معهد أميركي: ليبيا قد تستعيد جاذبيتها الاستثمارية جزئياً بخطوات قصيرة الأجل رغم الانقسام ومخاطر عدم اليقين
ليبيا – سلط تقرير تحليلي نشره “معهد الشرق الأوسط” للأبحاث والدراسات المتخذ من الولايات المتحدة مقراً له الضوء على إمكانية إعادة جعل ليبيا وجهة استثمارية، مشيراً إلى أنها بلد غني بالموارد وينتج نفطاً عالي الجودة خفيفاً وحلواً، ويمكنها إنتاج أكثر بكثير مما تنتجه حالياً عبر الاستثمار، بحسب ما قالت صحيفة المرصد التي تابعت وترجمت أهم ما ورد فيه من رؤى تحليلية.
صعوبة تحويل الإمكانات إلى إنتاج ناجح رغم اهتمام الشركات
ووفقاً للتقرير، تتمثل إحدى الحقائق البارزة بعد 2011 في صعوبة تحويل الإمكانات الجيولوجية الليبية إلى إنتاج ناجح للطاقة حتى بمشاركة أكثر شركات النفط العالمية التزاماً، دون أن يمنع ذلك تجدد الاهتمام الأجنبي والإقبال على المشاركة في أول جولة عروض استكشافية في ليبيا منذ أكثر من 17 عاماً.
الانقسام السياسي وتأثيره على المال والأمن والإيرادات
وبيّن التقرير أن التشرذم السياسي لا يزال قائماً من دون حل، مع سيطرة مراكز سلطة متنافسة مؤلفة من حكومتين ومؤسسات موحدة رسمياً لكنها مقيدة بالتدخل السياسي، ما يجعل الانقسامات المستمرة مؤثرة على السلوك المالي والديناميات الأمنية والسيطرة على الإيرادات.
قيود تشغيل مؤسسة النفط ومشكلة “سياسية” لا فنية
وأشار التقرير إلى أن قدرة مؤسسة النفط في طرابلس على العمل كطرف مقابل موثوق تتطلب ميزانيات وتدفقات نقدية وحماية مؤسسية، وهي عوامل غير متوفرة حالياً، معتبراً أن الأمر لا يعكس مشكلة فنية بقدر ما هو نتيجة قرارات سياسية اتخذتها سلطات متنافسة للحفاظ على نفوذها على المؤسسة الرئيسية المدرة للدخل.
متأخرات وصيانة مؤجلة واضطرابات متكررة
وبحسب التقرير، كانت المتأخرات المتراكمة من أبرز مؤشرات تأجيل الصيانة وتراجع شركات الخدمات وانخفاض الإنتاج، مؤكداً أن الدرس للمستثمرين ليس فقط إمكانية التعافي، بل أن القطاع لا يزال عرضة للتأثر بقرارات سياسية وعسكرية لا علاقة لها بالأداء التجاري. وأضاف أن الاضطرابات ليست عابرة، إذ عرقلت جماعات مسلحة ومجتمعات محلية وفصائل سياسية وجهات مؤسسية الحقول وخطوط الأنابيب ومحطات التصدير وواردات الوقود أو التوزيع المحلي لانتزاع تنازلات أو إعادة التفاوض على المصالح.
الغاز والبنية التحتية والاقتصاد: عناصر حاسمة للاستثمار
وأكد التقرير أن استمرار إنتاج الغاز يتطلب صيانة مستمرة وطاقة موثوقة وتمويلاً مستداماً، مشدداً على أهمية استثمار السلطات في البنية التحتية كالكهرباء والمياه والنقل والخدمات العامة، لأن تركها بلا معالجة سيؤثر على نتائج الشركات الأجنبية العاملة في هذا المجال.
التدخل الخارجي لا يقلل المخاطر دون إصلاح داخلي
وأشار التقرير إلى أن التدخل السياسي الخارجي من جانب حكومات أجنبية أو الأمم المتحدة لا يمكنه تقليل مخاطر الاستثمار في ظل غياب الإصلاح المؤسسي الداخلي، معتبرًا أن العملية السياسية الميسرة أممياً ما تزال متعثرة بسبب نزاعات عالقة بين المؤسسات، ولا توجد مؤشرات على نتائج ملموسة قريباً، كما أن دور البعثة الأممية ظل تيسيرياً محدوداً بعيداً عن إدارة السياسة المالية أو تنفيذ الميزانية أو إدارة سعر الصرف والانضباط في المدفوعات.
عوامل تقوض التمويل.. و”الإشارات السياسية” قد ترفع التوقعات
وتحدث التقرير عن عوامل تجعل المشاريع صعبة التمويل، بينها المؤسسات الضعيفة، والميزانيات التشغيلية غير المستقرة، والمدفوعات الاختيارية، والفساد المتجذر، والبنية التحتية المتدهورة، والأمن المشروط، مرجحاً أن الدعم السياسي لا يغير سلوك الاستثمار إلا إذا قبلت دولة راعية تحمل المخاطر كضمانة تجارية.
خمس خطوات قصيرة الأجل لتقليل عدم اليقين
ورجح التقرير أن خمس خطوات قصيرة الأجل يمكن أن تحسن جاذبية ليبيا للاستثمار بشكل طفيف عبر تقليل عدم اليقين، وأبرزها اعتماد ميزانية تشغيلية موثوقة لمؤسسة النفط في طرابلس، مع خطة شفافة ومحددة زمنياً لتسوية متأخرات شركات الخدمات. واعتبر أن ميزانية منتظمة تقلل توقف الخدمات وخسائر الإنتاج، وأن جوهر المشكلة للمستثمرين ليس حجم الديون بقدر القدرة على التنبؤ بالتزامات الدفع والوفاء بها.
وأشار إلى أن آليات دفع متوقعة للمتعاقدين الأجانب، عبر هياكل ضمانات مخصصة وممولة مباشرة من عائدات النفط، تحدّ من التدخل التقديري وتمكن الشركات من تقييم المخاطر بصورة أوضح.
سعر الصرف والدعم ووضوح التعاقد
وأكد التقرير أن إصلاح سعر الصرف “لا مفر منه”، لأن تثبيته رسمياً مع تقنين الوصول للدولار يحول الريع للمستوردين ذوي النفوذ ويكرس الفساد ويشوّه الأسعار ويستنزف الموارد العامة، مرجحاً أن الانتقال لسعر صرف عائم يقلل المضاربة. كما أشار إلى أهمية استبدال الدعم العام للوقود والسلع الأساسية بمنح نقدية مباشرة للأسر. وشدد على ضرورة وضوح التراخيص وسلطة التعاقد باعتبار المؤسسة الوطنية للنفط الجهة المخولة قانوناً، مع التأكيد على أن المستثمرين يحتاجون إلى الثقة في عدم الطعن بالعقود أو إعادة التفاوض عليها مع تغير النفوذ السياسي.
خطوات لا تتطلب انتخابات لكن تتطلب ضبطاً مؤسسياً
وختم التقرير بالإشارة إلى أن التحسينات الملموسة في بنية الغاز وتوليد الطاقة والخدمات الأساسية ضرورية، وأن هذه الخطوات لا تتطلب انتخابات أو تسوية سياسية شاملة بقدر ما تتطلب ضبطاً سياسياً وانضباطاً مؤسسياً واستعداداً من الفاعلين الأكثر نفوذاً لتقليص سيطرتهم التقديرية على الإيرادات، وهو شرط قد يصعب تحقيقه دون إصلاح.
ترجمة المرصد – خاص

