الجدي: التحول الرقمي في ليبيا خفف أزمة السيولة جزئياً ولم يحقق إصلاحاً حقيقياً

الجدي: التحول الرقمي في ليبيا خفف أزمة السيولة جزئياً لكنه لم يتحول إلى إصلاح حقيقي

ليبيا – قال الخبير الاقتصادي رمزي الجدي إن الحديث عن التحول الرقمي في ليبيا لا يمكن فصله عن أزمة السيولة التي بدأت ملامحها منذ عام 2014، حين تحولت مسألة الحصول على النقد إلى معاناة يومية للمواطنين، في ظل طوابير أمام المصارف، وسقوف سحب متدنية، واتساع نشاط السوق الموازي خارج المنظومة المصرفية.

نقل جزء من المعاملات إلى وسائل الدفع الإلكتروني

وأوضح الجدي، في تصريح لوكالة “سبوتنيك” تابعته صحيفة المرصد، أن التحول الرقمي الذي جرى تطبيقه تمثل أساساً في نقل جزء من المعاملات المالية من التداول النقدي إلى وسائل الدفع الإلكتروني، سواء عبر البطاقات المصرفية أو التحويلات الإلكترونية أو نقاط البيع أو المحافظ الإلكترونية.

وأشار إلى أن مصرف ليبيا المركزي، إلى جانب شركة معاملات للخدمات المالية وشركة تداول للتقنية، لعب دوراً في توسيع شبكة نقاط البيع وتشجيع استخدام الدفع الإلكتروني في المحال التجارية والصيدليات وحتى في بعض المؤسسات الحكومية.

تحسن محدود في إدارة التدفقات المالية

واعتبر الجدي أن هذه الإجراءات أسهمت نسبياً في تخفيف الضغط على السيولة النقدية، كما حسنت جزئياً قدرة المصارف على إدارة التدفقات المالية داخلياً، وعززت مستوى الرقابة على بعض المعاملات.

لكنه أكد أن هذا التحسن ظل سطحياً وغير عميق، موضحاً أن كل عملية دفع إلكتروني كانت في حقيقتها تمثل ديناراً موجوداً أصلاً داخل المصرف، ما أعاد جزءاً من الكتلة النقدية إلى النظام المصرفي دون أن يكون ذلك نتيجة سياسة نقدية متكاملة.

الرسوم تعيد إنتاج منطق السوق الموازي

ولفت إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في الرسوم المفروضة على المعاملات الإلكترونية، حيث يتحمل المواطن عمولات أو تكاليف إضافية عند استخدام البطاقة أو إجراء تحويل، في حين لا تترتب مثل هذه التكاليف على الدفع النقدي.

وأوضح أن هذه المفارقة خلقت فرقاً سعرياً فعلياً بين الدينار النقدي والدينار المصرفي، بحيث أصبح سعر السلعة عند الدفع نقداً يختلف عن سعرها عند الدفع عبر البطاقة أو التحويل، وهو ما أعاد إنتاج منطق السوق الموازي الذي تسعى الدولة إلى محاربته.

وأضاف أن هذا الوضع جعل النقد أكثر جاذبية من الدفع الإلكتروني، لأن الكاش لا يخضع لرسوم أو ضرائب إضافية، معتبراً أن الاقتصاد بهذا الشكل يعاقب من يختار الوسائل الحديثة بدلاً من أن يكافئه.

الدفع الإلكتروني يحتاج إلى حوافز لا أعباء

وتساءل الجدي: “إذا كان الهدف هو الانتقال إلى اقتصاد أقل اعتماداً على النقد، فلماذا تفرض رسوم إضافية على من يستخدم الوسائل الإلكترونية؟ أليس من المفترض أن تكون هذه الوسائل أقل تكلفة لتحفيز المواطنين على استخدامها؟”.

وأكد أن التحول الرقمي يحتاج إلى حوافز وثقة وتكامل في السياسة النقدية، لا إلى أعباء إضافية تعكس ذهنية إدارية قصيرة المدى تبحث عن إيراد سريع بدلاً من إصلاح هيكلي حقيقي.

مقترح بإلغاء رسوم المعاملات الرقمية

واقترح الجدي قلب المعادلة عبر إلغاء جميع الرسوم على العمليات الرقمية، بحيث تكون أي معاملة عبر البطاقة أو التحويل دون تكلفة إضافية على التاجر أو المستهلك، مقابل فرض عمولة على الإيداع والسحب النقدي، حتى يصبح الدينار الإلكتروني أقل تكلفة من الدينار النقدي.

وبين أن النقد مكلف للدولة من حيث الطباعة والنقل والتأمين، كما أنه يغذي الاقتصاد الموازي ويضغط على إدارة السيولة، وبالتالي فمن المنطقي أن يكون الخيار الأعلى تكلفة هو الكاش لا الدفع الإلكتروني.

سوء إدارة للكتلة النقدية لا نقص في العملة

وختم الجدي بالقول إن ليبيا لا تعاني من نقص حقيقي في العملة بقدر ما تعاني من سوء توزيع وإدارة للكتلة النقدية، مؤكداً أن الاقتصاد الرقمي ليس رفاهية تقنية، بل أداة لاستعادة السيطرة على الدورة المالية داخل الدولة. وأضاف أن تحقيق ذلك يتطلب قراراً سياسياً ونقدياً واضحاً من مصرف ليبيا المركزي بإلغاء الرسوم على المعاملات الإلكترونية وفرض تكلفة على التعاملات النقدية، وإلا فإن ما تحقق سيظل مجرد تخفيف جزئي لأزمة السيولة دون أن يتحول إلى إصلاح اقتصادي حقيقي.

Shares