الأزمة الليبية تتجاوز مفهوم الدولة الفاشلة إلى مشروع دولة معلق بين التفكك والاستكمال
ليبيا – سلط تقرير تحليلي نشره موقع “السياسة الدولية” المصري الضوء على ما وصفه بتفكيك خطاب الدولة الفاشلة في ليبيا، معتبرا أن البلاد لا تمثل مجرد حالة انقسام سياسي، بل تعكس تجربة معقدة في إعادة تشكيل الدولة نفسها وسط صراع ممتد على الشرعية والموارد ومؤسسات الحكم.
الأزمة أبعد من الانقسام السياسي
وبحسب ما تابعته صحيفة المرصد، أوضح التقرير أن انهيار السلطة المركزية بعد عام 2011 لم يؤد فقط إلى تفكك المؤسسات الرسمية، بل أعاد إنتاج أنماط حكم بديلة تتداخل فيها السلطات الرسمية مع قوى غير نظامية تمتلك أدوات القوة والنفوذ.
وأشار التقرير إلى أن الفوضى في ليبيا لم تعد حالة استثنائية، بل تحولت إلى نمط قائم بذاته يعكس اختلال العلاقة بين الشرعية والموارد وأدوات التنفيذ، ما يجعل الأزمة الليبية، وفق هذا الطرح، أزمة بنيوية تكشف هشاشة الدولة في وظائفها الأساسية وقدرتها على فرض سلطتها واحتكار العنف الشرعي.
ليبيا كدولة غير مكتملة لا كدولة منهارة
وذكر التقرير أن محاولات إعادة توحيد الدولة ومؤسساتها عبر المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية اصطدمت باستمرار الانقسامات المؤسسية وتداخل المصالح المحلية والإقليمية، وهو ما جعل مسار إعادة البناء متقلبا بين التفكك ومحاولات الاستكمال.
ورأى التقرير أن التجربة الليبية تتجاوز المفهوم المبسط لـ”الدولة الفاشلة”، لتقترب أكثر من نموذج الدولة غير المكتملة أو المعلقة، حيث تستمر بعض المؤسسات السيادية في أداء وظائفها، بينما تتصارع أطراف متعددة على الشرعية والسيطرة على الموارد.
انتقاد توصيف ليبيا بالدولة الفاشلة
وأوضح التقرير أن توصيف ليبيا بعد عام 2011 في عدد من الأدبيات السياسية والإعلامية الغربية باعتبارها “دولة فاشلة” ينطوي على قدر من التبسيط التحليلي، لأنه يختزل أزمة سياسية مركبة في إطار مفاهيمي واحد.
وأضاف أن مصطلح “الدولة الفاشلة” يستخدم عادة في العلوم السياسية للإشارة إلى كيانات تفقد قدرتها على أداء وظائف الدولة الأساسية، مثل احتكار العنف الشرعي، وتوفير الأمن العام، وإدارة المؤسسات الحكومية، والحفاظ على وحدة الإقليم، إلا أن إسقاط هذا المفهوم مباشرة على الحالة الليبية، بحسب التقرير، يغفل طبيعة التحول السياسي الذي شهدته البلاد بعد عام 2011.
هشاشة سابقة لانهيار النظام
وأشار التقرير إلى أن ما جرى في ليبيا لم يكن انهيارا شاملا لدولة مؤسسية قوية، بل تفككا لبنية سلطة كانت تتمحور حول نظام العقيد الراحل معمر القذافي، موضحا أن ليبيا قبل عام 2011 لم تكن دولة ذات مؤسسات قوية، بل كانت تعتمد على شخصنة السلطة وشبكات الولاء.
وأضاف أن ذلك النظام عمل على تفكيك الأطر المؤسسية التقليدية لصالح نموذج حكم قائم على اللجان الشعبية والأجهزة الأمنية المتداخلة، ما أدى إلى غياب بيروقراطية مستقلة أو جيش وطني متماسك، ليظهر بعد سقوطه عدم وجود إطار مؤسسي قادر على إدارة المرحلة الانتقالية أو استيعاب الجماعات المسلحة التي نشأت خلال ثورة 2011.
استمرار بعض المؤسسات السيادية
وبيّن التقرير أن الأزمة الليبية لم تبدأ بانهيار دولة مكتملة البناء، بل بكشف حدود وهشاشة الدولة التي كانت قائمة بالفعل، مشيرا إلى أن وصف ليبيا بالدولة الفاشلة يتجاهل استمرار عدد من مقوماتها البنيوية الأساسية رغم الانقسام السياسي بين السلطات المتنافسة في الشرق والغرب.
ولفت إلى أن بعض المؤسسات السيادية، مثل المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، واصلت أداء وظائفها بدرجات متفاوتة، معتبرا أن استمرار عملها يشير إلى أن الدولة لم تختف بالكامل، بل تمر بحالة انقسام مؤسسي وصراع على الشرعية السياسية أكثر من كونها حالة انهيار شامل.
اعتراف دولي وموارد قائمة
وأكد التقرير أن الدولة الليبية لم تفقد وجودها القانوني أو اعترافها الدولي، كما أنها ما تزال تمتلك موارد اقتصادية كبيرة، وعلى رأسها احتياطات النفط، وهي عناصر لا تتوافر عادة في الحالات التي تصنف ضمن نماذج الانهيار الكامل.
وأضاف أن استخدام مفهوم “الدولة الفاشلة” يحمل في كثير من الأحيان أبعادا معيارية وسياسية تتجاوز كونه توصيفا علميا محايدا، وقد يصبح مضللا عند تطبيقه على حالات انتقالية معقدة مثل الحالة الليبية.
الصراع على شكل الدولة وشرعيتها
ورأى التقرير أن المشكلة الأساسية في ليبيا لا تكمن في غياب الدولة بوصفها كيانا قانونيا، بل في الصراع حول شكل الدولة ومن يمتلك شرعية تمثيلها والسيطرة على مؤسساتها وأدواتها.
وأوضح أن ليبيا تبدو، من هذا المنظور، أقرب إلى نموذج الدولة غير المكتملة أو قيد التشكل، حيث تستمر المؤسسات والموارد الاقتصادية في الوجود، فيما تتنافس القوى المحلية والإقليمية على إعادة صياغة النظام السياسي الذي سيحدد ملامح الدولة في المستقبل.
أزمة الشرعية بعد 2014
وأضاف التقرير أن تطورات المشهد الليبي منذ عام 2014 تكشف أن الأزمة الأساسية لا ترتبط بغياب الدولة بقدر ما تعكس أزمة عميقة في الشرعية السياسية وقدرة السلطة على احتكار أدوات القوة.
وأشار إلى أن انقسام المؤسسات بين سلطات متمركزة في شرق البلاد وأخرى في غربها فتح الباب أمام صراع طويل بشأن من يمتلك حق تمثيل الدولة الليبية، في ظل عجز القوى المختلفة عن بناء إطار شرعي موحد بعد المرحلة الانتقالية الأولى.
الصخيرات واتفاق هش
وتطرق التقرير إلى أسباب عدم نجاح اتفاق الصخيرات السياسي في إنهاء الانقسام، معتبرا أن الاتفاق افتقر إلى إجماع داخلي حقيقي، إذ لم تشارك جميع القوى الفاعلة في صياغته أو تعترف بشرعيته، وهو ما انعكس على قدرته في التمثيل والتنفيذ.
وأضاف أن ترتيباته المؤسسية المعقدة داخل المجلس الرئاسي والحكومة أفضت إلى إضعاف فعالية الأداء السياسي وتعطيل الإصلاحات الدستورية المطلوبة، في وقت بقيت فيه الجماعات المسلحة خارج إطار أمني موحد ولم تدمج في مؤسسة عسكرية واحدة للدولة.
الميليشيات وتفكك احتكار القوة
وبحسب التقرير، فإن ضعف الدعم السياسي المقدم من مجلس النواب حد من قدرة الحكومة على فرض سيطرتها، فيما تعرضت العملية التحضيرية للاتفاق لانتقادات مرتبطة ببعض جوانب الوساطة الدولية، ما أثر في مستوى الثقة لدى بعض الأطراف الليبية في مسار التسوية.
وأوضح التقرير أن أزمة الشرعية انعكست بشكل مباشر على مسألة احتكار القوة المسلحة، وهي إحدى الركائز الأساسية لقيام الدولة الحديثة، مشيرا إلى أن عشرات الميليشيات والقوى العسكرية المحلية فرضت سيطرتها على مناطق ومدن بعينها، وتحولت مع مرور الوقت من جهات فاعلة عسكريا إلى أطراف سياسية واقتصادية ذات نفوذ داخل مؤسسات الدولة.
تدخلات خارجية ومسار غير مكتمل
وأضاف التقرير أن هذا الواقع عمق ظاهرة “الدولة المجزأة” بدلا من المساهمة في بناء جيش وطني موحد، مبينا أن معارك عامي 2019 و2020 لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل عكست في جوهرها صراعا على الشرعية السياسية ومن يمتلك حق تمثيل الدولة.
كما أشار إلى أن تدخل قوى إقليمية ودولية عقد الصراع وحوله إلى ساحة تنافس جيوسياسي، ما أسهم في إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسار بناء مؤسسات دولة موحدة، لافتا إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار في عام 2020 أعاد قدرا من الاستقرار النسبي وفتح الباب أمام مسار سياسي جديد برعاية الأمم المتحدة، لكنه لم ينجح في توحيد المؤسسة العسكرية أو إنهاء وجود المرتزقة.
الدولة المعلقة بين التفكك والاستكمال
واختتم التقرير بالتأكيد على أن الأزمة الليبية يمكن فهمها بوصفها أزمة دولة منقسمة بين مراكز سلطة متعددة، أكثر من كونها حالة انهيار كامل للدولة، إذ ما تزال المؤسسات الرسمية قائمة، لكن السيطرة عليها موزعة بين أطراف متنافسة تسعى إلى تثبيت شرعيتها عبر التحكم في الموارد والمؤسسات الأمنية والعسكرية.
وأشار إلى أن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية وإعادة بناء احتكار الدولة للعنف الشرعي يمثلان شرطا أساسيا لأي مسار حقيقي يهدف إلى استكمال بناء الدولة الليبية، معتبرا أن ليبيا تعيش حالة انتقالية ممتدة تجعلها أقرب إلى نموذج الدولة غير المكتملة أو المعلقة بين التفكك والاستكمال، وليس الدولة الفاشلة بالمعنى التقليدي.
المرصد – متابعات

