روبوت «ليبيا ديفيوزر» يثبت جدواه الأولية في الزاوية
نتائج تجريبية بقدرة تحكم لاسلكي تصل إلى 600 متر
ليبيا – تناول تقرير نشره موقع «بايو إنجنيرنغ» البريطاني اختبار نموذج أولي لمركبة روبوتية أرضية منخفضة التكلفة يمكن التحكم فيها عن بعد، صُممت للمساعدة في فحص الألغام في ليبيا، مؤكدًا أن التجارب أظهرت إمكانية تشغيلها تقنيًا، لكنها لا تثبت جاهزيتها لمواقع الألغام الحقيقية.
وأوضح التقرير، الذي تابعته وترجمته صحيفة المرصد، أن مركبة الروبوت خضعت لتجارب ميدانية في مدينة الزاوية، بتكلفة مواد تصنيع تقل عن ألف دولار، وتمكنت من استقبال أوامر التحكم اللاسلكي حتى مسافة 600 متر والملاحة نحو نقاط محددة بهامش خطأ لا يتجاوز مترين.
وسجل النموذج نجاحًا بنسبة 95% في التقاط أجسام خفيفة الوزن ونقلها إلى مواقع أخرى، وفق التصميم الموصوف في ورقة بحثية منشورة ومتاحة للجمهور بالدورية العلمية الأميركية «ديسكوفر فيكلز».
وصنع النموذج فريق جامعي صغير باستخدام مكونات تجارية متاحة محليًا، وأُجريت التجارب في موقع واحد على أرض مستوية ذات تربة متماسكة. وشدد المطورون على أن النتائج تبرهن على جدوى النموذج الأولي فقط، ولا تجيز تشغيله في مواقع حقيقية محفوفة بالمخاطر.
خلفية المشروع وحدود المنصات منخفضة التكلفة
وبحسب التقرير، يحذر الباحثون من الاعتماد على هذه التجارب وحدها لاستخدام المركبة في مناطق تحوي ألغامًا أو ذخائر غير منفجرة، في وقت تستمر فيه مخلفات النزاعات المسلحة في تهديد المناطق المتضررة حتى بعد توقف القتال.
وأشار إلى أن الحروب المتعاقبة في ليبيا منذ عام 2011 أسهمت في تلوث مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والطرق والأحياء السكنية بالألغام والذخائر غير المنفجرة، بما يعرض العاملين في الإزالة اليدوية لمخاطر جسيمة ويجعل وتيرة عملهم بطيئة مقارنة بحجم التلوث.
وتحظى المركبات الروبوتية الأرضية بالاهتمام بوصفها أدوات مساندة تسمح بالاقتراب من الأجسام المشبوهة مع إبقاء المشغل بعيدًا عنها، بما قد يقلل الإصابات. إلا أن المنصات المتخصصة غالبًا ما تستخدم مستشعرات باهظة التكلفة تفوق إمكانات كثير من الدول المتضررة، بينما تفتقر المنصات البسيطة إلى قدرات المناولة والملاحة والوعي بالبيئة المحيطة اللازمة للدعم الكامل.
ستة أنظمة مدمجة في مركبة واحدة
وبيّن التقرير أن مساهمة الفريق الليبي ذات طبيعة هندسية تتعلق بتكامل الأنظمة، وليست تطوير خوارزميات جديدة؛ فالمتحكمات الدقيقة وتحديد المواقع والبوصلة والاتصال اللاسلكي والبث المرئي المباشر وكاشف المعادن المعتمد على مذبذب والمحركات المؤازرة كلها تقنيات معروفة وموثقة.
ويرى الباحثون أن ما لم يُوثق بما يكفي هو سلوك هذه المكونات عند دمجها في منصة متحركة واحدة عالية التيار الكهربائي، وما قد ينشأ عنها من أعطال مترابطة، بينما تركز دراسات المركبات الأرضية غير المأهولة منخفضة التكلفة غالبًا على نظامين أو ثلاثة أنظمة فرعية في بيئات داخلية آمنة، دون توثيق كافٍ للأعطال وأسبابها والتعديلات التي تعالجها.
وتضم مركبة «ليبيا ديفيوزر» ستة أنظمة فرعية: قاعدة متحركة بأربع عجلات وتوجيه انزلاقي، ومعالجة موزعة باستخدام وحدتي تحكم دقيقتين، ونظام ملاحة واستشعار، وذراع آلية بخمس درجات حرية، واتصالات ثنائية القنوات، ووحدة مائية لإخماد الحرائق.
ويبلغ حجم الهيكل المصنوع من الألومنيوم نحو 150 × 50 × 50 سنتيمترًا، فيما يصل وزن المركبة المجهزة إلى 30 كيلوغرامًا، بما يشمل ثلاث بطاريات رصاص حمضية محكمة الإغلاق، سعة كل منها 12 فولت و7 أمبير-ساعة، وبإجمالي طاقة مخزنة قدره 252 واط-ساعة.
وتعمل كل عجلة بمحرك تروس مخصص بجهد 12 فولت عبر وحدة تحكم جسرية مزودة بحماية متعددة الطبقات من التوصيلات الخاطئة والتوقف المستمر والدوائر القصيرة. وتقسم لوحتا «ميغا 2560» مهام المعالجة بين المركبة ومحطة المشغل، واختيرتا لقنوات تعديل عرض النبضة والمداخل التناظرية والمنافذ التسلسلية التي توفرانها، بسعر 90 دينارًا للوحة الواحدة، من دون الحاجة إلى إدارة نظام تشغيل ميدانيًا.
أوضاع التحكم والملاحة واختبارات الاتصال
ويعمل التحكم عبر ثلاثة أوضاع؛ أولها جهاز تحكم محمول يرسل حزم أوامر بحجم 32 بايت وبمعدل 10 هرتز عبر وصلة ترددها 2.4 غيغاهرتز مع إعادة إرسال تلقائي، وثانيها اتصال بلوتوث مرتبط بتطبيق مخصص لأجهزة أندرويد لاختبارات الأداء والتدريب قصير المدى.
أما الوضع الثالث فيعتمد على نقاط مسار مراقبة عبر نظام تحديد المواقع «جي بي أس»، يمكن للمشغل تحميل خمس نقاط كحد أقصى لتتوجه إليها المركبة، باستخدام حساب اتجاه «هافرسين» ومقارنته باتجاه مقياس المغناطيسية. ولم يقس الباحثون زمن استجابة الأوامر في هذه التجارب.
وتُحدّث تصحيحات الاتجاه فقط وفق معدل تثبيت نظام تحديد المواقع البالغ هرتزًا واحدًا، وهو ما عدّه الباحثون مصدرًا رئيسيًا للتداخل بين نقاط المسار. كما سُجلت انحرافات ناتجة عن الحديد الصلب خلال معايرة البوصلة، التي أُجريت قبل كل جلسة ميدانية مع تدوير الروبوت دورة كاملة، لأن تيارات المحركات قد تسبب أخطاء اتجاه تبلغ 20 درجة أو تزيد.
وأُجريت الاختبارات الميدانية في موقع مدرسة «زينب الطيب» مع تقييم الأنظمة الفرعية كل على حدة، فبلغ فقد الحزم اللاسلكية أقل من 1% على مسافة 100 متر، وأقل من 2% عند 300 متر، ونحو 5% عند 600 متر.
وأصبح التحكم متقطعًا بعد تجاوز 650 مترًا، وتعذر تمامًا عند 700 متر، لذا اعتُمدت مسافة 600 متر حدًا أقصى للنطاق القابل للاستخدام. وفي المقابل، قدمت كاميرا البث المباشر بقدرة 600 ميلي واط صورة واضحة حتى 700 متر مع وجود خط رؤية مباشر، ما يسمح باستمرار المشاهدة حتى عند تجاوز نطاق التحكم.
ونجحت المركبة في اتباع مسار من ثلاث نقاط توجيه على أرض مسطحة، وحققت هامش القبول المحدد بمترين في كل محاولة، لكنها تفتقر بالكامل إلى إدراك العوائق، وهي ثغرة قد لا تظهر على أرض مفتوحة مستوية، لكنها قد تؤدي إلى توقفها فور مواجهة الأنقاض.
الذراع الآلية وموثوقية التقاط الأجسام
وتستخدم ذراع المناولة ستة محركات مؤازرة، وقد تمكنت بعد تدريب قصير للمشغل من التقاط أجسام تتراوح أوزانها بين 100 و150 غرامًا ونقلها إلى ارتفاع يقارب 15 سنتيمترًا، بالاعتماد على التوجيه المرئي، ونجحت في 19 محاولة من أصل 20، أي بنسبة 95%.
غير أن الباحثين حذروا من تعميم معدل النجاح؛ إذ إن العينة المكونة من 20 محاولة فقط أعطت فاصل ثقة «ويلسون» بنسبة 95% يتراوح بين 76.4% و99.1%، ما يعني أن معدل النجاح الفعلي قد ينخفض إلى نحو 75%، أي قرابة ثلاث محاولات ناجحة من كل أربع.
وسُجل إخفاق وحيد بسبب انزلاق الجسم أثناء دوران معصم الذراع، في مشكلة مرتبطة بسطح القابض لا بنظام التحكم. وأكد المطورون أن نجاح التقاط الأجسام الخفيفة لا يثبت موثوقية تشغيلية، وأن الذراع غير قادرة على رفع الذخائر أو تدويرها أو تحريكها أو إزاحتها، ولم يدعوا امتلاكها لهذه القدرة.
وتقتصر مهام الذراع على إزالة الحطام الخفيف الحاجب للرؤية، وتعديل وضع الكاميرا أو رأس الكاشف، أو استعادة أجسام صغيرة غير خطرة.
مستشعر المعادن وحدود كشف الألغام
وصمم الباحثون كاشفًا للمعادن يعتمد على مذبذب من نوع «كولبيتس»، ويحتوي على ملف من 50 لفة حول قالب قطره 40 مليمترًا. وأظهر مؤشرات ثابتة عند وجود أهداف مصنوعة من الفولاذ أو النحاس أو الألومنيوم على مسافة رأسية تتراوح من 10 إلى 15 سنتيمترًا، دون تسجيل إنذارات كاذبة خلال 30 دقيقة من المسح المتواصل.
ومع ذلك، أكد الفريق أن هذا الاختبار لا يسمح بتقدير احتمال الكشف أو معدل النتائج السلبية الكاذبة، كما لم تُوصف الخصائص المعدنية للتربة ولم تُجر مقارنة مع كواشف تجارية.
ولذلك يصنف الجهاز أداة لاستشعار الأجسام المعدنية على مسافة قصيرة لا كاشفًا للألغام؛ إذ لا يستطيع قياس العمق أو تحديد طبيعة المادة أو التمييز بين الذخائر وبقايا المعارك، وهو تمييز يظل تحديًا رئيسيًا في عمليات إزالة الألغام الحقيقية.
وحدة الإطفاء واكتشاف مشكلات تكامل الأنظمة
وتبلغ سعة وحدة إخماد الحرائق ثلاثة لترات، ويصل مداها إلى مترين تقريبًا. ونجحت في إطفاء حرائق تجريبية صغيرة ومسيطر عليها لوقود صلب خلال ثلاث إلى خمس ثوانٍ، دون اختبار فعاليتها في حرائق الغطاء النباتي أو الوقود السائل أو سيناريوهات الاشتعال الثانوي.
واعتبر التقرير أن من أهم النتائج العملية اكتشاف أعطال ناتجة عن تفاعل الأنظمة الفرعية رغم سلامة مواصفات كل مكون بمفرده؛ فقد أحدث الجهد العكسي للمحرك تشويشًا على حركة البيانات عبر مصدر طاقة مشترك، وعولج ذلك بإعادة توزيع التوصيلات وفصل مسارات المؤازرة والمنطق عن مسار المحركات باستخدام محولات مستقلة لخفض الجهد.
كما تسبب وضع مقياس المغناطيسية قرب محركات الدفع الأمامية بانحياز حديدي شديد جعل قراءات الاتجاه غير قابلة للاستخدام، إلى أن نُقل المستشعر إلى الجزء الخلفي من الهيكل. وأظهرت وحدات الاتصال «أن آر أف 24 أيل 01» حساسية لتموجات مصدر الطاقة، ما استدعى إضافة مكثفات فصل سعتها 10 ميكروفاراد.
واستنتج الباحثون أن موثوقية هذا النوع من المركبات تتوقف بالدرجة الأولى على كيفية توزيع مسارات الطاقة وموضع المستشعرات الفيزيائي، أكثر من اعتمادها على تحسين خوارزمية التحكم.
التكلفة والقيود التي تمنع الاستخدام الفعلي
وبلغت تكلفة النموذج الأولي 4 آلاف و48 دينارًا، بما يعادل قرابة 830 دولارًا، فيما قدرت تكلفة تكرار تصنيعه بثلاثة آلاف و620 دينارًا، أو نحو 742 دولارًا، دون احتساب العمالة والصيانة.
وأشار التقرير إلى أن جميع التجارب أُجريت في موقع واحد وضمن ظروف واحدة، وأن معظم النتائج مستمدة من جلسات فردية دون تقديرات كافية لعدم اليقين أو اختبارات موثوقية وتحمل، مع عدم قياس استهلاك التيار، ما يحول دون احتساب مدة تشغيل اعتمادًا على سعة الطاقة البالغة 252 واط-ساعة.
ولفت إلى أن قناة الاتصال لم تكن مشفرة أو موثقة، ولم توضع دراسة لسلامة التشغيل أو تحليل لأنماط الفشل، فضلًا عن افتقار المنصة إلى إدراك العوائق وتصنيف التهديدات ودقة تحديد المواقع المطلوبة لمعايير الإبلاغ عن عمليات إزالة الألغام.
وخلص التقرير إلى أن التجربة، رغم هذه القيود، تقدم بيانات عن التكلفة والقدرات ودروسًا هندسية مهمة لتكامل الروبوتات الميدانية في بيئات محدودة الموارد، لكنها تضع «ليبيا ديفيوزر» في موقع الأداة المساندة لمشغل مدرب يبقى تقديره حاسمًا، لا في موقع نظام جاهز لإزالة الألغام بمجرد إجراء تحسينات تدريجية.
ترجمة المرصد – خاص

