الباروني: اقتراب السفينة الروسية من مليتة ليس حادثاً عابراً بل مؤشر على صراع دولي يهدد ليبيا
ليبيا – علق المتخصص في العلاقات الدولية إلياس الباروني على تحذيرات لجنة الأمن القومي بمجلس النواب من اقتراب السفينة الروسية المدمرة من المنشآت النفطية، وخاصة مجمع مليتة للنفط والغاز، مؤكداً أن هذه التطورات لا يمكن قراءتها كحادثة بحرية عابرة، بل يجب وضعها ضمن سياق صراع دولي متشابك، تحولت فيه السواحل الليبية إلى مساحة تماس بين قوى كبرى في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة.
ثلاث رسائل وراء الاقتراب من مليتة
وقال الباروني، في تصريح إلى “اندبندنت عربية”، إن اقتراب السفينة الروسية يحمل دلالات استراتيجية واضحة، تتمثل أولها في رسالة ردع موجهة إلى الغرب، إذ تحاول موسكو، بحسب تقديره، الإشارة إلى قدرتها على الوصول إلى نقاط حساسة في حوض المتوسط، لا سيما منشآت الطاقة التي تمثل شرياناً حيوياً لأوروبا. وأضاف أن مجمع مليتة لا يعد مجرد منشأة ليبية، بل يمثل عقدة مهمة لتصدير الغاز نحو أوروبا، ما يمنح الحادثة بعداً جيوسياسياً يتجاوز الحدود الليبية.
وأوضح أن الرسالة الثانية تتمثل في اختبار السيادة الليبية، لأن هذا التحرك يقيس مدى قدرة الدولة على فرض سيادتها البحرية، معتبراً أن أي اقتراب غير منسق من منشآت سيادية يمثل عملياً جس نبض لفراغ السلطة والانقسام السياسي. أما الرسالة الثالثة، فتتعلق بإعادة التموضع الروسي في المتوسط، في ظل سعي موسكو، على خلفية الحرب في أوكرانيا، إلى توسيع أوراق الضغط خارج الجبهة التقليدية، ومن بينها جنوب المتوسط وليبيا على وجه الخصوص.
تهديد أمني واقتصادي متعدد الأبعاد
وأكد الباروني أن طبيعة التهديد الذي يطال مجمع مليتة ليست بالضرورة عسكرية مباشرة، بل هي مركبة ومتعددة الأبعاد، موضحاً أن وجود قطعة بحرية عسكرية قرب منشأة طاقة استراتيجية يفتح احتمال تنفيذ عمليات استطلاع استخباراتي، بهدف تحديد بنك أهداف محتمل في حال التصعيد واختبار ردود الفعل الأمنية.
واعتبر أن أي توتر في محيط مليتة قد يفضي إلى تهديدات اقتصادية عدة، من بينها تعطيل الإنتاج أو التصدير، وارتفاع المخاطر التأمينية، وحدوث تقلبات في إمدادات الغاز نحو أوروبا، مضيفاً أن مجرد الاقتراب يرسم صورة عن ضعف سيادة الدولة ويعطي انطباعاً بأن ليبيا باتت ساحة مفتوحة للقوى الدولية.
تحذير من سيناريو الحرب بالوكالة
ورأى الباروني أن أخطر سيناريو قد يواجه ليبيا في هذه الحادثة هو سيناريو الحرب بالوكالة، مشيراً إلى أن الخطورة تكمن في الربط الروسي بين الهجوم على السفينة ومسيرات بحرية أوكرانية، بعد حديث السلطات الروسية عن انطلاقها من الساحل الليبي. ولفت إلى أنه إذا ثبتت هذه الرواية، فإن ليبيا ستكون أمام وضع بالغ الخطورة، إذ قد تتحول أراضيها إلى منصة صراع دولي، سواء كنقطة انطلاق لعمليات ضد روسيا أو كمبرر لردود روسية محتملة.
وأضاف أن روسيا قد تنظر في هذه الحالة إلى ليبيا باعتبارها مصدر تهديد مباشر لأمنها البحري، ما قد يفتح الباب أمام عمليات عسكرية محدودة أو استهداف مواقع ساحلية، الأمر الذي سيفرض واقعاً أمنياً جديداً في المياه الليبية.
اختراق للأمن القومي من عدة زوايا
وقال الباروني إن أي تحرك روسي قد يقابله استدعاء تدخلات مضادة، على شكل حضور غربي أو أطلسي أكبر، وتصعيد استخباراتي على السواحل الليبية، بما يحول البلاد إلى نقطة اشتباك غير مباشر بين روسيا والغرب.
وأوضح أن هذا التطور يمثل اختراقاً للأمن القومي الليبي من عدة زوايا، أولها انهيار السيطرة البحرية وغياب الرقابة الفاعلة على السواحل، ما يفتح المجال أمام تسلل قطع عسكرية أو استخدام الأراضي الليبية في عمليات خارجية. كما أشار إلى أن تعدد مراكز القرار والانقسام السياسي يمنح الأطراف الدولية فرصة للاستفادة من غياب موقف سيادي موحد. وحذر كذلك من أن تهديد منشآت النفط والغاز، وهي العمود الفقري للدولة الليبية، يعني تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي ولمصدر الدخل الرئيسي للبلاد.
قراءة في توقيت التحذير البرلماني
وفي قراءته لتوقيت تحذير لجنة الدفاع والأمن القومي، رأى الباروني أن هذا الموقف لا يقتصر على كونه شأناً داخلياً، بل يعكس إدراكاً متزايداً لخطورة عسكرة الساحل الليبي، وتخوفاً من انزلاق غير محسوب نحو صراع دولي. واعتبره أيضاً رسالة سياسية مفادها أن ليبيا ليست ساحة مباحة، غير أنه شدد في المقابل على أن التحدي الحقيقي يبقى في مدى امتلاك المؤسسات الليبية أدوات تنفيذ هذا التحذير.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
وبشأن السيناريوهات المحتملة، قال الباروني إن السيناريو الأفضل يتمثل في انسحاب السفينة عبر اتصالات دبلوماسية غير معلنة، فيما يقوم السيناريو الثاني على تصعيد محدود واستمرار الوجود البحري للسفينة، مع ما قد يصاحبه من تحركات استطلاعية وضغط سياسي وإعلامي متبادل.
أما السيناريو الأخطر، بحسب الباروني، فهو سيناريو الانفجار، الذي قد يقود إلى تعميق الاتهامات الرسمية، واستخدام ليبيا منصة لهجوم، يعقبه رد عسكري روسي محدود، ثم دخول أطراف دولية أخرى على خط الأزمة.
دعوة إلى موقف سيادي موحد
وختم الباروني بالتأكيد على أن ما يجري لا يتعلق بمجرد اقتراب سفينة، بل يمثل مؤشراً على تحول أخطر قد يجعل ليبيا ليست فقط دولة تعاني أزمة داخلية، بل عقدة في صراع دولي على الطاقة والنفوذ. وأوضح أن الخطر الحقيقي لا يكمن في السفينة نفسها، بل في تعدد اللاعبين الدوليين وقيمة الموقع الجيوسياسي الليبي، في مقابل ضعف الدولة المركزية.
وأوصى بإعلان موقف سيادي موحد يرفض استخدام الأراضي الليبية لأي عمل عسكري خارجي، وتعزيز الرقابة البحرية ولو عبر تعاون دولي محدود ومنضبط، وتحييد قطاع الطاقة عن الصراعات الدولية، وفتح قنوات دبلوماسية عاجلة مع جميع الأطراف، بما في ذلك روسيا وأوروبا والأمم المتحدة، إلى جانب بناء عقيدة أمن قومي واضحة تمنع تحويل ليبيا إلى ساحة حرب بالوكالة.

