ليبيا – سلط تقرير تحليلي نشرته شبكة الجزيرة الإخبارية القطرية الضوء على أسباب استمرار وجود تركيا وروسيا العسكري في ليبيا وانعكاساته على واقع المنطقة.
التقرير الذي تابعته وترجمته صحيفة المرصد، أرجع ذلك لوجود الكثير الذي من الممكن أن يكسبه الأتراك والروس من البقاء في ليبيا في ظل عدم وجود حافز كبير لديهم للمغادرة في ظل الظروف الحالية؛ لأن القوة الوحيدة في العالم التي يمكن أن تستخدم نفوذها لتحقيق هذا لا تقوم بذلك.
وتابع التقرير: إن هذه القوة تتمثل في الولايات المتحدة التي لا تقوم بما يجب للضغط على القوات التركية والروسية لمغادرة ليبيا إذ ليس من المحتمل أن تلعب واشنطن أوراقها بهذه الطريقة، ناقلًا عن الخبيرة في معهد أبحاث “بروكينغز” الأميركي “فيديريكا سايني فاسانوتي” وجهة نظرها بالخصوص.
وقالت “فاسانوتي”: “واشنطن ليست مهتمة بليبيا خاصة في هذا الوقت الذي توجد فيه مشاكل أكثر إلحاحًا وقبل كل شيء المشاكل الداخلية الهائلة التي تواجهها إدارة بايدن، وهذا هو السبب في عدم وجود الالتزام الذي كان يتوقعه المرء حتى الآن وأنا آسفة إذ لن يكون هناك غدا أيضًا”.
بدوره اتهم المحلل السياسي جلال حرشاوي بايدن بعدم امتلاك إستراتيجية ليبيا وأن إدارته ليست جادة بما يكفي لوضع مخطط إستراتيجي لذلك وأنها عندما تتحدث عن معالجة مسألة وجود الجهات الأجنبية في ليبيا لا ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد لأنها لا تفعل أي شيء حقا.
وبحسب التقرير فإن واشنطن لا ترى في وجود موسكو العسكري في ليبيا ضررًا ما دام واقع حال لا يتوسع في وقت تعد فيه نظيره التركي مفيدًا؛ لأن تركيا جزء من حلف شمال الأطلسي “ناتو” وبالإمكان أن تلعب دورًا في احتواء نفوذ روسيا ما يجعل الولايات المتحدة في المحصلة داعمة لأنقرة.
وأضاف التقرير: إن واشنطن لا ترى أي مخاطر لوجود تركيا في وقت تبرز فيه مواقف أوروبية تخشى من هذا الوجود ونظيره الروسي فيما ترى فرنسا أن تواجد أنقرة العسكري أكثر إشكالية من ذلك الذي يمثل موسكو ناقلا عن عضو المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية “أومبرتو بروفازيو” موقفه بهذا الشأن.
وقال “بروفازيو”: “إن وجود القوات التركية هناك يعتبر بالطبع ضارًا بمصالح فرنسا بالنظر إلى التوافق الإستراتيجي لباريس ودعمها للقوات المسلحة بقيادة المشير خليفة حفتر ومع ذلك فإن فرنسا ليست الدولة الأوروبية الوحيدة التي لديها اعتراضات كبيرة على دور الجيش التركي في ليبيا”.
ووفقا لـ”بروفازيو” فإن الاستياء من الوجود التركي في ليبيا قد ازداد أيضًا في إيطاليا لا سيما في الحركات السياسية اليمينية المتطرفة التي تعتبر البلاد ساحة خلفية لروما وأيضًا من خلال منظور استعماري جديد فضلا عن وجوب أخذ المنافسة الاقتصادية مع هذه الاعتبارات.
وتوقع “بروفازيو” توافق الموقفين الفرنسي والإيطالي بعد سنوات عديدة من الخلاف الأوروبي المقلق لمواجهة الغرباء الذين يوسعون نفوذهم في الساحة الليبية فيما بينت “فاسانوتي” أن المنافسة الاقتصادية متغير حاسم في هذه المعادلة لأن وجود تركيا وروسيا يتعارض مع المصالح الأوروبية لأسباب مختلفة.
وبينت “فاسانوتي” أن أي اتفاق اقتصادي يتم توقيعه بين ليبيا وروسيا أو تركيا لا يخدم الشركاء الأوروبيين فضلًا عن وجود قضايا أمنية تمنح أعضاء الاتحاد الأوروبي سببا لتصور القوة الصلبة التركية والروسية على أنها تهدد المصالح الوطنية للقوى الأوروبية.
وقالت “فاسانوتي”: “أخيرًا فإن كل من يسيطر على الساحل الليبي سيتحكم في تدفقات الهجرة غير الشرعية وهذه قضية إستراتيجية لا ينبغي لأوروبا أن تستهين بها” فيما تضيف توترات الأزمة الأوكرانية وحولها إلى مثل هذه المخاوف فيما لو خرجت أزمة هذا البلد الواقع في شرق أوروبا عن السيطرة.
وأكد التقرير أن هذا الخروج عن السيطرة يعني حاجة القائمين على حلف شمال الأطلسي “ناتو” إلى التفكير في الكيفية التي من الممكمن خلالها قيام القوات الروسية في ليبيا باعتراض الرحلات الجوية فوق الأراضي الليبية، رغم أن هذا لن يهدد بالضرورة الأمن القومي لأي عضو في الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر.
وأضاف التقرير أن هذا السيناريو غير مقبول للحكومات الغربية؛ لأن مثل هذا الموقف من شأنه أن ينتهك عقيدة “ناتو” ناقلا عن “بروفازيو” قوله: “بالنسبة لروسيا بدلًا من ذلك يجب النظر إلى وجودها في ليبيا من منظور أوسع يأخذ في الاعتبار موطئ قدم موسكو العسكري المتوسع في شمال إفريقيا والساحل”.
وتابع “بروفازيو” قائلًا: “نظرًا للوجود المؤكد لروسيا في مالي فيمكن لليبيا أن تكون بمثابة جسر في شمال إفريقيا حيث يمكن لموسكو أن تزعج القوى الأوروبية باستخدام وسائل هجينة مثل الشركات العسكرية الخاصة والمقاولين في منطقة الساحل الضعيفة ما يؤدي لتحويل مسار اهتمام أوروبا من الجبهات الأخرى”.
وخلص التقرير إلى أن تركيا وروسيا أثبتتا أنهما من صناع السياسة الخارجية البارزين في ليبيا، إلا أن وجودهما في البلاد أثار انقسامات كبيرة قد تتعمق بين الدول الغربية إذا ظلت الولايات المتحدة غير راغبة في إلقاء ثقلها واحتفظت بوجهات نظرها الخاصة حول التنافس التركي الروسي على النفوذ.
وأضاف التقرير أن المطلوب من واشنطن أن تكون أكثر استيعابًا لسياسة أنقرة الخارجية في ليبيا من العديد من الحلفاء الأوروبيين المقربين للولايات المتحدة؛ لأن موسكو ستستغل الانقسامات لإعادة ليبيا إلى عهد النفوذ السوفيتي لتبقى المهمة الأكبر بانتظار عمل كبير من قبل الاتحاد الأوروبي.
وتابع التقرير: إن هذه المهمة تتمثل بإيجاد إستراتيجيات لمواجهة مخاطر جيوسياسية وتحديات أمنية محتملة ناجمة عن تصرفات القوات التركية والروسية في ليبيا، وهو ما لن يكون سهلًا لمسؤولي الاتحاد الأوروبي ممن يتحتم عليهم التعامل مع الحقائق الجديدة في وقت غاب فيه مثل هذا النوع من الساسية عن البيت الأبيض.
ترجمة المرصد – خاص

