حسني بي: دعم المحروقات بوضعه الحالي فشل ذريع واستبداله نقديًا يوقف النزيف
ليبيا – أكد رجل الأعمال حسني بي أن ليبيا تعيش ورطة وأزمة حقيقية جراء منظومة دعم المحروقات الحالية، واصفًا ما يحدث اليوم بالفشل الذريع الذي يرتد بتكلفة باهظة لا يمكن تصورها، ومجددًا دعوته إلى استبدال هذه الآلية بتقديم دعم نقدي ملموس ومباشر للمواطن.
فاتورة استيراد ضخمة
واستدل حسني بي، في تصريحات عبر “سكايب” لبرنامج “حوارية الليلة” على قناة “ليبيا الأحرار” التي تبث من تركيا وتابعته صحيفة المرصد، على عمق الأزمة بما أعلنه رئيس المؤسسة الوطنية للنفط بشأن فاتورة الاستيراد، موضحًا أن قيمة ما تم استيراده من محروقات خلال شهر مايو فقط بلغت 1.1 مليار دولار، من دون احتساب ما يتم إنتاجه وتكريره محليًا، والذي يعادل 125 ألف برميل يوميًا، إضافة إلى الاستهلاك المحلي من الغاز البالغ مليارًا و200 مليون قدم مكعب.
واعتبر أن دمج قيمة الاستيراد المعلنة مع حجم التكرير المحلي والغاز يرفع التكلفة الفعلية إلى نحو ملياري دولار، أي ما يعادل 24 مليار دولار خلال السنة، وهو ما تتجاوز قيمته 125 مليار دينار، لافتًا إلى أنه لا يجد كلمة تصف واقع الحال، وأن أي ادعاء بأن الوضع الحالي هو الأفضل يمثل مجافاة للحقيقة، مؤكدًا أن الواقع هو الأسوأ.
تخوفات المواطنين والدعم النقدي
وأعرب حسني بي عن تفهمه الكامل لأي تخوفات يبديها الشارع الليبي بشأن مدى التزام المسؤولين بانتظام صرف الدعم النقدي البديل، وتخوف المواطنين من إمكانية توقفه بعد شهر أو شهرين مع بقاء أسعار البنزين مرتفعة، لكنه شدد في المقابل على أن المنظومة القائمة حاليًا ترفع من معدلات ما وصفه بـ”المشرعنة” التي لا يستفيد منها المواطن بأي شكل.
وأشار إلى وجود آلية رقمية وتنفيذية ناجحة وقائمة بالفعل منذ عام 2021، وهي منظومة “علاوة الزوجة والأبناء والبنات”، التي تبلغ قيمتها الإجمالية 7 مليارات دينار، وتوزع بانتظام كل 3 أشهر بمقدار 1650 دينارًا لكل أسرة ليبية، مؤكدًا أن هذه العلاوة تصل إلى مستحقيها منذ 6 سنوات.
وأوضح أنه يمكن الاعتماد على نفس هذه الآلية أو آلية مشابهة لها لتوزيع دعم المحروقات النقدي، بما يتيح رفع مخصصات الأسرة المكونة من 6 أفراد من 550 دينارًا شهريًا إلى 3550 دينارًا شهريًا، مؤكدًا أن القاعدة الشعبية هي القوة الحقيقية التي تضمن استمرارية الصرف وتفرض الدفع على المسؤولين، فكلما تأخرت أو توقفت علاوة الأسرة ارتفع صوت المواطنين للمطالبة بها، وهو ما يجبر الجهات الرسمية ويسرّع خطواتها لدفع القيمة فورًا.
خياران أمام البلاد
وبيّن حسني بي أن أمام البلاد خيارين لا ثالث لهما، إما القبول بالوضع الحالي القائم، وهو ما يعني عدم قيام قائمة للدولة، أو الاستناد إلى التجربة الناجحة المتمثلة في منظومة “علاوة الأسرة والبنات والزوجة” المستمرة في العمل منذ 6 سنوات، والتي تمنح كل أسرة ليبية 550 دينارًا شهريًا طوال هذه المدة.
وطرح رؤية لتطبيق البديل النقدي تبدأ في سنتها الأولى بتقسيم الدعم بالتساوي على جميع الليبيين، تليها مرحلة تمتد لسنتين يتم خلالها تكوين قاعدة بيانات متكاملة، عبر ربط هذه المنظومة إلكترونيًا بالسجل العقاري والسجل التجاري ومصلحة الأحوال المدنية.
وأكد أنه من حق أي شخص أن يتخوف، وليس مطلوبًا من الناس التغيير تلقائيًا بل يمكنهم البقاء على ما هم عليه، مستدركًا بأن البلاد تصرف حاليًا ما نسبته 40% من إنتاجها النفطي في منظومة الدعم السعري للمحروقات.
حتمية التغيير
وشدد حسني بي على حتمية التغيير الذي لن يتحقق إلا بخطوات فعلية، مؤكدًا أنه لا يمكن انتظار تحسن اقتصادي أو أمني أو استقرار أو حتى إجراء انتخابات في ظل وجود هذا الكم من التشوه الذي يلتهم 40% من إنتاج ليبيا وإنفاقها العام، سواء تم الاعتراف بذلك أم لا.
واعتبر أن الاستمرار بنفس المدخلات واستعمال نفس الآليات وانتظار مخرجات مختلفة يمثل “منتهى الجنون”، مضيفًا أن البلاد خاطرت سابقًا في “علاوة الأسرة والمرأة والأطفال” التي تُعطى بانتظام منذ 6 سنوات.
دعم السلع التموينية
وأفاد بأنه لم يكن هناك أي وعد بتغيير دعم السلع التموينية، لأنها مقارنة بإجمالي فاتورة الدعم لا تمثل حتى 10%، مستذكرًا أنه عندما توقف الدعم في عامي 2008 و2009 كان إجمالي الفاتورة يبلغ 10 مليارات دولار، منها 900 مليون دولار فقط للمواد الغذائية، مقابل 9 مليارات دولار للمحروقات، بما في ذلك الغاز الذي يستهلك محليًا ولا يتحدث عنه أحد، إضافة إلى النفط المكرر.
وتوجه حسني بي بالقول إنه إذا كانت هناك رغبة في الاستمرار على الوضع الحالي وأمام البلاد أربع نخب فلا توجد مشكلة، ولكن حينها يجب لوم الأنفس وليس الغير، واصفًا الاستمرار بما هو قائم بالجنون.
حقيقة تهريب الوقود
وفي سياق متصل، نفى حسني بي وجود تهريب عبر البواخر بالمعنى الشائع، موضحًا أن ما يحدث بنسبة 100% هو تنزيل الشحنة ثم إعادة شحنها، أو وضعها في سيارات نقل لتهريبها إلى تشاد والنيجر ودارفور، مؤكدًا أن خروج باخرة متجهة إلى أي ميناء ليبي ثم تغيير أوراقها في عرض البحر أمر مستحيل ولن يمر دون أن “تنقلب الدنيا”.
وأقرّ بصحة مرور عمليات تهريب الوقود عبر بعض الجهات الحكومية والمستهلكين الكبار، داعيًا إلى ضرورة الاتفاق أولًا على تحديد هوية المال العام، وما إذا كان ملكًا للشعب أم لكيان هلامي يسمى الدولة والحكومة، ومؤكدًا في الوقت ذاته أن نفقات الخزينة والمال العام هي بالأساس أموال المواطن الليبي.
أرقام الإنفاق العام
وأوضح حسني بي بلغة الأرقام حجم الإنفاق الحالي، مشيرًا إلى أنه إذا تم صرف 170 مليارًا كإجمالي نفقات فإن نصيب كل فرد ليبي يصل إلى 30 ألف دينار، مضيفًا أنه خلال السنتين الماضيتين فقط لم يكن الجميع يعلم بوجود مبالغ بهذا الحجم الكبير، وكاشفًا أن معدل الإنفاق العام السنوي منذ عام 1973 وحتى اليوم يبلغ 10 مليارات دولار كمتوسط لكل سنة.
وذكر أنه على مدار 50 سنة ماضية بلغ إجمالي هذا الإنفاق 500 مليار دولار، أي نصف تريليون، مشددًا على أن منظومة الدعم التهمت وحدها ما يعادل 40% من إنتاج ليبيا النفطي، وهو ما يصل إلى 1.2 تريليون دولار ذهب في هذا البند وحده.
المواطن هو الدولة
ورأى حسني بي أن هناك حالة من “الجهل المركّب والكبير جدًا” تتمثل في الاعتقاد بوجود كيان يسمى الدولة بمعزل عن المواطن، مشددًا على أن المواطن هو الدولة ذاتها، وأن أي خسارة تتعرض لها دولة ليبيا يدفع ثمنها المواطن مباشرة، فلا يوجد مواطن يدفع وآخر لا يدفع، بل تقع الخسارة على الجميع.
وأوضح أن دور الاقتصاديين يكمن في تشخيص المشاكل التي تسببت فيها السياسات القائمة، والبحث عن أسهل الطرق لتفاديها وتغيير الوضع نحو الأفضل، كاشفًا أن كميات الاستيراد الكبيرة للمحروقات ستتجاوز قيمتها 20 مليار دولار خلال هذه السنة.
نزيف الاحتياطيات وانهيار الدينار
وحذر حسني بي من أن البلاد تعاني من نزيف حاد في الاحتياطيات وانهيار في قيمة العملة الوطنية بسبب حجم الإنفاق العام، الذي يشكل بند المحروقات جزءًا أساسيًا منه، فضلاً عن الصراع المستمر على منابع ومسارات التهريب بحرًا وبرًا.
ولفت إلى ضرورة البحث عن وسيلة ناجعة لمعالجة هذه الإخفاقات المتراكمة، مؤكدًا أن الخطوة الأولى والأساسية تبدأ من معالجة الفقر، إذ إن تطبيق خيار البديل النقدي من شأنه أن ينتشل جميع الفقراء من واقع الفقر المتقع الذي يعيشونه.
البديل النقدي لا يعني إلغاء الدعم
وأصر حسني بي على أن المقترح المطروح لا يمثل “سياسة صدمة” للمواطن، مؤكدًا في الوقت ذاته تأييده لإحداث هذه الصدمة من أجل إيقاف التهريب فورًا، وإخراج 40% من الشعب الليبي من تحت خط الفقر “الليلة”، فضلاً عن تقليل الواردات من الخارج، مجددًا موقفه بأنه ضد إلغاء الدعم بالكلية وإنما مع استبداله بدعم نقدي.
وأوضح أن إجمالي الإنفاق على المحروقات يبلغ 17 مليار دولار، تشمل المستورد من الخارج وما يستعمل ويكرر محليًا، مشيرًا إلى أن التقارير تؤكد أن نسبة المهرب من هذه الكميات تصل إلى 40%، وهو ما يعني توفير 6 مليارات دولار فور إيقاف التهريب، الأمر الذي سيؤدي إلى تقوية الدينار الليبي وتوفير مبالغ إضافية يمكن توجيهها للإنفاق العام إذا لزم الأمر.
توزيع فاتورة المحروقات
وكشف حسني بي عن تفاصيل توزيع فاتورة المحروقات، حيث تذهب 55% منها لصالح الشركة العامة للكهرباء التي تأخذ الوقود حاليًا “بجنيه”، بينما يستهلك القطاع العام، كالشرطة والجيش والجهات العامة، نسبة 25%، ما يعني أن هناك 80% من الفاتورة جاهزة للاستبدال الفوري اليوم.
واختتم تصريحاته بالإشارة إلى عمق الأزمة الحسابية في الدولة، معتبرًا أن تخصيص مبالغ ضخمة للجيش والشرطة تصل إلى 10 مليارات دولار، بينما تُظهر القيود الحسابية اليوم أنها تأخذ مليونًا واحدًا فقط لكونها محسوبة بسعر الدعم، يمثل “الكارثة الحقيقية” التي تجعل الدولة غير قادرة حتى على تسوية وإغلاق حساباتها في الميزانية العامة.

