية لها والاكتفاء بالإجتماع بها على هامشه بدون صفة في المؤتمر وعلى قدم المساواة.
  2. الإشارة في الوثيقة إلى شخصيتين ليبيتين مرة واحدة فقط هكذا: “رئيس الوزراء السراج، والمشير حفتر”[2] وذلك في سياق تسمية ممثليهم في اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 المقترحة من البعثة الأممية[3].
  3. الإشارة إلى عديد المؤسسات الليبية وأهمها: مجلس النواب[4]، مؤسسات سيادية بعينها: مؤسسة الاستثمار/ المؤسسة الوطنية للنفط/ مصرف ليبيا المركزي/ ديوان المحاسبة.
  4. الإشارة إلى المؤسسات الرقابية في إطار الدعوة إلى تطوير أدائها: ديوان المحاسبة/ جهاز الرقابة/ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد/ مكتب النائب العام، اللجان البرلمانية ذات العلاقة “وفقا للاتفاق السياسي الليبي والقوانين الليبية ذات العلاقة”[5].
  5. الإشارة في موضعين إلى الجنوب الليبي وتحديدا لمنطقة “فزان”. الأولى عند الحديث عن البلديات وتخصيص “الجنوب” بالذات في المخصصات المالية. والثانية في الجزء المتعلق بوقف اطلاق النار وورد فيه لفظ “فزان”[6].
  6. لا إشارة في الوثيقة للمسار الدستوري، لكن هناك إشارة للمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.
  7. إشارة لكل من المجموعات المسلحة والمليشيات، إضافة إلى اشارة إلى تجنيد المرتزقة[7].

استنادا للفصل الأخير للوثيقة هناك ملحق بالخطة العملية للتنفيذ من إعداد ممثل الأمين العام رئيس البعثة السيد سلامة، لكنه لم ينشر مع الوثيقة رغم دعوة أطراف المؤتمر للسيد سلامة لإيصاله واعلامه “لليبيين”[8].

 

وثيقة مؤتمر برلين:

 

قيمة الوثيقة

صدرت عن المؤتمر وثيقة توافق عليها الأطراف، وجاء في نهايتها أنها ستحال إلى مجلس الأمن لاتخاذ ما يلزم حيالها. وهي وثيقة سياسة على مستوى عال نظرا للمستوى الرفيع للحضور والمتمثل في رؤوساء دول وحكومات ووزراء خارجية، كما وأنها تلزمهم بما ورد فيها من مبادئ عامة، لكن هذا الإلزام غير محدد لأنه لا يتضمن خطوات عملية ولا جداول زمنية ولا عقوبات معينة نتيجة للإخلال به[9]، لكن الوثيقة تنص إضافة للإحالة إلى مجلس الأمن الدولي، “دعوة ممثل الأمين العام السيد سلامة وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لدعم تنفيذ التعهدات المتخذة في إطار مؤتمر برلين”. الأمر الذي يعني أن هذه الوثيقة ستشكل إطارا لتوافقات ومفاهمات وحوار واتفاقات مقبلة، إضافة إلى توقع صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يضفي عليها صفة الالزام . أي أنها الخطة المقبلة لليبيا.

تشير آخر الأخبار إلى إحالة الوثيقة فعليا لمجلس الأمن الدولي عن طريق ممثل المانيا لدى الأمم المتحدة.

 

علاقة وثيقة برلين باتفاق الصخيرات (الاتفاق السياسي الليبي)
  1. بغض النظر عن شكل وقالب الوثيقتين ( اتفاق سياسي/ وثيقة مؤتمر)، فإنه وللوهلة الأولى يتضح الفارق البين بين الوثيقتين، ففي حين أن الصخيرات وقعت ما بين أطراف ليبية مختلفة بعضها أفراد دون صفة رسمية، فإن وثيقة برلين صدرت عن أطراف أجنبية (دول ومنظمات) دون وجود لأطراف ليبية فيها. كما وأن الأولى كانت برعاية البعثة الأممية وبوجود أطراف خارجية متعددة لا ترقى لأعلى من مستوى السفراء أو المبعوثين الخاصين، فإن وثيقة برلين صدرت عن دول أجنبية ممثلة على مستوى رفيع. والأهم أنها عرت حقيقة تفادى مواجهتها اتفاق الصخيرات في الاعتراف بالبعد الأجنبي للأزمة الليبية (وليس الدولي) في النزاع الليبي. فبينما تتحدث الصخيرات عن “المجتمع الدولي” و”التعاون الدولي” و” الدعم الدولي” وكأنه مجتمع متناغم ومتفق فيما بين مكوناته، جاءت وثيقة برلين لتعلن ” التدخل الخارجي”[10] و “التعهد بالتوقف عن التدخل في النزاع المسلح والشؤون الداخلية لليبيا”، ” التعهد بالاحترام الكامل وتنفيذ حظر الأسلحة المفروض بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1970 (2011) وما تلاه من قرارات”[11] ” دعوة الفاعلين[12] للامتناع عن أية نشاطات تفاقم من النزاع أو تتعارض مع حظر الأسلحة من قبل مجلس الأمن أو وقف اطلاق النار بما في ذلك تمويل القدرات العسكرية أو توظيف المرتزقة”[13]، “بغرض السماح بجدية واهمية الحوار ضمن لجنة 5+5، يعلن كافة المشاركين في المؤتمر بأنهم سيتوقفون عن أي انتشار أو عمليات طالما الهدنة قائمة”[14].
  2. رغم غياب أية إشارة إلى المؤسستين اللتين انبثقتا عن اتفاق الصخيرات وهما حكومة الوفاق الوطني ومجلس الدولة، إلا أن الوثيقة أشارت للاتفاق السياسي الليبي[15] في أكثر من موضع. كما أشارت بالتحديد للترتيبات الأمنية[16] فيه دون غيرها من فصول الاتفاق السياسي الليبي.

لكن الوثيقة وصفت الاتفاق السياسي الليبي على النحو التالي: ” ندعم الاتفاق السياسي الليبي باعتباره إطار ممكن[17] للحل السياسي في ليبيا”.

  1. لم تكتف الوثيقة بالاتفاق السياسي الليبي، لكنها اشارت إلى “المبادئ المتفق عليها في كل من باريس، وباليرمو، وأبوظبي”[18] وإلى “مباحثات موسكو” هذا الشهر، إضافة إلى قرارات مجلس الأمن ومن بينها ما ذكر على وجه التحديد.

 

ملامح لخطة جديدة

 

  1. اتفاق الصخيرات: رغم اللغة الدبلوماسية التي اتبعت في الحديث عن الاتفاق السياسي الليبي، إلا أن هذا الاتفاق الفاشل عمليا لأسباب بنيوية ذاتية بقصور من البعثة الأممية، ولأسباب أخرى محلية منها اجرائية مثل عدم تضمينه في الإعلان الدستوري ونشره في الجريدة الرسمية، وإجراءات ومخالفات للاتفاق السياسي ذاته، حتى وصل الأمر إلى صراع مسلح، هو اتفاق تم تجاوزه فعليا خاصة في شقه السياسي. لذلك بعد أن كان يوصف بالحل الوحيد، بات يوصف بالإطار، وها هو في وثيقة برلين يوصف بالاطار “الممكن” أو “القابل للحياة”.

إن أول من تجاوز اتفاق الصخيرات بإدخال تعديلات مهمة هو السيد سلامة ذاته حين وضع خطتة الثلاثية التي لم تتحقق وتوقفت عند مرحلتها الأولى في اجتماع مجلسي النواب والدولة والاتفاق حول تعديل السلطة التنفيذية من حيث تشكيلها واختصاصها إلى مجلس رئاسي من ثلاثة أعضاء ورئيس حكومة منفصل ذي صلاحيات مهمة مكلف بتشكيل حكومة. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن السيد سلامة عندما فشل الوفدان في التوصل لاتفاق، تقدم بمقترح للطرفين، وافق عليه مجلس النواب ورفضه مجلس الدولة. وبالتالي لم تنفذ الخطة الثلاثية هذه.

  1. الدور الموسع للبعثة الأممية: من الواضح من خلال هذه الوثيقة أن سلطات واسعة منحت للبعثة الأممية لم تعهدها من قبل، بل حتى لجنة المتابعة المنبثقة عن الوثيقة برئاسة رئيس البعثة واللجان الفنية برئاسة ممثلي البعثة، وللبعثة دور في مسألة وقف إطلاق النار، وفي تسهيل عمل اللجنة العسكرية (5+5). وعليه في حال اعتماد وثيقة برلين من مجلس الأمن، فإنها ستوسع من مهام البعثة الأممية في ليبيا، وأهمية دورها الموسع في المرحلة المقبلة، وتصبح الأوصاف بالملكية الليبية والقيادة الليبية للمسار السياسي نوعا من المجاملة السياسية التي لا تعكس الواقع.
  2. المسار السياسي: هناك على ما يبدو عودة لخطة د. سلامة التي قدمها لمجلس الأمن الدولي عقب تعيينه، وأن المسار السياسي بالكامل في يد البعثة الأممية. فالإشارة في الفقرة 5 إلى ” أن مسار برلين الذي نلتزم به لدعم خطة النقاط الثلاثة المقدمة من الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة السيد غسان سلامة إلى مجلس الأمن”. وهي خطة لم تنجح في حينها وتوقفت عند المرحلة الأولى (الاتفاق بين مجلسي النواب والدولة استنادا للمادة 12 من الأحكام الاضافية للاتفاق السياسي)، وتم تعديلها بما عرف بالمسار التشاوري الذي أسفر عن إعداد وثيقة ما عرف بالملتقى الوطني الليبي تمهيدا لمؤتمر “غدامس” الذي لم يلتئم بسبب الصراع المسلح منذ ابريل الماضي.

لذا فإنه الآن وبعد كل التطورات السلبية في المشهد الليبي، فإنه من غير المجدي العودة إلى خطة لم تنجح في أوضاع كانت أقل تعقيدا. ورغم تصريح السيد غسان سلامة باستئناف خطته مع بعض التعديلات الطفيفة بتشكيل مجموعة من أربعين عضوا، تواردت الأخبار عن أن تكون كالتالي: 13+13+14 ممثلين عن كل من مجلس النواب ومجلس الدولة و”مستقلين”[19]، فإن الوضع الحالي بحاجة لمعالجات حقيقية أهمها:

أولا: الحاجة إلى إصلاح المؤسستين:

  • مشكلة مجلس النواب:

– المقاطعون.

– مجموعة ما أطلق عليها مجلس نواب طرابلس.

– الانقسام والاصطفاف مع أطراف النزاع.

  • مجلس الدولة:

– تشكيله بالمخالفة للاتفاق السياسي.

-غياب المعلومات عن الأعضاء وطرق انضمامهم.

-عدم ضم مجموعة 94 اليه، بما يجعل الغلبة فيه لتيار سياسي معين.

– الاصطفاف مع أحد أطراف النزاع.

لذا فإنه من اللازم قبل الشروع في الخطة اجراء إصلاحات داخلية للمجلسين في تشكيلهما بما يعيد اليهما التماسك والتوازن المنشود وتوفير روح العمل الجماعي من أجل مصلحة الوطن والابتعاد عن الاصطفاف بما يمنع عرقلة الخطة وفشلها أو افشالها.

ثانيا: آلية اختيار الشخصيات الليبية من رئيس بعثة الأمم المتحدة: من المهم تحديد هذه الآلية وتبيانها بشكل واضح وشفاف، وألا تتكرر طريقة اختيار ما عرف “بالمستقلين” في حوار الصخيرات، إضافة إلى الأسماء التي لم يفصح عنها السيد رئيس البعثة قبل موعد اجتماع “غدامس” وصرح أنه وحده من يعلمها وأنها “في جيبه”. لذا من المهم وضع آلية شفافة وواضحة تؤدي إلى تمثيل ومشاركة واسعة وفعالة. وهذه الشريحة المسماة “المستقلين” مهمة جدا لأنها الثقل الذي سيشكل التوازن بين الحاضرين واختيارها مسؤولية رئيس البعثة الأممية وحده دون غيره.

ثالثا: المجلس الرئاسي[20]:

العمل في اتجاه تحويل المجلس الرئاسي وحكومته إلى حكومة تسيير أعمال في الفترة الحالية. فباعتباره معترف به دوليا وهو طرف في النزاع فإن الخشية ان يبرم المزيد من الاتفاقيات الدولية أو يتخذ قرارات تؤجج الصراع أو أن يتمسك بالبقاء أو يتدخل في المسار السياسي بما يملك من صلاحيات، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة هوة الانقسام المؤسسي وعرقلته.

 

المقترحات:

 

أولا: خطة تفاوت المسارات ثم التقائها والتئامها معا [21]:

 

  1. منح الأولوية للمسارين الأمني/ العسكري والاقتصادي/ المالي:

وذلك بالإسراع في المسار الأمني/ العسكري كما هو مبين في وثيقة برلين واهمه اتفاق وقف إطلاق النار وآلية مراقبته، ووضع الترتيبات الأمنية الفعالة والعاجلة، والعمل حثيثا في هذا الطريق الذي حتما سيسهل المسار السياسي.

  1. تلازم المسار الاقتصادي مع المسار الأمني/ العسكري. والذي يجب أن يولى أهمية سريعة تقوم على رعاية المواطن وتوفير الخدمات اللازمة والتوزيع العادل للثروة، فلا يخفى أن أحد مسببات النزاع المسلح اقتصادي ومنها استشراء الفساد وارتباطه بالجماعات المسلحة وتغذيتها. لذا فإنه من المهم أن يتلازم هذا المسار مع المسار الأمني العسكري تمهيدا للمسار السياسي وليس العكس. ومن المهم الإشارة إلى أنه ثبت أن العمل فيما بين المؤسسات السيادية ممكنا عكس العمل فيما بين المؤسسات السياسية.
  2. نحن لا ننصح بالخوض في المسار السياسي بإداوته الهشة الحالية والتي لن تصمد طويلا، وفي حال فشلها ستؤدي إلى صراع مسلح آخر لا سمح الله.

وفي اثناء عمل المسارين الأمني/العسكري والاقتصادي/المالي، يتم اتخاذ الخطوات الإصلاحية المبينة في الفقرة السابقة أعلاه بشأن مجلسي النواب والدولة بما يكفل إيجاد مؤسستين متماسكتين في حدهما الأدنى وممثلتين تمثيلا كافيا، بإمكانهما التعامل مع المسار السياسي في فترة انتقالية حرجة وحساسة ستفضي -إن نجحت- إلى رسم ملامح نظام دولة جديد يبنى على انتخابات رئاسية وبرلمانية بإشراف كما ورد في وثيقة برلين، ووضع دستور مؤقت أو دائم. لذا فإنه من التهور عدم التأني في المسار السياسي والاستعجال فيه على اعتباره الأكثر بهرجة واهتماما للرأي العام، على عكس المسارين الآخرين الأمني/ العسكري والاقتصادي/ المالي، اللذين يتسمان بطابع فني يخضع لمعايير متعارف عليها.

كما وأنه من المتوقع تأخر وتعثر المسار السياسي بسبب الحاجة لحوار شائك، خاصة في وجود إشكاليات تتعلق بالشرعية وانتهاء الولاية والانقسام والتشظي والاصطفاف والرغبة في الاستمرار في السلطة ومزاياها وهو ما قد يأخذ وقتا طويلا ويتعرض لانتكاسات قد تفضي إلى تجدد النزاع المسلح. لذا فإن المسار السياسي في حاجة إلى المسارين الآخرين لتغذيته ودعمه واستمراره.

 

ثانيا: التنسيق ما بين المسارات عن طريق هيئة تنسيقية تضم ممثلين لها:

كما خلقت وثيقة برلين لجنة متابعة تنسق بين أطراف المؤتمر وتتابع تنفيذ الوثيقة وتتبادل المعلومات، على البعثة الأممية أن تخلق هيئة تنسيقية فيما بين المسارات الثلاث، لكي تعمل معا فلا تنتهي كل واحدة في جهة بما قد يؤدي إلى تنافسها وتضاربها. هذا الأمر لاحظناه في مؤسسات الاتفاق السياسي حين تحولت بعض مؤسساته إلى طرف أساسي في الصراع الدائر. لذا يتعين خلق الية تنسيقية فعالة ما بين المسارات الثلاث تتشارك وتتحاور وتتبادل الأفكار وألا تتحول البعثة ذاتها إلى منسق دون أن تشارك الأطراف المتحاورة في المسارات لنقطة التقاء.

كما أنه من المهم التفكير في تشكيل لجان فنية للمسارات تشارك فيها خبرات ليبية ودولية.

 

ثالثا: الاهتمام بالمسار الإجرائي:

مرة أخرى من المهم تفادي خطأ اتفاق الصخيرات الإجرائي في خلق ثغرات إجرائية أدت لضعفه ووهنه، كالخطأ في عدم تحديد دخوله حيز النفاذ كاتفاق ونقله من الوثيقة السياسية إلى الوثيقة الدستورية بآلية واضحة. وفي هذين الإجرائيين بالذات وقع اتفاق الصخيرات في خطأ قاتل حين لجأ إلى استخدام العبارات الفضفاضة والغامضة للترضية، فكان ما كان وظل وثيقة سياسية تدور في الفلك الدولي بموجب قرارات أممية دون تشريعات وطنية تضمن نفاذه، وتنامت مؤسساته الفعلية دون ضوابط حتى تغولت. وهذا الخطأ تفاده الاتفاق السياسي السوداني واستفاد منه، ليتكون المسار السوداني من مرحلتين اتفاق سياسي أولا والذي تم ضبطه في إطار دستوري في مرحلة لاحقة وأدى إلى صدور وثيقة دستورية للبلاد الغى الدستور السوداني لعام 2005 ودساتير الولايات ونص على أن هذه الوثيقة أساسها الاتفاق السياسي، لكن في حال تعارض احكامها تسود أحكام الوثيقة الدستورية (الفصل 16).

 

رابعا: اعتماد نهج الشفافية:

طالما أن الوثيقة تؤكد على الملكية والقيادة الليبية للمسارات المضمنة وثيقة برلين فإنه من المتعين اعتماد سياسة الشفافية التي طالما تنادي بها الأمم المتحدة. لذا وطالما ورد في الفصل الأخير -حسبنا مفهومنا له لعدم وضوح لغة النص- من وثيقة برلين إلى وجود برنامج عملي لمخرجات الوثيقة كملحق لها وإن الدول الأعضاء[22] في المؤتمر تدعو لإعلام الليبيين”[23] به، فإنه من المتعين على البعثة الأممية نشره للكافة حتى يتسنى “لليبيين”[24] الاطلاع عليه تنفيذا لما ورد في الوثيقة.

 

خامسا: الدور الإعلامي:

أشارت وثيقة برلين بشكل سريع للفتنة الإعلامية التي تنهش قلوب الليبيين كل يوم بشكل سريع[25]. وكنت أتمنى أن تتضمن الوثيقة التزاما على الدول التي تتدخل في الشأن الليبي التوقف عن دعم القنوات الإعلامية. لذا من المهم جدا ونحن بصدد خطة سلام جديدة وضع آلية توقف الفتنة الإعلامية وتعاقب مؤججيها ومروجيها، وأن تلتزم الدول وأطراف الصراع بذلك. ونقترح على البعثة الأممية إضافة ذلك إلى قرار مجلس الأمن الدولي المزمع صدوره.

 

سادسا: اقتراح مسار رابع وهو مسار المصالحة الوطنية:

بفتح باب الحوار فيما بين الليبين واستمراره في مناطق متفرقة من ليبيا واقحام الشباب فيه على نحو واسع. وهو مسار لازم سيسهل التقارب ويشكل ضغطا على المتحاورين في المسارات الثلاث ويحي المجتمع المدني الذي اضرت به الحرب ويوصل أصوات الليبيين إلى المتحاورين في الفنادق الفخمة.

 

سابعا: التوثيق وإعداد المحاضر:

إن المسؤولية والأمانة التاريخية تحتم على الأطراف المشاركة أن تقوم بتوثيق هذه المرحلة التاريخية الفاصلة في تاريخ ليبيا، وألا تتكرر أخطاء حوار اتفاق الصخيرات التي خرج منه المشاركون دون وثائق ومحاضر توثق اجتماعاتهم لأن الأمانة والمسؤولية تحتم القيام بذلك، وألا يترك هذا الأمر للبعثة فلها شأنها واجراءاتها في ذلك.

 

من غير المحتمل أن تحظى ليبيا بمؤتمر جديد آخر يجتمع فيه أقطاب العالم كما حدث في مؤتمر برلين، فالعالم ينوء بالمشاكل والحروب، وعلى الليبيين جميعا اغتنام هذه الفرصة التي قد لا تسنح مرة أخرى من أجل أن تظل ليبيا على خريطة هذا العالم وأن ينعم أهلها بخيراتها في سلام ورخاء.

 

والله ولي التوفيق

عزة كامل المقهور

  1. 1. 2020

[1]  اللقاء المتلفز مع قتاة 2018، المصدر السابق.

[2]  لا توجد إشارة في الوثيقة لحكومة الوفاق الوطني ولا للمجلس الرئاسي ولا للجيش العربي الليبي.

[3]  فقرة 51

[4]  لا توجد إشارة في الوثيقة للمؤسسات التالية: المجلس الرئاسي/ حكومة الوفاق الوطني/ مجلس الدولة/ الهيئة التأسيسية لوضع مسودة الدستور.

[5] فقرة 38.

[6]  فقرة 30.

[7]  فقرة 19.

[8]  الفقرة 51 من الوثيقة.

[9]  اشارت الوثيقة (فقرة 16) إلى دعوة مجلس الأمن الدولي لإيقاع “العقوبات المناسبة” لمنتهكي ترتيبات وقف إطلاق النار.

[10]  فقرة 4.

[11] فقرة 18.

[12]  اعتقد أن مصطلح الفاعلين actors يجمع أطراف وثيقة برلين.

[13]  الفقرة 19.

[14] فقرة 51.

[15] الفقرة 7.

[16]  الفقرة 9 إشارة للمادة 34 من الاتفاق السياسي الليبي. الفقرة 13 إشارة للمادة 35 من الاتفاق السياسي الليبي.

[17]  Viable

[18]  فقرة 7.  لم تعلن مبادئ أبوظبي حتى هذه اللحظة.

[19]  اللقاء المتلفز في قناة 2018 مع السيد سلامة، المصدر السابق.

[20]  نصت الفقرة 25 من الوثيقة على ” ندعم الاتفاق السياسي الليبي باعتباره إطار ممكن للحل السياسي في ليبيا. وندعو أيضا إلى تأسيس مجلس رئاسي فاعل، وتشكيل حكومة ليبية واحدة، موحدة، شاملة، وفاعلة، يوافق عليها مجلس النواب“.

[21]  أكد السيد غسان سلامة في اللقاء المتلفز مع قناة 218 على أن المسارات الثلاثة ستكون بالتوازي والتزامن معا، المصدر السابق. والرأي في هذه الورقة أن المسارين الأمني/ العسكري والاقتصادي/ المالي عاجلين، فيما يحتاج المسار السياسي إلى إجراءات تمهيدية لإنجاحه.

[22]  نص الفقرة 52 من الوثيقة حسب مفهومنا لعدم وضوح المعنى ” دعم برنامج التنفيذ العملي لهذه النتائج المقدم من الممثل الخاص للأمين العام إلى ليبيا والمرفقة بهذه النتائج كملحق“.

[23] نص الفقرة 51 من الوثيقة “ندعو الأمين العام للأمم المتحدة وممثله الخاص إلى ليبيا ورئاسة مسار برلين لإرسال نتائج هذا المسار والمؤتمر إلى الليبيين”.

[24] نأمل ألا تكرر البعثة الأممية ما حدث في حوار الصخيرات حين قام السيد ليون بتلاوة أسماء أعضاء المجلس الرئاسي واعتبره ملحقا للاتفاق السياسي وجزءا لا يتجزأ منه.

[25]  الفقرة 48 من وثيقة برلين.

 

بقلم أ.عزة كامل المقهور