تقرير: الانخراط الأميركي في ليبيا يجب أن يركز على الاستدامة لا الاكتفاء بالاستقرار
ليبيا – أكد تقرير تحليلي نشرته منظمة “ديموكراسي إن أفريكا” التي تتخذ من بريطانيا مقرا لها أن ليبيا باتت على مفترق طرق، بما يحتم أن يركز الانخراط الأميركي المتجدد في ملفها على تحقيق الاستدامة وعدم الاكتفاء بإحلال الاستقرار، وذلك ضمن قراءة لمشهد ما بعد 2011 وما يرافقه من تحديات سياسية واقتصادية وبيئية.
مشاركة مسعد بولس ورسائل التعاون الأميركي
تناول التقرير مشاركة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، في “قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد 2026″، واعتبر أن تصريحاته بشأن استعداد واشنطن لتعميق التعاون مع ليبيا في القطاعين الاقتصادي والأمني، وبذل جهود لتوسيع إنتاج الطاقة وتعزيز العلاقات التنموية مع الشركات الأميركية، تعكس تركيزا استراتيجيا أميركيا متجددا على الإمكانات الكبيرة لقطاع الطاقة في البلاد.
هل تقتصر المقاربة على الصفقات أم تمتد إلى تنمية مستدامة
طرح التقرير تساؤلا حول ما إذا كان التدخل الدولي في الشؤون الليبية سيكتفي بإبرام صفقات جديدة ومظاهر ديبلوماسية بما يعزز مكاسب اقتصادية محدودة واستقرارا قصير الأجل، أم سيدعم تنمية مستدامة تعالج تحديات هيكلية عميقة تواجه ليبيا، معتبرا أن هذا السؤال يمثل معضلة جوهرية طبعت مسار البلاد منذ 2011.
انقسام سياسي مستمر يعرقل الحكم وتماسك السياسات
أشار التقرير إلى أن المشهد السياسي الليبي لا يزال يعاني انقسامات حادة بعد أكثر من عقد على الإطاحة بالعقيد الراحل القذافي، موضحا أن الإدارات المتنافسة والانقسامات المؤسسية وتنافس الجهات الأمنية عوامل مستمرة تعقد الحكم وتضعف تماسك السياسات، واصفا وجود حكومات متنافسة في غرب البلاد وشرقها بخط صدع رئيسي في ظل التأجيلات المتكررة للانتخابات التشريعية والرئاسية، مع استمرار الاشتباكات والاضطرابات الداخلية في طرابلس حتى عام 2025.
أولوية الإيرادات القصيرة على حساب التخطيط والإصلاح
ذكر التقرير أن هذه الظروف تنعكس على صنع القرار الاقتصادي، إذ تُمنح الأولوية كثيرا لتوليد إيرادات قصيرة الأجل، خصوصا من النفط، على حساب التخطيط طويل الأجل والإصلاح المؤسسي، ويتم ذلك عبر شراكات مع شركات عالمية أميركية وغيرها، معتبرا أن تصوير هذه الشراكات بوصفها ركائز للنمو والاستقرار له تبعات على دولة تعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط التي تشكل الجزء الأكبر من دخلها المالي.
تحذير من ترسيخ التبعية للموارد ونقل موقف للبنك الدولي
حذر التقرير من أن النموذج القائم على توسيع الشراكات النفطية قد يعزز التبعية للموارد ويتجاهل الحاجة إلى التنويع الاقتصادي وتعزيز المرونة، ناقلا عن “البنك الدولي” أن اعتماد ليبيا على عوائد المحروقات إلى جانب حالة عدم الاستقرار حد من الإنتاجية وقوض آفاق التنمية الأوسع.
ثلاثة أبعاد للتعاون المستدام تتجاوز صفقات الطاقة
قال التقرير إن التعاون المستدام يحتاج إلى ثلاثة أبعاد مترابطة تتجاوز إبرام صفقات الطاقة، تتمثل في التنويع الاقتصادي والحوكمة المؤسسية والمرونة البيئية والاجتماعية.
التنويع الاقتصادي ومعالجة الخلل الهيكلي
أوضح التقرير أن ثراء ليبيا النفطي طغى طويلا على الاستثمار في قطاعات أخرى، ما أوجد خللا هيكليا أسهم في استمرار البطالة والفقر ونقص الخدمات العامة رغم وفرة الموارد، ونقل عن “البنك الدولي” أن غياب التنويع يبقي الاقتصاد عرضة لصدمات أسعار النفط والاضطرابات المرتبطة بالنزاعات.
الحوكمة المؤسسية والشفافية والثقة العامة
أشار التقرير إلى هشاشة المؤسسات الليبية وضعف قدرتها على إدارة الإيرادات بشفافية أو تنسيق خطط التنمية طويلة الأجل، وتطرق إلى أن التشرذم السياسي والفساد في داخل قطاع النفط الوطني وغيره تسببا في تآكل ثقة الجمهور وإعاقة الإصلاح، معتبرا أن الاستدامة الحقيقية تتطلب تمكين أطر الحوكمة المحلية القادرة على الإشراف على التنمية وتنظيمها بدلا من تجاوزها.
المرونة البيئية والاجتماعية وتحديات المياه والمناخ
ذكر التقرير أن ليبيا تواجه هشاشة مناخية وندرة موارد، تشمل إجهادا مائيا وتصحرا وتدهورا بيئيا وتزايدا في الظواهر المناخية المتطرفة المرتبطة بالاحتباس الحراري، مشيرا إلى أن هذه التحديات تعمق الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، وأن مكاسب التنمية ستظل هشة دون التخطيط والاستثمار في الطاقات المتجددة وإدارة موارد المياه والتكيف مع المناخ.
ربط الاستدامة بالتحول الطاقي ومبادرات الأمم المتحدة الإنمائي
تطرق التقرير إلى تركيز مبادرات “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” على تعزيز انتقال عادل ومستدام للطاقة وربط الاستدامة البيئية بالتنويع الاقتصادي والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، معتبرا أن الاستدامة عنصر أساسي لتحقيق السلام والازدهار والرفاه البشري على المدى الطويل في المنطقة، في ظل ضرورة فصل النمو عن الوقود الأحفوري وتعزيز القدرات المؤسسية وإرساء حوكمة مستدامة.
أسئلة مطلوبة عند توسيع الأهداف وجذب الشركات الأجنبية
حذر التقرير من أن التركيز الضيق على إنتاج الطاقة وأمنها قد يعيد إنتاج نموذج قائم على الموارد كان أساسا لدورات عدم الاستقرار، ودعا لطرح أسئلة جوهرية، من بينها: هل ترتبط الاتفاقيات الدولية بمتطلبات حماية البيئة وبناء القدرات المحلية وشفافية الإيرادات، وهل تدعم أطر الاستثمار خلق فرص العمل والتنويع الاقتصادي بما يتجاوز قطاع المحروقات، وهل يمكن للشراكات أن تعزز ترابط المياه والطاقة والغذاء بما يرفع قدرة ليبيا على الصمود أمام الصدمات المناخية والتقلبات السياسية.
الاستدامة هي الفيصل بين الركود والتحول
خلص التقرير إلى أن غياب الالتزام بنهج الاستدامة، بما يشمله من تنمية متنوعة وإصلاح مؤسسي ومرونة بيئية، يعني المخاطرة بتكرار دورات عدم الاستقرار تحت مسميات مختلفة، مؤكدا أن جعل الاستدامة ركيزة للتعاون الخارجي قد يكون الفيصل بين الركود المستمر والتحول الحقيقي في ليبيا.
ترجمة المرصد – خاص

