دراسة لـ”تشاتام هاوس”: الخروج من دوامة الصراع في ليبيا يتطلب مساراً اقتصادياً موازياً للمسار السياسي
ليبيا – نشر “المعهد الملكي للشؤون الدولية” (تشاتام هاوس) المتخذ من بريطانيا مقراً له دراسة بحثية موسعة بشأن سبل الخروج من دوامة الصراع المستمر في ليبيا، وتابعتها وترجمت أهم ما ورد من طروحات بحثية صحيفة المرصد.
نهج الصفقات بين النخب وتقاسم السلطة والثروة
وقالت الدراسة إن السياسات المتبعة لمعالجة الأزمات السياسية والأمنية المستعصية في ليبيا واصلت الاعتماد على نظام معيب من الصفقات بين النخب، واستخدام تقاسم السلطة والثروة للحفاظ على السلام بين الفصائل المتناحرة، معتبرة أن هذه المقاربات تفاقم غالباً ديناميات الصراع من خلال تحفيز الاستغلال الاقتصادي والسعي وراء الريع عبر السيطرة على مؤسسات الدولة.
إدماج الاقتصاد في المفاوضات ومنحه مكانة مساوية للمسار السياسي
ورأت الدراسة أن معالجة الأسباب الاقتصادية ينبغي دمجها بشكل منهجي داخل المفاوضات السياسية، ومنحها مكانة مساوية للمسار السياسي وتعزيزها عبر وساطة فعالة، مع تركيز مسار اقتصادي معزز على مجالات تتضمن تحقيق استقرار فوري للاقتصاد بقيادة الأمم المتحدة وشركاء دوليين آخرين.
ازدواجية ولاية البعثة الأممية بين التسوية وإدارة الحوكمة اليومية
وأشارت الدراسة إلى أن ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تتطلب عاملين مهمين يتمثلان في التوسط بين الأطراف المتنازعة عبر عملية سياسية شاملة، ودعم تقديم المساعدات الإنسانية والخدمات العامة، معتبرة أن هذه الازدواجية قد تتعارض أحياناً عندما تتفاعل البعثة مع فاعلين سياسيين متنافسين بطريقة تتحدى قبضتهم على سلطة الدولة في ظل مسؤوليتها عن دعم إدارتهم للبلاد.
المنافسة الدولية وتراجع الإجماع حول حوكمة موحدة
وذكرت الدراسة أن التعامل الدولي مع ليبيا انحدر خلال السنوات الأخيرة إلى منافسة بين جهات أجنبية راعية وفاعلين خارجيين على مناطق النفوذ والوصول إلى الأراضي والموارد، ما أضاع أي إجماع متعدد الأطراف لضمان حوكمة موحدة ومستقرة.
الفساد وتضخم الإنفاق العام وتراجع الخدمات للمواطنين
وقالت الدراسة إن استيلاء شبكات النخب على الدولة غذّى الفساد ورفع الإنفاق العام بشكل كبير، واعتبرت أن الأثر العملي لهذه الإخفاقات على المواطنين يتمثل في تراجع قدرة الدولة على توفير الخدمات العامة، مع ارتفاع أسعار المستهلك ومعاناة القطاع العام الضخم المعتمد تاريخياً على المرتبات الحكومية.
افتراض أولوية الاستقرار السياسي على الإصلاح الاقتصادي
وانتقدت الدراسة المقاربات السياسية المعتمدة حتى الآن، معتبرة أنها تفترض أن الاستقرار السياسي يسبق بالضرورة إصلاحات الحوكمة الاقتصادية، وأن تنفيذ هذه الإصلاحات يُترك للحكومة القادمة، ناقلة عن خبراء ليبيين قولهم إن التنافس على الموارد والعائدات يعد محركاً بنيوياً للصراع.
هيمنة الدولة على الاقتصاد وتشوهات السوق وعلاقات المحسوبية
وتطرقت الدراسة إلى هيمنة مؤسسات الدولة والشركات المملوكة لها بما لا يترك مجالاً يذكر لتنمية قطاع خاص قائم على المنافسة العادلة، مشيرة إلى اعتماد الشركات الخاصة على بناء علاقات مع كيانات الدولة ومسؤوليها، وإلى توسع كيانات اقتصادية مرتبطة بالجماعات المسلحة خلال السنوات الأخيرة، مع تحذير من أن هذه العوامل تسهل توسع شبكات المحسوبية وتمكين المسؤولين من استغلال مناصبهم لتوقيع عقود تخدم مصالحهم.
“قنبلة موقوتة” للمالية العامة وتضخم الوظائف الحكومية
ونقلت الدراسة عن خبراء في الاقتصاد تحذيرهم من “قنبلة موقوتة” تهدد المالية العامة الليبية مع تراجع قيمة الدينار، مشيرة إلى أن الاعتقاد الثقافي الراسخ بأن الوظيفة الحكومية مصدر الدخل الأكثر موثوقية يمثل عائقاً رئيسياً للإصلاح، وأن القطاع العام تضخم إلى مليونين و600 ألف وظيفة، مع الإشارة إلى أن الوظائف الحكومية اليوم لا توفر بالضرورة الأمان الاجتماعي في ظل عجز كثيرين عن سحب مرتباتهم من الحسابات المصرفية.
ميثاق اقتصادي ودور دولي في المتابعة والمساءلة
واقترحت الدراسة تطوير “ميثاق اقتصادي” يتضمن رؤية استشرافية للإصلاحات الهيكلية والشروع فيها في ظل حكومة مستقبلية، مع مواصلة تطوير القدرات الفنية للمسؤولين والمؤسسات، واتخاذ تدابير إنفاذ لمكافحة الفساد ونهب الثروات، وإشراك عامة الشعب الليبي عبر دبلوماسية عامة منسقة، معتبرة أن المجتمع الدولي ينبغي أن يضطلع بدور عملي في محاسبة الحكومة الجديدة على التزاماتها، من بينها إيفاد خبراء فنيين وتبادل المعلومات حول التقدم المحرز.

