تقرير لمنظمة الهجرة الدولية: تغيّر المناخ في جنوب ليبيا يفاقم الجفاف والفيضانات ويؤثر على سبل العيش والهجرة
ليبيا – تناول تقرير تحليلي نشرته منظمة الهجرة الدولية ظواهر وتبعات تغيّر المناخ في جنوب ليبيا، بما في ذلك الجفاف المستمر والأمطار الغزيرة غير المنتظمة، وما يرافق ذلك من موجات حر شديدة وتفاقم التصحر وتأثيرات مباشرة على سبل العيش وأنماط الهجرة.
بيانات على مدى عقدين واستطلاعات للمهاجرين والمجتمعات المحلية
وأكد التقرير أنه جرى جمع بيانات استشعار عن بعد على مدى عقدين من الزمن، إلى جانب إجراء استطلاعات لآراء المهاجرين والمجتمعات المحلية، بهدف فهم العلاقة بين الضغوط البيئية والحركة السكانية في الجنوب الليبي.
ضغط بيئي يضعف الزراعة والأمن المائي وفرص الدخل
ووفقًا للتقرير، تبيّن أن الضغط البيئي يسهم في تقليل الإنتاج الزراعي وإضعاف الأمن المائي والحد من فرص الدخل للسكان والمهاجرين، مشيرًا إلى أن تقلص مساحات الرعي بسبب الجفاف، وتضرر المساكن جراء الفيضانات، وتعطيل العمل بسبب الحر الشديد، عوامل ترفع مستوى المخاطر التي تواجه السكان.
أدلة 2001–2024: جفاف طويل وفيضانات مفاجئة وحرارة تتجاوز 50 درجة
وأوضح التقرير أن أدلة الاستشعار عن بعد للفترة من 2001 إلى 2024 تكشف جفافًا مستمرًا وهطول أمطار شديد التباين بين فترات جفاف طويلة وفيضانات مفاجئة، إضافة إلى تسجيل درجات حرارة سطحية قصوى تتجاوز 50 درجة مئوية في الجنوب.
تحولات استخدام الأراضي وتوسع زراعي على حساب الغطاء النباتي
وأشار التقرير إلى وجود تغيّرات في استخدام الأراضي، تمثلت في توسع الأراضي الزراعية على حساب الغطاء النباتي الطبيعي، ما أدى إلى تفاقم التصحر وتقليل مراعي الماشية، ووضع ضغط غير مستدام على موارد المياه الجوفية الشحيحة.
استطلاع “مؤشر الحلول والتنقل”: فقدان الدخل أبرز الأثر المتكرر
وبحسب التقرير، أكدت نتائج استطلاع مؤشر الحلول والتنقل هذه المعطيات، حيث ربط المستجيبون باستمرار بين الشذوذات المناخية وتأثيراتها على سبل العيش، وفي مقدمتها فقدان الدخل بوصفه الأكثر شيوعًا، إلى جانب انخفاض الإنتاج الزراعي، وندرة مياه الشرب الآمنة، ونفوق الماشية، وفقدان التنوع البيولوجي.
صدمات مناخية تطال المهاجرين غير النظاميين وتزيد هشاشتهم
وأضاف التقرير أن المهاجرين غالبًا ما يعيشون في ظروف محفوفة بالمخاطر ومخاطر متراكمة، وأن كثيرين منهم دخلوا ليبيا بصورة غير قانونية وتأثروا بعدة صدمات مناخية، تشمل موجات حر تعطل العمل في الهواء الطلق، وفيضانات مفاجئة تلحق الضرر بالمساكن سيئة البناء، وجفافًا يقلل إمكانية الحصول على الغذاء والماء، مشيرًا إلى تقارب ما توصلت إليه بيانات الأقمار الصناعية مع إفادات المهاجرين أنفسهم.
الجفاف والأمطار غير المنتظمة والحر الشديد كمحرّكات للهجرة
ونبه التقرير إلى وجود عوامل دافعة للهجرة من الأرياف إلى المدن وعبر الحدود، من بينها انخفاض غلة المحاصيل وتراجع توافر الأعلاف وفقدان الدخل ونفوق الماشية بسبب نقص المياه والرعاية البيطرية، فضلًا عن أن الأضرار التي تلحق بالمساكن والبنية التحتية تتسبب في النزوح، بينما يسهم تلوث الآبار في تعميق انعدام الأمن المائي.
تدهور واسع للأراضي وزيادة الصراع على المياه والأرض
وأوضح التقرير أن تدهور الأراضي والتصحر اتسعا، مع تقلص مناطق الغطاء النباتي الطبيعي وفقدان التنوع البيولوجي، وتراجع الزراعة المطرية والرعي على المدى الطويل، ما أدى إلى زيادة الصراع على الوصول إلى الأراضي والمياه، وتوسع الهجرة نحو مناطق تملك فرص معيشية أفضل.
جنوب ليبيا يعتمد على المياه الجوفية وإجهاد مائي مرتفع
وبحسب التقرير، تتميز المنطقة الجنوبية ببيئة صحراوية شديدة الجفاف وموسمية قاسية واعتماد كبير على موارد المياه الجوفية من طبقة الحجر الرملي النوبي، لافتًا إلى أن ليبيا تواجه إجهادًا مائيًا وفق ملف مخاطر المناخ الصادر عن البنك الدولي، باستخدامها 817% من مواردها المائية العذبة المتجددة.
موارد متجددة محدودة وسحب سنوي مرتفع
وتابع التقرير أن إجمالي موارد المياه العذبة الداخلية المتجددة في ليبيا يبلغ 0.7 متر مكعب، في وقت يصل فيه السحب السنوي إلى 5.72 مليار متر مكعب، مضيفًا أن استهلاك 98 مترًا مكعبًا للفرد سنويًا يضع ليبيا دون عتبة الندرة المائية المحددة بـ500 متر مكعب وفق منظمة الأغذية والزراعة “فاو”.
غياب الأنهار الدائمة والاعتماد على أحواض مائية مشتركة
وأشار التقرير إلى أن ليبيا تفتقر للأنهار الدائمة، ما يجعلها تعتمد جزئيًا على الفيضانات المفاجئة التي تملأ الأودية لفترة وجيزة خلال هطول الأمطار النادر، وتعتمد كليًا على أنظمة المياه الجوفية الأحفورية غير المتجددة، ومنها طبقة الحجر الرملي النوبي المشتركة مع مصر وتشاد والسودان، إضافة إلى نظام في صحراء الشمال الغربي المشترك مع الجزائر وتونس، وحوض مرزق المشترك مع النيجر، مبينًا أن تقدير الاحتياطيات الدقيقة لهذه الطبقات غير مؤكد، ما يصعّب التنبؤ بتوافرها مستقبلًا.
اقتصاد فزان: زراعة الواحات ورعي الماشية والعمل الموسمي
وأضاف التقرير أن اقتصادات فزان المحلية تعتمد بدرجة كبيرة على زراعة التمور والحبوب والخضروات في الواحات ورعي الإبل والماعز والأغنام والعمل الموسمي أو اليدوي، بما في ذلك الإنشاءات والزراعة والتجارة الصغيرة، وأن مياه الري والشرب تُوفّر أساسًا عبر الآبار والنهر الصناعي.
ضعف الخدمات والبنية التحتية يزيد هشاشة سبل العيش
وأوضح التقرير أن هذه العوامل تجعل سبل العيش شديدة التأثر بنضوب المياه الجوفية وانهيار البنية التحتية وقيود الوصول، مع تعرض المجتمعات لتحديات إضافية مرتبطة بمحدودية الاستثمار في البنية التحتية والأسواق المتخلفة وضعف تقديم خدمات الصحة والتعليم والكهرباء، وهو ما يعزز الاعتماد على التحويلات المالية الناتجة عن الهجرة الداخلية والدولية.
الجنوب بوصفه منطقة عبور ومخاطر متزايدة على المهاجرين
وأشار التقرير إلى أن الجنوب الليبي يمثل منطقة عبور وسوق عمل هش للمهاجرين القادمين من النيجر وتشاد ومالي، وأن فرص العمل المتاحة غالبًا تكون في الزراعة أو البناء أو الخدمات المنزلية أو التجارة غير الرسمية، إلا أنها تتم في ظروف محفوفة بالمخاطر تتسم بوضع قانوني غير منتظم وأجور منخفضة ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية وآليات الحماية، مع تفاقم التوترات بفعل المنافسة على الموارد الشحيحة وخاصة المياه والوظائف.
اتساع الجفاف وزيادة الغبار وتسريع التصحر
وأكد التقرير أن أكثر من 90.8% من أراضي ليبيا تقع ضمن فئة الجفاف الشديد بأقل من 50 مليمترا من الأمطار السنوية، في حين تُصنف 7.4% فقط قاحلة و1.5% شبه قاحلة، مضيفًا أن ازدياد انتشار الغبار يقلل رطوبة التربة ويشتت ضوء الشمس ويعطل تكوين السحب وهطول الأمطار، ما يزيد من جفاف المنطقة ويسرّع دورات التصحر.
دعوات لاستثمارات في إدارة المياه والتكيف والسياسات الاجتماعية
وشدد التقرير على وجوب الاستثمار في أنظمة إدارة للمياه الجوفية توازن بين الطلب الزراعي والاستدامة، وإعطاء الأولوية لكفاءة الري وحماية النهر الصناعي، إلى جانب تشجيع المحاصيل المقاومة للجفاف والري الذكي مناخيًا وبدائل الأعلاف، ودعم المزارعين المستقرين والرعاة، والسعي لاستعادة النظام البيئي عبر إعادة تأهيل الشجر والأراضي العشبية المتدهورة.
ربط التكيف بالمناخ بالصحة والتعليم والعمل وحماية المهاجرين
وأضاف التقرير ضرورة ربط التكيف مع المناخ بسياسات الصحة والتعليم والعمل، من خلال تصميم تقويمات مدرسية تراعي أشهر ذروة الحرارة، وتوفير تدابير السلامة المهنية للعاملين في الهواء الطلق، ودمج المرونة المناخية في التخطيط الحضري، وإضفاء الطابع الرسمي على اتفاقيات العمل للمهاجرين في الزراعة والبناء لحماية دخولهم أثناء الصدمات المناخية والحد من الاستغلال بعد الجفاف أو الفيضانات.
ترجمة المرصد – خاص

