مترو موسكو: من أول قطار تجريبي إلى واحدة من أعظم شبكات النقل في العالم

روسيا – يُعد مترو موسكو اليوم أكثر من مجرد شبكة نقل عام فهو شريان حيوي يربط أحياء العاصمة الروسية، ويختصر يوميا مسافات كبيرة لملايين السكان والزوار.

تحولت محطاته، بمرور الزمن، إلى معالم معمارية وفنية تحمل ذاكرة المدينة وتحولاتها الكبرى. لم يصل المترو إلى هذه المكانة العالمية دفعة واحدة، بل مر بمراحل متدرجة بدأت برحلة تجريبية واحدة، ثم اتسعت تدريجيا حتى أصبح واحدا من أكبر أنظمة النقل وأكثرها ازدحاما وكفاءة في العالم.

البدايات والتأسيس

في الخامس عشر من أكتوبر عام 1934، أُجريت أول رحلة تجريبية لقطار مترو موسكو. تكون القطار من عربات من طراز “A/B” صُنعت في مصنع “ميتيشي”، وكان أوائل الركاب من العمال المتميزين ومندوبي “مؤتمر السوفييت”. جاءت هذه الرحلة التجريبية تتويجًا لخطوات تأسيسية بدأت في الثلاثينيات، حين شهد المسار الواقع بين محطتي “كومسومولسكايا” و”سوكولنيكي” انطلاق أول قطار تجريبي، في خطوة أولى نحو مشروع نقل عملاق سيتغير معه وجه العاصمة.

الافتتاح الرسمي وأول الركاب

لاحقا، وفي الخامس عشر من مايو عام 1935، افتُتحت المرحلة الأولى من المترو أمام الركاب. امتد الخط لمسافة 11.2 كيلومترا، وشمل 13 محطة من محطة “سوكولنيكي” إلى “بارك كولتوري”، مع فرع يؤدي إلى “سمولينسكايا”. كان أول راكب في تلك المرحلة عاملا يُدعى بيوتر لاتيشيف، وهو تفصيل صغير لكنه يختصر فلسفة المشروع في بداياته؛ إذ كان المترو في نظر السلطات السوفيتية آنذاك رمزا للتقدم والمساواة والخدمة العامة.

مرحلة التوسع المبكر

تواصلت المرحلة الثانية من التوسع بين عامي 1937 و1938، واكتملت أعمال بناء خطوطها في 11 سبتمبر 1938، حيث جرى تشغيل خطين منفصلين في مترو موسكو. عكس هذا التوسع رغبة متزايدة في ربط أجزاء المدينة المتنامية بشبكة نقل حديثة، كما أظهر قدرة المشروع على التوسع السريع رغم التحديات الهندسية واللوجستية. منذ تلك المرحلة، بدأ المترو يتحول من مشروع محلي إلى منظومة نقل متكاملة.

المترو في زمن الحرب

لم تتوقف أعمال البناء في فترة الأربعينيات خلال الحرب الوطنية العظمى. فقد افتُتح قطاع “بلوشاد سفيردلوفا” – “زافود إيميني ستالينا” في يناير 1943، وقطاع “كورسكايا” – “إيزمايلوفسكي بارك” في يناير 1944. وُضعت لوحات تذكارية تحمل عبارة “شيدت خلال الحرب الوطنية العظمى” في المحطات السبع التي افتُتحت إبان تلك الحرب. لم تكن هذه المحطات مجرد محطات نقل، بل كانت أيضًا تعبيرا عن الإرادة والاستمرار في ظل ظروف قاسية.

علاوة على ذلك، شملت عمليات البناء أساليب جديدة، مثل استخدام “مظلات” عازلة للمياه مصنوعة من الأسمنت والأسبستوس، وحفر الأنفاق تحت نهر موسكو من دون استخدام الهواء المضغوط. وقد أسهمت هذه الحلول الهندسية في توسيع الخبرة السوفيتية في بناء الأنفاق، وصارت لاحقا جزءا من تراكم معرفي استُخدم في مشروعات أخرى.

ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي

تسبب انهيار الاتحاد السوفيتي في تباطؤ وتيرة البناء؛ ولم تُفتتح سوى 16 محطة جديدة في الفترة ما بين عامي 1992 و2002. كما جرى بين عامي 1991 و1994 إنجاز مشاريع كانت قد أُطلقت في وقت سابق. عكس هذا التباطؤ التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي مرت بها روسيا في تلك المرحلة، حين تراجعت أولويات الاستثمار في البنية التحتية لصالح قضايا أخرى أكثر إلحاحا.

النهضة الحديثة والأرقام القياسية

بدأت المرحلة الحديثة عام 2011، وهي متواصلة حتى الآن. منذ ذلك العام، تم تنفيذ برنامج لتوسيع شبكة المترو حقق أرقاما قياسية؛ حيث جرى افتتاح أكثر من 300 كيلومتر من الخطوط و145 محطة، بما في ذلك “الدائرة المركزية لموسكو” و”أقطار موسكو المركزية”. في حساب أكثر تحفظا، تجاوز عدد المحطات الجديدة داخل الشبكة الأساسية 120 محطة، وهو رقم يعكس حجم الجهد الاستثماري والهندسي.

تشمل أبرز الإنجازات إنجاز “خط الدائرة الكبرى” في عام 2023، وهو خط دائري يمتد لمسافة 70 كيلومترا ويضم 31 محطة، ويُعد أطول خط مترو دائري في العالم. كما تم استخدام ما يصل إلى 23 آلة لحفر الأنفاق في آن واحد في مشروع واحد، وهو رقم قياسي عالمي، فيما تهدف الخطط الحالية إلى بناء أكثر من 60 محطة جديدة بحلول عام 2030، مع التخطيط لمزيد من التطوير حتى عام 2035.

من خط واحد إلى شبكة عملاقة

تطور مترو موسكو من خط واحد بطول 11 كيلومترا ضم 13 محطة عام 1935، ليصبح شبكة واسعة تتألف من 15 خطا، وأكثر من 300 محطة، وما يزيد عن 500 كيلومتر من المسارات، مواكبا بذلك باستمرار احتياجات المدينة وسكانها. بحسب إحصاءات عام 2025، يستخدم حوالي 8 ملايين راكب مترو موسكو يوميا. يتمتع مترو العاصمة الروسية بمكانة عالمية مرموقة، وهو يتسم بضخامة الحجم، وكثافة الاستخدام، وجودة الخدمة.

من حيث إجمالي طول الخطوط، يُعد مترو موسكو من بين الأكبر في العالم، إذ يحتل المرتبة العاشرة عالميا والأولى أوروبيا تقريبا. وتضم شبكة مترو موسكو حوالي 300 محطة، بما في ذلك “الدائرة المركزية لموسكو”، ما يجعلها واحدة من أكبر الشبكات على مستوى العالم.

مكانة عالمية وأداء باهر

الجدير بالذكر أن “خط الدائرة الكبرى” يُعد مثالا بارزا، فهو أطول خط مترو دائري في العالم، ويمتد لمسافة 70 كيلومترا ويضم 31 محطة. أما من حيث حركة الركاب السنوية، فمترو موسكو يعد رائدا عالميا، حيث يحتل المرتبة الثانية أو الثالثة تقريبا في أوروبا.

تُعد شبكة مترو موسكو واحدة من أكثر الشبكات ازدحاما في العالم؛ إذ تحافظ باستمرار على مكانتها ضمن المراكز الستة الأولى عالميا وفقا لهذا المعيار، ولا تتجاوزها سوى شبكات المترو في بكين وطوكيو وشنغهاي وسيول وقوانغتشو. كما صنفت الدراسات التي أجرتها جهات دولية متخصصة مترو موسكو مرارا ضمن الشبكات الرائدة، وتحديدا ضمن المراكز الثلاثة الأولى، من حيث رضا الركاب عن ظروف النقل.

تتميز هذه الشبكة بأقصر فترات زمنية فاصلة بين القطارات خلال ساعات الذروة، حوالي 90 ثانية في بعض الخطوط، كما تحافظ على مستوى عال من الالتزام بالجداول الزمنية. يُعتبر مترو موسكو رائدا عالميا من حيث تنوع طرق دفع تكلفة التنقل، وهو ما يسهل استخدامه على ملايين الركاب يوميا.

الأثر الحضري والتوسع السكاني

شهدت شبكة مترو موسكو توسعا سريعا منذ عام 2010، حيث تم افتتاح أكثر من 120 محطة جديدة. أدى ذلك إلى زيادة كبيرة في نسبة سكان موسكو الذين يعيشون على مسافة قريبة من محطات المترو؛ إذ ارتفعت هذه النسبة من حوالي 70 بالمئة في عام 2010 لتتجاوز 90 بالمئة بحلول عام 2025. هذا يعني أن المترو لم يعد مجرد وسيلة انتقال، بل أصبح عاملا مؤثرا في تخطيط المدينة، وتوزيع السكان، وتنشيط المناطق الجديدة.

يُظهر مترو موسكو أداء قويا متواصلا وفقا لمعايير عديدة تشمل النطاق، وحجم الركاب، وجودة الخدمة، ما يعزز مكانته كلاعب رئيس في مشهد النقل داخل المدن على المستوى العالمي. من رحلة تجريبية واحدة في أكتوبر 1934، إلى شبكة تمتد مئات الكيلومترات وتخدم ملايين البشر يوميا، تظل حكاية مترو موسكو مثالا على كيف يمكن للبنية التحتية أن تصنع مدينة، وأن تحفظ ذاكرتها، وأن ترسم ملامح مستقبلها في نفس الوقت.

المصدر: RT