كارثة الهوية الوطنية.. تزوير الأرقام يهدد النسيج الاجتماعي والأمن القومي فهل تتحرك الدولة لتغليظ العقوبات؟

تقرير: معركة الهوية الوطنية في ليبيا.. تزوير الأرقام الوطنية يفتح أبواب الاختراق من الداخل.. والنائب العام في مواجهة شبكة العبث

ليبيا – تتوالى القضايا التي يكشف عنها مكتب النائب العام بشأن جرائم تزوير الأرقام الوطنية داخل مصلحة الأحوال المدنية، في مشهد يثير قلقًا واسعًا لدى الليبيين، بعدما ترتبت على هذه الوقائع، وفق ما يتم الإعلان عنه تباعًا، نتائج تمس جوهر الدولة ومعنى المواطنة، وتفتح الباب أمام حصول أجانب على أرقام وطنية ليبية والاستفادة من امتيازات يفترض أنها مقصورة على المواطنين، وصولًا إلى تقلد بعضهم مناصب عامة، وضبط آخرين يمارسون مهنًا حساسة بشهادات مزورة.

ومع تصاعد هذه الكشوفات، تتسع دائرة التساؤلات في الشارع الليبي حول حجم الاختراق، وحدود ما جرى تمريره عبر ثغرات السجل المدني، بينما تتجه الأنظار إلى دور مؤسسات الدولة المسؤولة عن حماية المجتمع من هذا النوع من الجرائم، في وقت يرى فيه مراقبون أن النائب العام يقود هذه المعركة شبه منفرد، وسط غياب واضح لدور وزارتي الداخلية شرقًا وغربًا.

جرائم تتجاوز التزوير إلى تهديد الأمن القومي
لم تعد القضية في نظر كثيرين مجرد “تزوير بيانات” أو “تحايل إداري”، بل تحولت إلى ملف يضرب الهوية الوطنية في عمقها، ويمس النسيج الاجتماعي والأمن القومي معًا، خصوصًا حين يصبح الرقم الوطني بوابة عبور إلى الجنسية والحقوق والوظائف والحركة والسفر، وحين يُمنح ـ عبر التلاعب ـ لمن لا يستحقه، في ظل واقع هش يضاعف من خطورة أي اختراق منظم أو متكرر.

ومن هنا بدأت أصوات متزايدة تطالب بضرورة تغليظ العقوبات على كل من يثبت تورطه، معتبرة أن العقوبات الحالية التي قد تنتهي بسنة أو سنتين في قضايا تزوير “عادية”، لا توازي جسامة الجرم المرتكب، وأن ما يحدث أقرب إلى خيانة عظمى بحق الوطن، لا مجرد مخالفة قانونية عابرة.

سوق سوداء للأرقام الوطنية.. والهوية تُباع بأبخس الأثمان
وتكشف الوقائع المتداولة أن الأمر لم يقف عند شبكات منظمة فحسب، بل امتد إلى سلوكيات صادمة داخل المجتمع ذاته، حيث بات بعض المواطنين ـ وفق شهادات ومتابعات ـ يعرضون أرقامًا وطنية للبيع، فيبيع أحدهم الرقم الوطني لابنه المتوفى، ويبيع آخر الرقم الوطني لأخيه من ذوي الإعاقة، بينما يشارك موظفون في السجل المدني والأحوال المدنية في عمليات التزوير مقابل مبالغ زهيدة.

وتتفاوت الأسعار في هذه السوق السوداء بصورة تعكس حجم الانحدار، فهناك من يبيع الرقم الوطني بعشرة آلاف دينار، وآخر بمائة وخمسين دينارًا فقط، فيما يقدم موظفون على تمرير التزوير مقابل بضعة آلاف لا تساوي شيئًا أمام ما تفتحه هذه الجريمة من أبواب الفوضى.

أين البرلمان.. وأين التشريعات الرادعة؟
ومع كل قضية جديدة يعلنها مكتب النائب العام، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: أين البرلمان؟ ولماذا لا يتحول هذا الملف إلى أولوية تشريعية عاجلة؟ ولماذا لا يتم تحديث القوانين بما يردع هذا النوع من الجرائم التي لا تهدد مؤسسة بعينها، بل تهدد الدولة نفسها؟

ويرى مواطنون ومراقبون أن تزوير الرقم الوطني ليس فعلاً يمكن احتواؤه بإجراءات إدارية أو محاضر ضبط فقط، بل يحتاج إلى تشريع صارم يرفع سقف العقوبة إلى مستويات رادعة، قد تصل إلى السجن لعشرات السنوات، أو إسقاط الجنسية عمّن يثبت تورطه، باعتبار أن ما يجري يمس الأمن القومي ويخلق اختلالًا اجتماعيًا قد يمتد أثره لأجيال.

ويحذر متابعون من النتائج الاجتماعية لهذه الجرائم، إذ يمكن ـ وفق قولهم ـ لأجنبي أن يتحصل على الجنسية بالتزوير، ويتزوج ليبية، وتقبل عائلتها به على أنه “ليبي”، ثم تُكتشف الحقيقة لاحقًا، لتتحول حياة أسرة كاملة إلى مأساة، ويصبح المجتمع أمام آثار لا تعالجها قرارات متأخرة ولا بيانات رسمية.

غضب شعبي ودعوات لتدخل عاجل
وفي خضم هذا الجدل، طالب المدون والناشط السياسي مصعب التومي، من مدينة الزاوية، عبر بث مباشر على صفحته بموقع “فيسبوك”، بتدخل عاجل من الدولة ضد المتورطين، معتبرًا أن ما يكشفه مكتب النائب العام “جرائم يندى لها الجبين”، متسائلًا كيف يمكن لليبي أن يبيع رقمه الوطني أو رقم شقيقه، وكيف يمكن لموظف ليبي أن يشارك في تزوير يمس هوية بلاده.

وذهب التومي إلى المطالبة بتشديد العقوبة إلى أقصى حد، معتبرًا أن هذا الفعل يرقى إلى مستوى الخيانة العظمى، وأن البلاد التي يدفع رجالها الدماء لحمايتها، لا يجوز أن تُخترق هويتها بأيدي أبنائها مقابل “أبخس الأثمان”.

قضية بنغازي.. حين يتحول الرقم الوطني إلى بوابة لانتحال صفة طبيب
وتصدرت هذه القضايا مواقع التواصل في ليبيا اليوم السبت 17 يناير، عقب نشر النائب العام آخر ما توصلت إليه التحقيقات، في واقعة اعتُبرت نموذجًا صادمًا لحجم الاختراق، حيث أعلن أن أجنبيًا يحمل الجنسية المصرية علم بوجود رقم وطني يعود لأحد الأشخاص ذوي الإعاقة لم يُستخدم سابقًا في استخراج وثائق، فاستغل شقيق المعاق هذه الثغرة وتآمر مع الأجنبي، مقابل عشرة آلاف دينار، لإتاحة استخدام بيانات الأحوال المدنية المرتبطة بشقيقه.

وبحسب ما ورد، مكّنت هذه العملية الأجنبي من التمتع بالرقم الوطني واستخراجه جواز سفر ليبيًا واستحصال حقوق متولدة عن المواطنة، فيما قاد التحقيق إلى إثبات واقعة أخرى بالغة الخطورة تتعلق بانتحال الأجنبي صفة طبيب باطنة باسم “خطاب العقوري”، وممارسة المهنة بشهادات مزورة داخل عدد من العيادات والمراكز، إلى أن تم ضبطه.

ووفق الإعلان، أمر المحقق بحبس المتآمرين احتياطياً، ووجه بوقف المستخرجات الإدارية المستندة إلى الرقم الوطني الخاص بالمعاق.

حين يأتي الخطر من الداخل
لم يعد الليبيون يتحدثون عن خطر محتمل، بل عن واقع يتسع كل يوم، وعن هوية وطنية تُستهدف من الداخل لا من الخارج، وعن دولة تبدو في مواجهة اختبار مصيري عنوانه: هل تُحمى المواطنة أم تُباع؟

كان المواطن يعتقد أن العدو يأتي من وراء الحدود، وأن حماية الوطن تعني صدّ التهديد الخارجي، لكن ما تكشفه هذه الوقائع يشير إلى أخطر من ذلك: خطر يتسلل من بين الصفوف، ويُفتح له الباب بأيدي ضعاف النفوس، فتتحول الأرقام الوطنية إلى سلعة، وتصبح الهوية الوطنية قابلة للبيع والشراء، ويُمنح الأجنبي مفاتيح الدولة مقابل حفنة دينار.

ويبقى السؤال الذي يتردد في الشارع الليبي اليوم: إلى متى يستمر هذا العبث؟ ومتى تتحرك الجهات المعنية لإصلاح قانون العقوبات وتحديث التشريعات لتردع هذه الجرائم قبل فوات الأوان؟ وهل يتحرك البرلمان والحكومات شرقًا وغربًا بتشريع حاسم يعيد للدولة هيبتها، أم يظل الباب مفتوحًا للفوضى واختلال الأمن لسنوات أخرى؟

متابعات المرصد – خاص

Shares