ارتفاع أسعار الأضاحي في ليبيا يحرم أسرًا من إحياء الشعيرة
ليبيا – تناول تقرير اقتصادي نشرته وكالة أنباء “شينخوا” الصينية ظاهرة ارتفاع أسعار أضاحي العيد الفائت، والإقبال الواسع على أسواق الماشية في العاصمة طرابلس.
تراجع القدرة الشرائية
التقرير الذي تابعته صحيفة المرصد استدرك بالإشارة إلى اكتفاء كثيرين هذا العام بالتجول بين حظائر الأغنام من دون الشراء، نتيجة تراجع القدرة الشرائية للأسر في ظل موجات التضخم المتصاعدة، مبينًا أن الموظف الحكومي سالم إبراهيم، وهو أب لـ4 أطفال، وقف متأملًا بصمت قبل أن يغادر السوق خالي الوفاض.
ونقل التقرير عن إبراهيم، البالغ من العمر 40 عامًا، قوله وهو يشعر بالحرج إنه كان في كل عام يشتري الأضحية ويدبر أموره، لكن الأسعار تجاوزت هذا العام قدرته بالكامل، فيما بيّن التقرير أن كثيرًا من الليبيين يواجهون أوضاعًا مشابهة بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الأغنام.
أسعار تفوق دخل كثير من الأسر
وأضاف التقرير أن أسعار الخراف تراوحت بين ألفين و800 دينار، في ظل تلقي معظم الليبيين مرتبات تتراوح بين 900 وألفي دينار، ما يجعل شراء الأضحية أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة لكثير من الأسر، رغم محاولات حكومية ومصرفية لإطلاق قروض لتمكين محدودي الدخل من شراء الأضاحي.
وتابع التقرير أن عدة جهات دينية أصدرت فتاوى تحرم هذه القروض الممنوحة وفقًا للمرتبات، لكونها تتضمن معاملات ربوية وإشكالات في آلية السداد، ما وضع المواطنين في حيرة بين الحاجة الاقتصادية واعتبارات الدين.
أسر تتخلى عن شراء الأضحية
وتابع التقرير واقع حال سوق مواش آخر في جنوب العاصمة طرابلس، مشيرًا إلى أن خالدة، وهي أرملة تعيل 3 أبناء، اضطرت للتخلي عن شراء الأضحية لأول مرة منذ سنوات.
ونقل التقرير عنها قولها، وهي تقف مع أطفالها بحزن قرب إحدى حظائر بيع الخراف، إن حتى أصغر خروف أصبح سعره يعادل عدة أشهر من مصروف البيت، لذلك فضلت توفير المال للطعام والاحتياجات الأساسية.
الجفاف وارتفاع تكاليف التربية
وتابع التقرير أن مربي الماشية والخبراء ربطوا هذا الارتفاع بتداعيات الجفاف والتغيرات المناخية، ما أثر بشكل كبير على المراعي الطبيعية، ودفع إلى الاعتماد على الأعلاف المستوردة مرتفعة الثمن، إلى جانب زيادة تكاليف التربية والنقل والرعاية البيطرية.
وتحدث التقرير عن جولات ميدانية في بعض المزارع والمناطق الرعوية أظهرت آثار الجفاف بوضوح من خلال تراجع الغطاء النباتي وانحسار المساحات الصالحة للرعي، ما انعكس سلبًا على الثروة الحيوانية في البلاد.
مربون يقلصون قطعانهم
ونقل التقرير عن مربي الأغنام من جنوب ليبيا، مفتاح الورفلي، قوله إن كثيرًا من أصحاب القطعان اضطروا إلى بيع جزء من مواشيهم بسبب صعوبة توفير الأعلاف والمياه، فيما خرج بعض المربين من النشاط بالكامل بعد سنوات من الخسائر المتتالية.
كما نقل التقرير عن رئيس جهاز تنمية المراعي الطبيعية بوزارة الزراعة في حكومة الدبيبة، علي الطيف، قوله إن الرعاة لم يعودوا يجدون مناطق مناسبة للرعي بسبب تدني الكثافة النباتية واستمرار موجات الجفاف خلال السنوات الماضية، موضحًا أن المربين باتوا يعتمدون بشكل شبه كامل على الأعلاف الجاهزة في ظل ارتفاع أسعارها محليًا وعالميًا.
مشاريع لإحياء المراعي
وقال الطيف إن هذا الوضع دفع كثيرًا من المربين إلى تقليص أعداد قطعانهم أو ترك المهنة نهائيًا، ما أثر بشكل مباشر على أعداد الأغنام وأسعارها وحد من قدرة المواطنين على إحياء شعيرة الأضحية.
وأضاف أن الوزارة بدأت خلال الفترة الأخيرة في مواجهة ذلك عبر تنفيذ مشاريع لإحياء المراعي الطبيعية، وإعادة زراعة النباتات الرعوية، خاصة الأنواع المهددة بالاندثار، وتنظيم الرعي والحد من الرعي الجائر، وإنشاء وتجديد آبار المياه في مناطق الرعي لتسهيل حصول الرعاة عليها وتقليل معاناة تنقل القطعان لمسافات طويلة.
صعوبات أمام مربي المواشي
وفي ريف مدينة صبراتة، نقل التقرير عن مربي الأغنام والبائع فتحي عيسى تأكيده أن تربية المواشي تمثل مصدر دخله الوحيد، غير أن الاستمرار في هذا النشاط أصبح بالغ الصعوبة.
وأوضح عيسى أن تراجع المراعي وندرة المياه وارتفاع تكاليف الأعلاف صعّبت عليه الأمر، مشيرًا إلى أنه كان يملك نحو 450 رأسًا من الغنم، بينما لم يتبق لديه اليوم سوى قرابة 200 رأس، محملًا الجهات المسؤولة مسؤولية عدم تقديم الدعم الكافي للمربين، خصوصًا في ما يتعلق بتوفير الأعلاف خلال سنوات الجفاف.
المراعي والثروة الحيوانية
وبيّن التقرير أن مساحة المراعي الطبيعية في ليبيا تبلغ نحو 17 مليون هكتار، أي ما يعادل 10% من إجمالي مساحة البلاد، وأن جانبًا كبيرًا منها يعاني من نقص المياه بسبب تعطل بعض الآبار وجفاف أخرى، فيما تسهم هذه الأراضي في توفير قرابة 25% من احتياجات الثروة الحيوانية من الأعلاف.
وأضاف التقرير أن عدد الأغنام في ليبيا يقدر بنحو 7.5 ملايين رأس، بقيمة إجمالية تصل إلى 5 مليارات دينار، ناقلًا عن اقتصاديين تأكيدهم أن الأزمة لا ترتبط بالمناخ وحده، بل بارتفاع أسعار السلع وتراجع القوة الشرائية وغياب الدعم الكافي لقطاع تربية المواشي.
الأضحية تتحول إلى أمنية
وتابع التقرير أن فروقات أسعار العملات تسببت في تهريب جزء من الثروة الحيوانية إلى دول الجوار، ما أدى إلى تراجع المعروض وارتفاع الأسعار.
واختتم التقرير بالتأكيد أن الأضحية تحولت بالنسبة لكثير من العائلات من عادة سنوية راسخة إلى أمنية يصعب تحقيقها.
المرصد – متابعات

