معركة الأرقام الوطنية: الصديق الصور في مواجهة تزوير الهوية داخل مصلحة الأحوال المدنية
ليبيا – في بلدٍ أنهكته سنوات الانقسام، لا تبدو معركة “الأمن” محصورة في الشوارع وحدها. فثمة جبهة أخرى أكثر هدوءًا وأشد خطورة: جبهة الهوية. هنا، حيث يتحوّل “الرقم الوطني” من مُعرِّف إداري إلى مفتاحٍ يفتح أبواب الحقوق والامتيازات، تتسع ثغرات الدولة الهشّة، وتدخلها شبكات التزوير من أوسعها.
فتح الملف بين أواخر 2025 وبدايات 2026
خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2025 وبدايات 2026، وجد النائب العام الصديق الصور نفسه في قلب هذه المواجهة، يقود مسارًا قضائيًا لكشف التلاعب ببيانات الأحوال المدنية، في وقتٍ يرى فيه ليبيون أن الدور التنفيذي الأصيل، وخاصة وزارة الداخلية التي تتبعها المصلحة مباشرة، كان ينبغي أن يكون في مقدمة خطوط التصدي. لكن الوقائع على الأرض تقول إن النيابة العامة هي التي فتحت الباب على ملف ظلّ لسنواتٍ أشبه بـ“المحرَّم”، قبل أن ينفجر دفعة واحدة.
وقائع سرت ومصراتة: أرقام تُظهر حجم التلاعب
تسلسل الإجراءات القضائية يكشف حجم ما جرى داخل مكاتب سجل مدني متفرقة. ففي سرت المركز وحدها، تحدثت التحقيقات عن تزوير قيودات عائلية ترتب عليها استخراج 598 رقمًا وطنيًا لصالح أجانب استعملوا الوثائق المزوّرة في استحصال حقوق المواطنة. وفي نطاق مصراتة (زمزم)، أشارت الإجراءات إلى قيودات مكّنت 326 شخصًا من الحصول على أرقام وطنية. وفي سرت وأبو هادي، ذُكر حصول 93 أجنبيًا و42 أجنبية على أرقام وطنية، مع تزوير أماكن ميلاد بعضهن داخل ملفات أسر الأزواج.
من “أرقام” إلى منح وجوازات ووظائف عامة
لكن القصة لا تقف عند “أرقام” تُسجَّل ثم تُنسى في دفاتر. ووفق سرد النيابة، تحولت تلك الأرقام إلى أدوات فعلية لانتزاع مكاسب الدولة: منح مخصصة للأسر الليبية، ووصول إلى “حقوق متولدة عن المواطنة”، بل وامتدت، في بعض الوقائع، إلى استخراج جوازات سفر ليبية وشغل وظائف عامة.
أوباري وهون وسوكنة: انتقال قيودات ومسار استفادة منظّم
ومن بين أكثر الوقائع دلالة ما ورد عن انتقال قيودات عائلية من أوباري إلى هون وسوكنة، في إجراء قالت النيابة إنه “هيأ حالاً” سهّل لـ 225 أجنبيًا من جمهورية مالي استصدار أرقام وطنية واستخراج جوازات سفر واستحصال منح، بل وشغل وظائف عامة لبعضهم.
واقعة 3 يناير 2026: تآمر داخل المكتب وانتهاء بالحبس
وفي 3 يناير 2026، تذكر النيابة واقعة أخرى في أوباري، تتحدث عن تآمر رب أسرة ليبية مع موظف سجل مدني لإدراج بيانات أجنبي على ورقة العائلة، بما مكّنه من استخراج أرقام وطنية له ولزوجته وأبنائه، لتنتهي القضية بحبس المنتفع ومسؤول المكتب ومدخل البيانات.
إدانة في “المعمورة” وضبط وثائق في سبها
وبينما تتواصل التحقيقات، يظهر أن المسار لم يبقَ عند حدود الضبط والتحري، إذ سُجِّلت أحكام قضائية. فقد أشير إلى إدانة موظف في مكتب السجل المدني “المعمورة” بعقوبة السجن ثلاث سنوات، في واقعة مكّنت أجنبيًا من استخراج 13 رقمًا وطنيًا. كما تعكس الوقائع أن التزوير لم يكن “بدائيًا” أو محدودًا: ففي سبها، ضُبطت، بحسب النيابة، مئات الوثائق المزورة من شهادات ميلاد وإقامة ووضع عائلي وعقود زواج وطلاق ورسائل رسمية ونماذج أسر وبطاقات هوية وطلبات انتقال بين المكاتب.
اجتماع 30 ديسمبر 2025: تدقيق 160 مكتبًا وتوسيع نطاق التحقق
وسط هذا كله، يلفت ما ورد عن اجتماع النائب العام يوم 30 ديسمبر 2025 مع أعضاء نيابة مكلفين ببحث وقائع التزوير في نطاق محاكم الاستئناف جميعها، حيث جرى استعراض إحصائية تدقيق بيانات الإقامة والانتقال والاكتتاب في 160 مكتبًا من مكاتب المصلحة، والتوسع في التحقق من شروط حصول بعض الأجانب على الجنسية، ومقتضيات رد آثار هذه الوقائع على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
أسئلة مفتوحة ومعنى الدولة
أسئلة كثيرة تفرض نفسها هنا: كيف تمددت هذه الشبكات داخل مؤسسة تُمسك بمفاتيح “الهوية”؟ وكيف تحولت ثغرات السجل إلى مسار للحصول على منح وجوازات وحقوق، في بلد يمر أصلًا بضغوط اقتصادية ومعيشية تجعل كل دعمٍ حكومي موضوعًا حساسًا؟ الأكيد أن ما كُشف حتى الآن لا يبدو مجرد “حوادث متفرقة”، بل مؤشرات على نمطٍ طويل، تتداخل فيه المصلحة العامة مع مصالح أفراد، ويستغل هشاشة الدولة وتداخل السلطات. لكن، وبغض النظر عن جدلية “التأخر”، هناك من يرى أن فتح هذا الملف، ولو في وقت متأخر، يبقى أفضل من تركه مغلقًا، لأن تزوير الرقم الوطني ليس تلاعبًا في ورقة، بل تلاعبٌ في معنى الدولة نفسه.
دعوات لإسناد المسار وتفاعل شعبي داعم
ومع اتساع تداول هذا الملف، أشاد مواطنون بدور النائب العام الصديق الصور في إطلاق مسار كشف التزوير داخل مصلحة الأحوال المدنية، واعتبروا أن فتح الملف يمثل خطوة ضرورية لحماية الهوية والمال العام، ووجّهوا رسائل دعم لمواصلة الإجراءات وملاحقة المتورطين وتقويم الآثار المترتبة على المستخرجات التي بُنيت على بيانات مزوّرة.
متابعات المرصد – خاص

