برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: البيانات الموثوقة أولوية استراتيجية لمواجهة تحديات التنمية في ليبيا
ليبيا – سلط تقرير تحليلي نشره “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” الضوء على أهمية ضبط أدوات القياس بدقة، وفهم ما يتم قياسه وكيفية القيام بذلك، عند التعامل مع التحديات والمشكلات الآخذة في التزايد والتعقيد.
غياب البيانات الموثوقة ومخاطر سوء التقدير
وأكد التقرير، الذي تابعته صحيفة المرصد، أن غياب البيانات والمعطيات الموثوقة يحمل محاذير عديدة، أبرزها تعذر فهم الطبيعة الحقيقية للقضايا والتحديات المراد التصدي لها.
وأوضح أن غياب الوعي بذلك يعني المخاطرة بتوجيه الوقت والجهد والموارد نحو مشكلات قد لا تكون موجودة أصلًا، أو الخطأ في توصيفها نتيجة عدم القدرة على ضبط أدوات قياسها وفهم البيانات المتعلقة بها.
تحديات تنموية مترابطة في ليبيا
وأضاف التقرير أن ليبيا تواصل التصدي لمجموعة من التحديات التنموية المعقدة والمترابطة، ما يجعل الحاجة إلى بيانات موثوقة وشاملة أمرًا لا يمكن الاستهانة به.
وبيّن أن التجارب والأمثلة من مختلف أنحاء العالم تظهر أن تصورات الناس وانطباعاتهم عن مستويات التفاوت أو غياب الإنصاف تشكل الإطار الذي ينظرون من خلاله إلى المؤسسات والسياسات العامة، ما قد يولد المظالم ويخلق شعورًا بالاستياء والإحباط وعدم الرضا العام.
وأوضح التقرير أن هذه المظالم والمشاعر يمكن ملاحظتها في العديد من المجتمعات، حيث يتم التعبير عنها في أفضل الحالات ضمن النقاش العام والأطر السلمية، بينما قد تتجلى في سياق الأزمات على شكل توتر اجتماعي أو انقسام أو صراع.
الأدلة نقطة انطلاق لصنع السياسات
وأكد التقرير أن التصدي للمشكلات يبدأ بفهمها، وأن الأدلة المتمثلة في البيانات الموثوقة توفر نقطة الانطلاق لهذه العملية.
وأشار إلى أن هذا النوع من المعطيات يساعد في بناء فهم مشترك للتحديات التنموية، وتحديد نطاقها، ومعرفة المتأثرين بها، ومساعدة صانعي السياسات على تصميم استجابات أكثر فاعلية.
وأضاف أن الإنسان يقع في صميم البيانات، إذ تضع أنظمتها الفعالة تجارب الناس المعاشة في قلب عملية جمع البيانات وتحليلها، وهو أمر ضروري لبناء الثقة العامة في جهود الإصلاح.
الإصلاحات والمفاضلات بين الخيارات
وتابع التقرير أن السياسات الرامية إلى الإصلاح غالبًا ما تتضمن مفاضلات بين خيارات متاحة، ويمكن للأدلة أن تجعل هذه المفاضلات أكثر وضوحًا لصناع القرار والمواطنين على حد سواء.
وأوضح أن البيانات الموثوقة لا غنى عنها، سواء كان التحدي يتعلق بإصلاح نظام الدعم، أو الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، أو تحسين الخدمات العامة.
وبيّن أن فرص فاعلية الإصلاحات واستدامتها تزداد عندما تعكس الأدلة والبيانات الجوانب المترابطة لحياة الناس وواقعهم.
دعم التنمية القائمة على البيانات
وأشار التقرير إلى أهمية دعم التنمية القائمة على البيانات في ليبيا، موضحًا أن تعزيز صنع السياسات المبنية على الأدلة يمثل جانبًا مهمًا من عمل “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” مع المؤسسات الوطنية.
ووفقًا للتقرير، يدعم البرنامج جهود الشركاء الوطنيين لتوفير الأدلة والبيانات التي تمكّن السياسات التنموية، من خلال مبادرات تشمل دعم الجهود الوطنية في إعداد “التقرير الوطني السابع للتنمية البشرية”، وتطوير قدرات قياس الفقر متعدد الأبعاد.
المياه والطاقة والغذاء
وأضاف التقرير أن من بين المبادرات الأخرى العمل على فهم الاستدامة البيئية من منظور العلاقة المترابطة بين المياه والطاقة والغذاء، إلى جانب تطوير استراتيجية للمياه قائمة على تحليل دقيق للواقع.
وأشار إلى أن ما يدعو إلى التفاؤل هو أن العديد من المؤسسات الوطنية بدأت تدرك بشكل متزايد أهمية البيانات والتقنيات الرقمية وقيمتها في توفير الخدمات وتحليل السياسات.
وأكد أن “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” مستعد لمواصلة الشراكة مع المؤسسات الوطنية للبناء على هذه الجهود، بالاستفادة من خبرته العالمية والإقليمية والمقاربات المبتكرة.
الذكاء الاصطناعي وتعزيز أنظمة البيانات
وأوضح التقرير أن اقتران توفير البيانات والأدلة بالأدوات الرقمية والتقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي، من شأنه أن يجعل أنظمة البيانات أكثر فاعلية، ويساعد صانعي السياسات على الاستجابة بشكل أسرع وتصميم مبادرات تنموية أكثر استهدافًا وتأثيرًا.
أهمية البيانات المحلية والمصنفة
وأشار التقرير إلى أهمية البيانات المفصلة والمصنفة على المستوى المحلي، بما يراعي الفروق بين المناطق والنساء والرجال والفئات العمرية المختلفة، بما في ذلك الشباب والخصائص الديموغرافية الأخرى.
وأوضح أن المعدلات المحتسبة على المستوى الوطني وحدها غالبًا ما تخفي تباينات مهمة، لافتًا إلى أن الإدارات والبلديات المحلية تحتاج إلى بيانات تعكس واقعها الخاص من أجل تصميم الحلول المناسبة.
وشدد على ضرورة تحديث البيانات بشكل منتظم لتعكس الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتغيرة التي تشكل حياة الناس وواقعهم.
ثقافة البيانات ودور المجتمع
وتحدث التقرير عن أهمية بناء ثقافة البيانات، معتبرًا أن نجاح جهود تعزيز استخدامها في مختلف مناحي الحياة يعتمد على توفر ثقافة مجتمعية تشجع هذا الاتجاه.
وبيّن أن المؤسسات الحكومية تلعب دورًا مركزيًا في هذا المجال، بينما يساهم الأكاديميون ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص والجمهور العام أيضًا في تقوية نظم البيانات.
وأضاف أن الباحثين والطلاب ورواد الأعمال ومنظمات المجتمع المدني يستفيدون جميعًا من القدرة على جمع البيانات وتحليلها لمعالجة تحديات ومشكلات العالم الحقيقي، كل في مجال عمله.
أولوية تنموية استراتيجية
وأكد التقرير أن البيانات الموثوقة وعالية الجودة تمثل نقطة الانطلاق لمعالجة التحديات التنموية المعقدة، إذ يمكنها توضيح الأولويات وإيجاد الحلول الممكنة في مجالات الحد من الفقر والحرمان والبطالة والإدارة المستدامة للموارد.
وأضاف أن الاستثمار في أنظمة بيانات قوية لا يمثل بالنسبة لليبيا مجرد عملية تقنية فنية، بل أولوية تنموية استراتيجية.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن البيانات يمكن أن تساعد في مواجهة التحديات المعقدة عبر بناء فهم أوضح لمواطن القوة، وتحديد السياسات التي يجب تحسينها، وتوجيه الموارد نحو المجالات التي تحقق أكبر أثر ممكن، مشيرًا إلى أن الوعي بالقياس يمكن أن يصنع الفرق بين البحث العقيم عن حل لمشكلة خاطئة، وإيجاد التفسير والحل الصحيحين.
المرصد – متابعات

