المجلس الأطلسي: وفرة النفط لن تصلح اقتصاد ليبيا دون ميزانية موحدة وشفافة
ليبيا – أكد تقرير تحليلي نشره “المجلس الأطلسي” للأبحاث والدراسات، المتخذ من الولايات المتحدة مقرًا له، أن وفرة النفط في ليبيا لن تسهم في إصلاح الاقتصاد الليبي ما لم تقترن بمساءلة وشفافية ورقابة مستقلة.
عوائد نفطية وتحديات اقتصادية
التقرير الذي تابعته وترجمت أهم ما ورد فيه من رؤى تحليلية صحيفة المرصد أوضح أن ليبيا تستفيد، في ظل مساعيها لرفع حجم إنتاجها بحلول عام 2026 من مليون و400 ألف برميل إلى مليون و600 ألف برميل يوميًا، من وفرة عوائد الطاقة بعد وصول سعر خام برنت إلى نحو 100 دولار.
ووفقًا للتقرير، يعاني الشعب الليبي من ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية بعد خفض المصرف المركزي قيمة الدينار، مبينًا أن إنفاق زيادة العائدات قد يزيد هشاشة الوضع الاقتصادي، إذ سيصعب تعديل حجم الإنفاق بمجرد عودة السعر النفطي إلى وضعه الطبيعي.
اقتصاد سياسي متأثر بالتشرذم
وبحسب التقرير، لن تصلح زيادة الإيرادات الاقتصاد الليبي إذا استمرت في التدفق إلى اقتصاد سياسي لا يزال متأثرًا بما عبّر عنه بـ”الإنفاق الموازي من جانب الحكومة الليبية في الشرق”، والتشرذم المؤسسي وضعف الرقابة، في وقت لن يسهم فيه تخفيض قيمة الدينار في تحقيق أي شيء إيجابي.
وأضاف التقرير أن هذا التخفيض يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والدواء وقطع الغيار والسلع الأساسية، ويقلل من قيمة مرتبات القطاع العام التي لا تزال واحدة من القنوات الرئيسية لوصول العائدات النفطية إلى الأسر.
الميزانية والشفافية
وبيّن التقرير أن أسهل سبيل أمام قادة ليبيا في الغرب والشرق قد يكون التمسك بسقف الإنفاق في الميزانية، مع تجاهل الدعوات لضمان تضمين آليات فعالة للشفافية والرقابة والمساءلة في تنفيذ الميزانية.
وتابع أن هذا المسار قد تكون له قيمة حقيقية على المدى القريب، إذ يسهم ارتفاع قيمة الدينار في خفض التضخم، فضلًا عن إسهام تمويل مؤسسة النفط في طرابلس في رفع إنتاجها، مستدركًا بأن الالتزام بهذا الأمر على المدى البعيد سيؤدي إلى نتائج معيبة شابت صفقات سابقة بين النخب الليبية برعاية شركاء دوليين.
المسار الأصعب والأكثر استدامة
ورأى التقرير أن المسار الأصعب يتمثل في بناء المساءلة والشفافية في تنفيذ الميزانية، ووضع رقابة مستقلة لضمان تلبيتها أولويات الشعب الليبي لا أولويات نخب السياسة.
وأضاف أن هذا المسار هو الأفضل لتحقيق غاية أعلنت الولايات المتحدة دعمها علنًا، وهي تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق سلام وازدهار دائمين في ليبيا، ما يحتم على واشنطن مواصلة الضغط من أجل ميزانية موحدة تتسم بالشفافية والمساءلة والرقابة.
أولويات التحرك الأميركي
وتابع التقرير أن هذا الجهد ينبغي أن يتوجه نحو 3 أولويات، أولها الدعم الفني لإدارة المالية العامة، إذ من شأن الانخراط الاستباقي من جانب الولايات المتحدة مع الشركاء الليبيين والبنك الدولي تهيئة الظروف ونيل موافقات للمساهمة في صندوق استئماني تابع للبنك الدولي.
وأضاف أن هذا الدعم من شأنه توفير المساندة الفنية اللازمة للمؤسسات الليبية لضمان بناء البنية التحتية المالية المطلوبة لإنفاق الميزانية بشفافية ومساءلة.
دعم علني ورقابة مستقلة
وبيّن التقرير أن ثاني الأولويات يتمثل في الدعم العلني لتنفيذ الميزانية بشفافية ورقابة مستقلة، مشددًا على أن قادة ليبيا بحاجة إلى إعلان دعمهم الصريح والواضح لهذا المسار.
وشدد على وجوب قيام مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والعربية، بالتنسيق مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه والشركاء الدوليين ذوي التوجهات المماثلة، والاستفادة من علاقاته القائمة للضغط من أجل إصدار مثل هذه الإعلانات.
وأضاف التقرير أن المطلوب هو إعلان كل من رئيس الحكومة في طرابلس عبد الحميد الدبيبة، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس مجلس الدولة الاستشاري محمد تكالة، والمجلس الرئاسي، والقيادة العامة للقوات المسلحة، دعمهم الصريح والواضح لهذا التوجه.
عقوبات محددة الأهداف
وتحدث التقرير عن الأولوية الثالثة المتمثلة في الاستعداد لعقوبات محددة الأهداف، مشيرًا إلى أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع للخزانة الأميركية لم يفرض أي عقوبات على أي كيان ليبي منذ أكثر من عقد، ما يحتم على الولايات المتحدة البدء في الاستعدادات اللازمة لذلك.
وأضاف أن على واشنطن السعي لمعاقبة من يمانع تنفيذ الميزانية الموحدة أو يقاوم المساءلة والرقابة على الإنفاق العام، معتبرًا أن فرصة التغيير سانحة، إذ إن مشكلة ليبيا لا تكمن في نقص الإيرادات، بل في اقتصاد سياسي يحوّل ثروات الموارد إلى محسوبية وسلطة موازية بدل توفيرها للمنفعة العامة.
فرصة لتحديد مسار ليبيا
ورجح التقرير أن يؤدي تطبيق ميزانية موحدة دون مساءلة وشفافية ورقابة مستقلة إلى استقرار نقدي قصير الأجل، لا إلى الاستقرار طويل الأمد الذي يطالب به الليبيون.
وبيّن أن أمام الولايات المتحدة فرصة لتحديد مسار ليبيا، إذ بإمكان بولس أن يدفع قادة ليبيا إلى سلوك المسار الأصعب والأكثر استدامة.
وأضاف أن الدعم الفني لإدارة المالية العامة، والتصريحات الواضحة من القادة الليبيين، وسياسة العقوبات الفعالة، عوامل مترابطة قد تحدد ما إذا كانت الميزانية الموحدة ستصبح أساسًا لاستقرار دائم، أم مجرد ترتيبات انتهازية ستكشفها أي صدمة قادمة في أسعار النفط.
واختتم التقرير بالتأكيد أن العائدات لن تصلح الاقتصاد الليبي، لكن ميزانية موحدة مبنية على الشفافية والرقابة المستقلة والمساءلة الحقيقية أمام الليبيين قد تكون بداية لمسار إصلاحي فعلي.
ترجمة المرصد – خاص

