الولايات المتحدة – في صباح السابع والعشرين من فبراير عام 1940، خرج عالم شاب من مختبره في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، منهك الجسد، شاحب الوجه، بشعر أشعث وعينين محمرتين من قلة النوم.
كان مارتن كامين قد أمضى ثلاثة أيام ولياليها بلا توقف في إجراء تجربة يائسة في جهاز السيكلوترون، يقصف قطعة من الجرافيت بالديوترونات على أمل اكتشاف نظير جديد للكربون. لم يكن يدري أن خروجه المتعب هذا سيمنحه حكاية علمية فريدة، تمتزج فيها المثابرة المعملية بسوء الفهم البوليسي، ليصبح اكتشاف “الكربون-14” أشبه برواية مشوقة أكثر منها محاضرة أكاديمية.
غادر المختبر مرهقا يترنح من شدة التعب. لم يقطع كامين سوى خطوات قليلة حتى اعترضته شرطة بيركلي. كانت السلطات تبحث عن قاتل هارب، وقد بدت هيئة كامين المنهكة ومظهره المهلهل مشبوهة. لم ينقذه من الاعتقال سوى تأكيد شهود عيان أنه ليس الرجل المطلوب، فغادر رحال الشرطة المكان للبحث عن المجرم الحقيقي، وعاد هو إلى معمله.

هناك، فحص مع زميله سام روبن، هدف الجرافيت ليكتشفا نشاطا إشعاعيا لافتا. بعد تحاليل كيميائية دقيقة، تأكد لهما أنهما أنتجا نظيرا جديدا طويل العمر للكربون، وقدّرا عمر نصف تحلله بحوالي أربعة آلاف عام، وهي قيمة قريبة بشكل مذهل من الرقم الدقيق المعترف به اليوم وهو 5730 عاما. هكذا، وفي لحظة تاريخية، وُلد “الكربون-14” وسط مزيج من الإرهاق العلمي والصدفة البوليسية.
يمثل هذا النظير المشع للكربون أحد أعظم الأدوات التي سخرها العلم لكشف أسرار الماضي. في اللحظة التي يموت فيها كائن حي، يتوقف عن تبادل الكربون مع الغلاف الجوي، ويبدأ مخزونه من “الكربون-14” بالتحلل التدريجي بمعدل ثابت. من خلال قياس النسبة المتبقية منه في الأنسجة العضوية، يستطيع العلماء حساب الزمن المنقضي منذ الموت بدقة مذهلة. أحدثت هذه التقنية ثورة في حقول المعرفة الإنسانية، ففي علم الآثار أتاحت تأريخ المنسوجات والعظام والخشب حتى عمر خمسين أو ستين ألف عام، ما أعاد كتابة تاريخ الحضارات القديمة. في الجيولوجيا ساعدت في فهم التغيرات المناخية القديمة ورسم تطور الأنظمة البيئية عبر العصور.
أما الكيفية التي يدخل بها هذا النظير إلى أجسام الكائنات الحية، فتبدأ من أعالي الغلاف الجوي، حيث تتفاعل الأشعة الكونية مع ذرات “النيتروجين-14” محولة إياها إلى “الكربون-14” المشع. سرعان ما يتحد هذا الكربون مع الأكسجين مكونا ثاني أكسيد الكربون، الذي تمتصه النباتات في عملية التمثيل الضوئي.

من النباتات تنتقل ذرات “الكربون-14” عبر السلسلة الغذائية إلى الحيوانات والإنسان، فتستقر في الدهون والبروتينات وحتى داخل المادة الوراثية. بهذا يصبح كل كائن حي، أثناء حياته، لوحة زمنية تحمل بصمة مشعة متوازنة مع الغلاف الجوي، تحتوي على ذرة “كربون-14” واحدة مقابل كل تريليون ذرة كربون عادي. عند الموت، تبدأ هذه الساعة البيولوجية بالعمل، متحللة ببطء وانتظام، لتخبرنا بعد آلاف السنين متى توقف صاحبها عن التنفس والأكل والشرب.
لا تقتصر أهمية “الكربون-14” على تأريخ الوفاة فقط، بل تمتد لتشمل فهم الحياة ذاتها. يستخدم العلماء هذا النظير في رسم خرائط التفاعلات الكيميائية الحيوية داخل الكائنات الحية، وتتبع مسارات الأدوية في الجسم، وحتى مراقبة انبعاثات الوقود الأحفوري وتأثيرها على البيئة. كما يسهم في دراسة نشاط الشمس القديم والتقلبات في المجال المغناطيسي للأرض.
وجود “الكربون-14” في كل خلية حية يجعله أداة فريدة لتعقب العمليات الطبيعية من المستوى الجزيئي إلى المستوى الكوكبي، ما يعيد تعريف علاقتنا بالزمن والمادة والحياة. ما كانت هذه الإنجازات لتتحقق لولا ذلك الصباح البارد من فبراير، حين تعانق إرهاق عالم مع خطأ شرطي، ليهديا البشرية مفتاحاً لقراءة الزمن ذاته.
المصدر: RT

