تدهور المعيشة في ليبيا بين انهيار الدينار وارتفاع الأسعار وأزمات السيولة
ليبيا – تتصاعد مؤشرات الضيق المعيشي في ليبيا مع استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع قيمة الدينار أمام الدولار في السوق الموازية اليوم الأحد 15 فبراير إلى أكثر من 9.78 دينار مقابل الدولار، في وقت يشعر فيه المواطن بأنه تُرك وحيدًا في مواجهة نقص السيولة وغلاء المعيشة، بينما تمتد الأزمات في بعض المناطق إلى غاز الطهي ونقص وقود السيارات، ما يضاعف الضغط على الأسر مع اقتراب شهر رمضان بعد أيام.
انهيار القدرة الشرائية وتحوّل الغذاء إلى عبء يومي
لم يعد ارتفاع الأسعار مجرد موجة عابرة، بل بات مسارًا يلتهم القدرة الشرائية تدريجيًا. فأسعار السلع الأساسية ترتفع مع كل قفزة في سعر الدولار، فيما يسجل البيض بدوره زيادات ملحوظة، وتتقدم الأجبان إلى قائمة “الكماليات” بعد أن أصبحت خارج قدرة كثير من العائلات، الأمر الذي دفع مواطنين إلى استبعادها من موائدهم لتقليص النفقات.
اللحوم في دائرة الغلاء بسبب أزمة الأعلاف
وتتفاقم كلفة البروتين الحيواني في السوق، مع ارتفاع أسعار اللحوم نتيجة نقص الأعلاف، وهو عامل ينعكس مباشرة على أسعار البيع للمستهلك. ومع اتساع هذه الفجوة، يتجه كثيرون إلى بدائل أقل كلفة أو إلى تقليص الاستهلاك، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الأسرة دون السقوط في عجز شهري دائم.
بدائل أرخص على حساب الجودة والصحة
ومع اتساع موجة الغلاء، اتجه كثير من المواطنين إلى البحث عن بدائل أقل سعرًا حتى وإن كانت أدنى جودة، في محاولة لتقليص كلفة المعيشة اليومية. ويقول مراقبون إن الضغط الاقتصادي دفع بعض الأسر إلى اقتناء سلع غير صالحة للاستهلاك البشري، أو تفضيل منتجات يقترب موعد انتهاء صلاحيتها بسبب انخفاض أسعارها، في مؤشر على أن الأزمة لم تعد تقترب من جيوب الليبيين فقط، بل باتت تمس صحتهم وصحة أبنائهم بشكل مباشر.
مرتبات متأخرة وسيولة مفقودة
وبينما ينتظر المواطن تحسنًا يخفف وقع الغلاء، تتأخر مرتبات شريحة واسعة عن مواعيدها، إذ يتسلم بعض الموظفين راتبه في منتصف الشهر الذي يليه، وقد يتجاوز التأخير ذلك لدى آخرين. وعند نزول الراتب إلى الحساب، يصطدم كثيرون بعقبة جديدة تتمثل في عجزهم عن سحب مستحقاتهم بسبب نقص السيولة داخل المصارف، ما يحول الراتب إلى رقم في الحساب لا يوازي أثره في حياة الناس.
البطاقات المصرفية بديل مضطرب وبنى تحتية مهترئة
وأمام أزمة السيولة، توسع الاعتماد على البطاقات المصرفية كبديل اضطراري، لكنه بديل لا يكتمل دائمًا. فضعف البنى التحتية وتعطل الأنظمة يضع المواطن في مواقف يومية محرجة داخل الأسواق. قد يملأ البعض سلته ثم يفاجأ عند الدفع بعدم إتمام العملية بسبب خلل مصرفي، فيتحول التسوق العادي إلى تجربة قلق وتوتر، وتتحول “وسائل الدفع” إلى أزمة مضافة لا إلى حل.
عجز رسمي وتدابير بلا أثر ملموس
في مقابل هذا الواقع، تتزايد تساؤلات الناس حول غياب المعالجة الفاعلة من وزارتي المالية والاقتصاد في طرابلس، فيما لم تنجح خطوات المصرف المركزي، بحسب مراقبين، في احتواء سوق الصرف أو إصلاح الاختلالات التي تنعكس مباشرة على الأسعار. ويقول مراقبون إن جانبًا من التدابير الرسمية انتهى إلى نتائج عكسية، فزادت الارتباك بدل أن تقلصه، ورفعت العبء بدل أن تخففه.
محاولات دعم خجولة شرقًا وإعانة محدودة للمتقاعدين
وفي الشرق، تبرز خطوات وُصفت بالخجولة لدعم بعض السلع في محاولة لتخفيف آثار الأزمة عن المواطنين. وفي المقابل، تحاول حكومة الدبيبة تقديم إعانة للمتقاعدين بقيمة ألف دينار لتقليل فجوة العجز وتراجع قيمة العملة، غير أن هذه المقاربة، وفق ما يتداوله مراقبون، تظل محدودة الأثر ما لم تترافق مع سياسة واضحة لوقف التدهور الاقتصادي، إذ لا يرى كثيرون فيها أكثر من مسكن مؤقت في أزمة ممتدة.
النفط وزيادة الإنتاج بين الحاجة الاقتصادية وانعكاسها على المواطن
تتزامن هذه الأزمات مع محاولات المؤسسة الوطنية للنفط رفع الإنتاج بعدة طرق لمواجهة انخفاض أسعار النفط عالميًا. غير أن المواطن لا يلمس انعكاسًا مباشرًا لهذه المساعي على واقعه اليومي، بل يرى أن المؤشرات تتحرك غالبًا بعكس رغباته، في ظل سوء إدارة وتعدد مراكز القرار، ما يجعل مدخراته تتبخر تدريجيًا وتفقد قيمتها يومًا بعد يوم.
انسداد الأفق السياسي كعامل ضاغط على الاقتصاد
وفي خلفية المشهد، يظل الانقسام الحكومي وغياب الانتخابات عاملين يضيفان إلى حالة عدم اليقين، ويغذيان هشاشة الاقتصاد. وبين دينار يتراجع وأسعار ترتفع ومرتبات تتأخر وسيولة تغيب، يجد المواطن نفسه أمام معركة مع المعيشة لا تبدو لها نهاية قريبة، بينما يقترب رمضان محمّلًا بمتطلبات إضافية في وقت تضيق فيه الخيارات.
المرصد – متابعات

