تقرير لـ”إندبندنت عربية”: الموازنة الموحدة الأضخم في تاريخ ليبيا بين اختبار الاقتصاد ومخاوف اتساع الإنفاق
ليبيا – سلط تقرير اقتصادي نشره موقع “إندبندنت عربية” الضوء على ما وصفه بأضخم موازنة في تاريخ ليبيا، في وقت باتت فيه البلاد على بعد خطوات من اعتماد أول موازنة موحدة منذ عامين بقيمة تصل إلى 33 مليار دولار، عبر مجلس النواب، بعد فترة طويلة من التعطيل ألقت بآثار ثقيلة على الوضع الاقتصادي ومستوى معيشة المواطنين.
اتفاق سياسي وتمهيد لاعتماد الموازنة
وأوضح التقرير أن هذه الخطوة تأتي ضمن اتفاق رعته الولايات المتحدة ووافقت عليه غالبية الأطراف السياسية وحكومتا الدبيبة والحكومة الليبية، ناقلا عن عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي قوله إن الصيغة القانونية الأدق هي اعتماد الموازنة لا إقرارها، باعتبار أنها قدمت في يناير الماضي ونالت الموافقة، لكنها لم تفعل رسميا حتى الآن.
وأشار التقرير إلى أن محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى شدد على ضرورة اعتماد الموازنة لتمكين الصرف وفق أطر قانونية وتفعيل دور الأجهزة الرقابية في متابعة الإنفاق.
انتقاد لتصريحات المنفي
ونقل التقرير عن المحلل الاقتصادي مختار الجديد وصفه تصريحات رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الأخيرة بأنها معرقلة، معتبرا أنها تعطل الحل السياسي الوحيد الواقعي الممكن تنفيذه في الظروف الحالية للتخفيف من حدة الأزمة السياسية والاقتصادية الخانقة.
وأضاف الجديد أن هذا المسار يعكس أيضا تنافسا داخل السلطة أكثر من كونه مشروعا يعبر عن رؤية وطنية واضحة، محذرا من أن استمرار هذا النمط من الخطاب في ظل التحديات التي واجهتها البلاد خلال الأعوام الماضية يعزز تراجع الثقة العامة بمختلف الأطراف السياسية.
تحذير من تحول الموازنة إلى أداة لتقاسم الموارد
وفي السياق ذاته، عبر الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي عن موقف حذر من خطوة توحيد الهيكل الحكومي والموازنة العامة، موضحا أن توحيد الموازنة يمثل خطوة إيجابية، لكن أثرها سيظل محدودا ما لم يدعم بإطار تنفيذي صارم يضمن تحولها إلى أداة للضبط المالي لا مجرد آلية لتقاسم الموارد.
وأضاف الشحومي أن جوهر الإشكال لا يكمن في الاتفاق بحد ذاته، بل في كيفية تطبيقه، مشيرا إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن التسويات القائمة على تقاسم النفوذ قد تهدئ الصراع مؤقتا، لكنها تعزز في المقابل منطق الاقتصاد الريعي وتغذي التنافس على موارد الدولة.
وحذر من أن تتحول الموازنة الموحدة إلى أداة لتوسيع الإنفاق من دون سقف واضح، مؤكدا أنها يجب أن تكون وسيلة لترشيده وضبطه، خاصة في ظل غياب آليات رقابة فاعلة.
تساؤلات حول أثرها الحقيقي
وتوقف الشحومي عند جملة من التساؤلات المرتبطة بقدرة الاتفاق على حل الأزمة الاقتصادية أو تعميقها، منها ما إذا كان سيفرض سقفا حقيقيا للإنفاق أو سيكتفي بإعادة توزيعه، وما إذا كان سيوحد الحسابات المالية فعليا أو يضفي شرعية على مصاريف سابقة، فضلا عن مدى تأثيره على الطلب على النقد الأجنبي.
ورأى أن غياب إجابات واضحة، إلى جانب ضعف أدوات الرقابة والمحاسبة، قد يحول الاتفاق إلى مجرد إعادة تنظيم لتقاسم الفائض، بدلا من أن يكون مدخلا لإصلاح السياسة المالية.
الإنفاق العام هو الأزمة الأعمق
من جانبه، أبدى الصحفي الاقتصادي محمد الصريط مخاوفه من أن يؤدي التركيز على توحيد الموازنة، رغم أهميته، إلى إغفال المشكلة الأعمق المرتبطة بحجم الإنفاق العام نفسه.
وقال الصريط إن وجود أكثر من موازنة كان يعكس خللا واضحا في إدارة المال العام من حيث ازدواجية الصرف وغياب الرقابة، لكنه لم يكن السبب الوحيد للأزمة، موضحا أن ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية تضخما كبيرا في الإنفاق، خاصة في بندي المرتبات والدعم، من دون تحسن ملموس في الخدمات أو البنية التحتية.
وأضاف أن هذا الإنفاق المرتفع استخدم في كثير من الأحيان كأداة لاحتواء الأزمات السياسية والاقتصادية، بدلا من توجيهه نحو مشاريع تنموية مستدامة، فيما بقيت الإيرادات المعتمدة بصورة شبه كاملة على النفط عرضة لتقلبات الأسعار والإنتاج، بما يجعلها غير قادرة على مواكبة هذا المستوى من الإنفاق.
بين الإصلاح وإعادة إنتاج الأزمة
وأشار الصريط إلى أن الدولة تنفق عمليا أكثر مما تحقق من عائدات، وهو مسار يصعب استمراره، معتبرا أن الموازنة الموحدة تمثل خطوة ضرورية لكنها غير كافية، ما لم تدعم بإصلاحات أعمق تشمل إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتقليص المصاريف غير الضرورية، وإصلاح منظومة الدعم، وتعزيز الشفافية والرقابة.
وأكد أن تنويع مصادر الدخل يظل أحد التحديات الجوهرية لتقليل الاعتماد المفرط على النفط وضمان استدامة المالية العامة، مشددا على أن التحدي لا يتعلق بحجم الموازنات بقدر ما يرتبط بكيفية إدارة المال العام.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن هذه الموازنة الموحدة قد تمثل إما نقطة انطلاق نحو إصلاح حقيقي يعيد التوازن بين الإيرادات والمصروفات، أو تتحول إلى مجرد إعادة ترتيب للأزمة في صيغة جديدة، مع استمرار الضغوط على الاقتصاد ومعيشة المواطنين.
المرصد – متابعات

