تقرير برازيلي: دوائر زراعية عملاقة في الكفرة تكشف من الفضاء عن هندسة الري في قلب الصحراء الليبية
ليبيا – نشر موقع “كلك بتروليو غاز” البرازيلي الناطق بالإنجليزية تقريرا تناول فيه ما وصفه بعلامات مرئية من الفضاء في قلب واحدة من أكثر المناطق جفافا على وجه الأرض، مشيرا إلى ظهور دوائر زراعية عملاقة في جنوب شرق ليبيا تكشف عن نشاط بشري واسع النطاق يعتمد على المياه الجوفية في عمق الصحراء الكبرى.
دوائر عملاقة في واحة الكفرة
وأوضحت صحيفة المرصد، التي تابعت وترجمت أهم ما ورد في التقرير، أن هذه العلامات تظهر على شكل دوائر يبلغ قطر الواحدة منها نحو كيلومتر واحد في منطقة واحة الكفرة، وتكشف عن مواقع ضخمة تضخ المياه الجوفية الأحفورية المدفونة تحت الصحراء منذ آلاف السنين.
وأشار التقرير إلى أن هذه الدوائر يمكن رصدها بوضوح من الفضاء، استنادا إلى سجلات وصور نشرها مرصد الأرض التابع لوكالة “ناسا”، إلى جانب ملاحظات رواد الفضاء على متن المحطة الدولية، موضحا أن المشهد غير المألوف في الكفرة يلفت الأنظار بسبب التباين الحاد بين هذه المساحات الخضراء والامتداد الصحراوي المحيط بها.
ري محوري وهندسة زراعية عالية التقنية
وبحسب التقرير، تصف “ناسا” هذه التكوينات بأنها مناطق زراعية تروى عبر نظام الري المحوري، وهو ما يظهر بوضوح في الصور المدارية الملتقطة فوق الصحراء الكبرى.
وأضاف أن هذه الدوائر ليست ظواهر طبيعية، بل مناطق مروية ضمن نظام زراعي عالي التقنية يعتمد على استخراج المياه من خزان جوفي ضخم، في بيئة لا يمكن أن تقوم فيها الزراعة إلا بفضل الهندسة الهيدروليكية.
وأكد التقرير أن واحة الكفرة تقع فوق أحد أكبر مشاريع الري في العالم، المرتبطة بخزان الحجر الرملي النوبي، ما حول جزءا من الصحراء إلى منطقة منتجة، لتظهر الصور الملتقطة من الفضاء ما وصفه التقرير بفسيفساء اصطناعية تمثل واحدا من أبرز أمثلة الهندسة الزراعية في بيئة صحراوية قاسية.
لماذا تظهر المزارع بشكل دائري؟
وأوضح التقرير أن الشكل الدائري لهذه المناطق الزراعية يعود مباشرة إلى نظام الري المحوري، حيث يقوم جهاز دوار بتوزيع المياه بالتساوي حول نقطة ثابتة، عبر ذراع معدنية طويلة مزودة برشاشات تدور باستمرار حول محور مركزي.
وأشار إلى أن توزيع المياه يتم بشكل شعاعي، ومع اكتمال دوران الجهاز تتشكل دائرة شبه كاملة، وهو ما يجعل هذه المساحات سهلة التمييز في صور الأقمار الصناعية وحتى بالعين المجردة من الفضاء، باعتبارها نمطا هندسيا شديد الوضوح.
زراعة في منطقة بلا أنهار
وتحدث التقرير عن واحة الكفرة بوصفها منطقة شديدة العزلة، تحيط بها مساحات شاسعة من الصحراء، ولا توجد فيها أنهار دائمة أو مصادر طبيعية للمياه السطحية.
وبين أن الصورة تظهر عشرات الدوائر موزعة بشكل منظم، أقرب إلى مشروع صناعي واسع منه إلى تكوين أرضي مألوف، لافتا إلى أن هذه المساحات تستخدم في زراعة محاصيل غذائية مثل القمح والبرسيم وحبوب أخرى ضرورية للأمن الغذائي المحلي.
مياه أحفورية ونهر صناعي
وأوضح التقرير أن المياه المستخدمة في هذا النظام تأتي من خزان الحجر الرملي النوبي، الممتد عبر عدة دول في شمال إفريقيا، والذي يعد أحد أكبر الخزانات الجوفية في العالم.
وأشار إلى أن هذه المياه أحفورية، بخلاف الطبقات الجوفية التي تتغذى من الأمطار الحديثة، ما يعني أنها تراكمت منذ آلاف أو حتى ملايين السنين خلال فترات مناخية مختلفة تماما عن الظروف الحالية، وتصل إليها المزارع عبر آبار عميقة تستخدم في الري.
وأضاف أن مشروع النهر الصناعي أسهم في توسيع نطاق استغلال هذه الموارد، بوصفه أحد أكبر مشاريع الهندسة الهيدروليكية في العالم، من خلال شبكة أنابيب تحت الأرض تنقل المياه من الخزان الجوفي إلى مناطق مختلفة في ليبيا، بما أتاح توسيع الرقعة الزراعية في المناطق الصحراوية وتزويد المراكز الحضرية البعيدة عن مصادر المياه.
مشهد لافت من الفضاء ومخاوف بشأن الاستدامة
ووفقا للتقرير، فإن الجمع بين مشروع النهر الصناعي ونظام الري المحوري أتاح إنشاء حزام زراعي في قلب الصحراء الكبرى، في مشهد قال إنه يجسد تباينا صارخا داخل واحدة من أكثر البيئات جفافا على كوكب الأرض.
وأوضح أن التأثير البصري لهذه الدوائر يعود بدرجة كبيرة إلى التباين مع البيئة المحيطة، إذ إن أي غطاء نباتي في هذه المنطقة يعتمد كليا على الري الصناعي، ما يجعل هذه المساحات الخضراء المحددة بدقة بارزة بوضوح في صور الأقمار الصناعية.
وأضاف أن الألوان المختلفة التي تظهر في هذه الدوائر تعكس مراحل نمو المحاصيل الزراعية، حيث تشير الدرجات الخضراء الداكنة إلى نباتات نشطة، بينما تمثل الألوان الفاتحة مراحل الحصاد أو تجهيز التربة أو فترات الراحة، وقد تظهر في بعض الحالات درجات حمراء مرتبطة بنوع المحصول أو خصائص التربة.
ورأى التقرير أن هذا التنوع اللوني يحول المشهد إلى نمط ديناميكي، تعمل فيه كل دائرة كوحدة إنتاجية مستقلة بدورتها الزراعية الخاصة، مشيرا إلى أن “ناسا” أكدت سهولة رصد هذه الأنماط من الفضاء.
وفي المقابل، لفت التقرير إلى مخاوف متزايدة بشأن الاستدامة، موضحا أن النجاح في إنشاء هذه المناطق الزراعية لم يلغ القلق من استنزاف المياه الجوفية، نظرا إلى أن هذا الخزان لا يتجدد بصورة ملحوظة في ظل الظروف المناخية الحالية، ما يفتح نقاشا حول التوازن بين التوسع الزراعي والحفاظ على الموارد الطبيعية.
ترجمة المرصد – خاص


