إدريس احميد: ليبيا تحتاج مراجعة تاريخية شاملة ومصالحة داخلية لبناء دولة قانون ومؤسسات
ليبيا – أكد المحلل السياسي إدريس احميد أن ليبيا بحاجة إلى تقييم شامل للمراحل التاريخية التي مرت بها منذ الاستقلال عام 1951، وهي مرحلة كان يمكن أن تؤسس لدولة قوية ومتماسكة، مشيرًا إلى أن ليبيا كانت من الدول السباقة في المنطقة وتميزت آنذاك بنظام تعليمي واقتصادي منفتح ومؤسسات دولة واعدة، وذلك في تصريحات خاصة لوكالة “سبوتنيك”.
تحولات لاحقة وصراعات أبطأت التنمية
وأوضح احميد أن البلاد مرت لاحقًا بمراحل سياسية واجتماعية أبطأت عملية التحول والتنمية نتيجة توجهات سياسية أثرت على الداخل الليبي وأدخلت البلاد في صراعات، جعلتها في موقع خصومة مع عدد من الدول بسبب قضايا متعددة.
2011 وتداخل العوامل الداخلية والخارجية
وأضاف أن ما حدث عام 2011 جاء نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية، حيث تلاقت مصالح بعض الدول مع مطالب الليبيين الساعين للتغيير وتحسين مستوى المعيشة وتحقيق الاستقرار ومواكبة التطورات العالمية، لافتًا إلى أن الأوضاع خرجت عن السيطرة لاحقًا مع انتشار السلاح وتفكك مؤسسات الدولة.
تراكمات الأزمة وتعطيل الانتخابات وصعود النزعات الجهوية
وقال إن الأزمة الراهنة نتاج تراكمات سياسية واجتماعية داخلية، مع سيطرة أطراف على مفاصل القوة عبر السلاح أو الاقتصاد، ما أدى إلى تعطيل الاستحقاقات الانتخابية وظهور الهشاشة الاجتماعية وصعود النزعات المناطقية والقبلية والجهوية.
تدخلات دولية وإرادة خارجية ممتدة
وأشار احميد إلى أن هذه الظروف فتحت الباب أمام تدخلات دولية واسعة، معتبرًا أن ليبيا لا تزال واقعة تحت تأثير الإرادة الدولية وفي ظل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مع استمرار وجود مبعوثين دوليين يديرون المسار السياسي، مضيفًا أن بعض الأطراف المستفيدة من الوضع الراهن لا ترغب في تحقيق الاستقرار الكامل.
إعادة بناء المؤسسة العسكرية وانتقاد أداء المؤسسات السياسية
واعتبر أن من أبرز التطورات خلال السنوات الماضية إعادة بناء المؤسسة العسكرية بقيادة القيادة العامة للجيش الليبي، مبينًا أنها لعبت دورًا في تأمين الحدود وحماية مقدرات الدولة بما يمثل عامل استقرار. وفي المقابل، انتقد أداء المؤسسات السياسية، مرجعًا استمرار الأزمة إلى فشل الطبقة السياسية في الوفاء بالتزاماتها وتعطل دور البرلمان وعدم فاعلية مجلس الدولة وتعثر عمل حكومة الوحدة، معتبرًا أن “مدخلات سياسية خاطئة” أنتجت مخرجات غير قادرة على تحقيق الاستقرار.
ضعف تأثير الشارع وغياب الوعي الوطني
وأكد احميد أن غياب دور الشارع الليبي في التأثير على المشهد السياسي ساهم في تكريس الانقسام، مشددًا على أن الأزمة ليست سياسية فقط، بل ترتبط أيضًا بضعف الوعي الوطني واختزال مفهوم الوطن في أشخاص أو كيانات بدل ترسيخه كمفهوم قائم على القانون والمؤسسات والمصلحة الوطنية.
مصالحة وطنية من الداخل وبناء دولة قانون
ودعا إلى إطلاق مصالحة وطنية ليبية شاملة تنبع من الداخل بعيدًا عن التعويل على الحلول الخارجية، مشيرًا إلى أن لبعض الدول، بما فيها الولايات المتحدة، مصالح قد لا تتوافق بالضرورة مع تطلعات الليبيين. وفي الختام، رأى أن المرحلة المقبلة تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة والعمل على بناء دولة قائمة على القانون والمؤسسات لإنهاء سنوات الانقسام والأزمة.

