بيس نيوز: وقف النار خفّف القتال لكنه لم يعالج تشرذم السلطة في ليبيا

تقرير أميركي: التشرذم والاقتصاد والعدالة الانتقالية تحديات أمام بناء السلام في ليبيا

ليبيا – سلّط تقرير تحليلي نشره موقع أخبار “بيس نيوز” الأميركي الضوء على ما عبّر عنه بـ”التشرذم والحوكمة وحدود التسوية السياسية وبناء السلام في ليبيا”، مؤكداً، بحسب ما تابعت وترجمت صحيفة المرصد أهم ما ورد فيه من رؤى تحليلية، أن مسار بناء السلام لا يزال يواجه عوائق جسيمة رغم مرور 15 عاماً على الإطاحة الدموية بالعقيد الراحل القذافي.

التعددية السياسية وانهيار المركز وصراع الشرعيات
وفقاً للتقرير، فتحت الإطاحة بالقذافي فرصاً للتعددية السياسية، لكنها تزامنت مع انهيار السلطة المركزية وظهور مراكز قوى متنافسة متعددة، ما حال دون انتقال واضح لما بعد النزاع، وأدخل البلاد في أزمة طويلة الأمد اتسمت بصراع مسلح، وشرعية متنازع عليها، وتدخل خارجي.

وقف إطلاق النار 2020 والسلطة المتشرذمة
أشار التقرير إلى أن وقف إطلاق النار الشامل في أكتوبر 2020 حدّ من الأعمال العدائية واسعة النطاق، لكنه لم يعالج التشرذم الكامن في السلطة، الذي لا يزال يعيق التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة، واعتبر بناء السلام عملية طويلة الأمد.

مفهوم بناء السلام وترتيبات الحكم والاقتصاد والعدالة
ذكر التقرير أن بناء السلام يتمثل في إعادة ترسيخ الحكم الشرعي عبر ترتيبات أمنية، ومؤسسات فعالة، وإدارة اقتصادية مسؤولة، وآليات عدالة موثوقة، بما يعني أنه ليس مرحلة انتقالية مباشرة، بل مسعى طويل الأمد للتفاوض على السلطة والحوكمة والمساءلة ضمن بيئة سياسية متشرذمة.

تعثر خارطة الطريق الانتخابية 2021 وإطالة المرحلة الانتقالية
أوضح التقرير أن انهيار خارطة الطريق الانتخابية وعدم إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في عام 2021 رسّخ شرعية متنازعاً عليها، وأطال أمد الفترة الانتقالية، مبيناً أن من أبرز العقبات أمام بناء السلام عدم القدرة على إنشاء جهاز أمني موحد.

اندماج الميليشيات في الحكم المحلي والاقتصاد
بحسب التقرير، اندمجت الميليشيات المسلحة بعمق في أنظمة الحكم المحلي والاقتصاد، وغالباً ما باتت توفر الأمن والوظائف وحل النزاعات في ظل غياب مؤسسات الدولة الفعالة، مؤكداً أن هذه الفئة طورت مصالح متباينة تقاوم المركزية وتعيق جهود إصلاح القطاع الأمني.

الحوكمة المحلية وتأثير الاتفاقيات الوطنية
لفت التقرير إلى أن هذه الجماعات أصبحت جهات فاعلة سياسية راسخة، ما زاد تعقيد مبادرات بناء الدولة، مضيفاً أن الحوكمة الأمنية شديدة التمركز محلياً، وأن المجالس البلدية وقادة المجتمع المحلي والوسطاء غير الرسميين يؤدون دوراً أكبر من السلطات الوطنية في الحفاظ على النظام. واعتبر أن الترتيبات المتفاوض عليها محلياً والنهج التشاركية نجحت في بعض الحالات بالحد من العنف بصورة أكثر فعالية من الاتفاقيات السياسية الوطنية، بما يبرز محدودية تأثير الاتفاقيات الوطنية إذا لم تتفاعل مع هياكل الحكم المحلي التي تمتلك السلطة الفعلية على أرض الواقع.

أزمة الشرعية منذ 2014 وتراجع الثقة في المسارات الرسمية
قال التقرير إن شرعية المؤسسات السياسية لا تزال قضية حيوية، مع وجود حكومات متنافسة منذ عام 2014 وتأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية وترتيبات انتقالية متكررة، معتبراً أن ذلك أدى إلى تراجع ثقة الجمهور في العمليات السياسية الرسمية وتعزيز تصورات سيطرة النخب. وأضاف أن خارطة طريق منتدى الحوار المرعي أممياً في عام 2020 لم تُنفذ بشكل متسق، ما جعل التنافس السياسي يعيق الاستقرار المؤسسي.

الحوكمة الاقتصادية كعامل مؤثر في الصراع
بيّن التقرير أن الحوكمة الاقتصادية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بديناميات الصراع، بسبب الاعتماد على عائدات المحروقات وضعف آليات الرقابة، ما مكّن جهات مسلحة وسياسية من استغلال البنية التحتية الاقتصادية لتحقيق مكاسب، فيما يعيق توقف إنتاج النفط المالية العامة بشكل متكرر. وأضاف أن التحكم في الأصول المالية يتحول إلى أداة للسلطة السياسية، وأن تجاهل الحوكمة الاقتصادية في جهود بناء السلام يخاطر بمعالجة الأعراض لا الأسباب الجذرية، مؤكداً أن تحسين إدارة المالية العامة وتعزيز مؤسسات الرقابة وضمان توزيع أكثر عدلاً للعائدات عناصر أساسية لسلام مستدام.

التدخل الدولي بين الوساطة وتفاقم التشرذم
أشار التقرير إلى أن أثر التدخل الدولي كان متفاوتاً، وأن وساطة تقودها الأمم المتحدة حالت دون تصعيد واسع النطاق في لحظات حاسمة، لكنه أكد أن الدعم الخارجي للفصائل المتنافسة أسهم غالباً في تفاقم التشرذم، وأن التدخلات الأجنبية المتنافسة قوضت الوحدة الدبلوماسية وقللت من دوافع الحلول الوسط. واعتبر أن بناء السلام المستدام يتطلب الابتعاد عن الوساطة الخارجية في تقاسم السلطة، والتوجه نحو دعم عمليات شاملة بقيادة ليبية.

العدالة الانتقالية والفجوات الأمنية والمؤسسية
ذكر التقرير أن التركيز على الاستقرار قصير الأجل بدلاً من المساءلة قد يفاقم المظالم ويقوض شرعية المؤسسات المستقبلية، وأن العدالة الانتقالية ركيزة أساسية لكنها غير مكتملة، في ظل تحديات سياسية وأمنية. وأوضح أن غياب آليات عدالة موثوقة يضعف الثقة في مؤسسات الدولة ويفاقم الصراع المحلي، وأن الفجوات تتفاقم بسبب تشتت السلطة ونفوذ الجهات المسلحة على أنظمة الاحتجاز والترتيبات الأمنية المحلية، ما يقيد وصول الضحايا إلى سبل الانتصاف ويثنيهم عن الإبلاغ. وأكد أن أي نهج عملي للعدالة الانتقالية يتطلب أكثر من التزامات رمزية، عبر الجمع بين مسارات محلية قابلة للتطبيق مثل التقصي عن الحقيقة والتعويضات والتدقيق في هوية مرتكبي العنف والإصلاح المؤسسي، وآليات دولية موجهة، مع التأكيد على أن معالجة انتهاكات الماضي بمزيج وطني ودولي أمر أساسي لإعادة بناء التماسك الاجتماعي واستعادة الثقة في الحكم.

ترجمة المرصد – خاص

Shares