بقلم د.سلوى الدغيلي : فيروس كورونا والقانون الليبي

 

مقال قانوني بقلم / د.سلوى الدغيلي عميد كلية القانون في جامعة بنغازي

لا شك في أن جائحة كورونا قد تم تناولها من الناحية الطبية من حيث أعراضها وتداعياتها الصحية على الفرد والمجتمع وأصبح معظم ما يتعلق بها من معلومات تكاد تكون متاحة للجميع لكيفية التعامل معها.

إلا أن المُبتغى من هذاالمقال هو معرفة كيف يتصدى القانون الليبي لهذه الجائحة، وكيف تتعامل الدولة الليبية ومؤسساتها معها، وما هو الدورالمطلوب أن يلعبه المواطن في هذه الجبهة؟

ربما نكتفي نحن من غير ذوي الاختصاص الطبي بالنزر البسيط من المعلومات المتاحة لنا عن طبيعة هذا الفيروس وطرق انتقاله، ولكن يهمنا من ناحية أخرى وكأصحاب إختصاص معني بتنظيم الحياة في المجتمع بمختلف جوانبها دراسة كيف نظم المشرع الليبي طرق وضوابط مواجهة الأمراض والاوبئة في المجتمع الليبي .

ونتطرق في هذا الصدد الى القانون رقم 106 لسنة 1973 بإصدارالقانون الصحي والذي استهلت مادته (الأولى) بالتأكيدعلى أن الرعاية الصحية والطبية حق مقرر للمواطنين تكفلهالدولة، وتعمل وزارة الصحة على تطوير الخدمات الصحية والطبية والرفع من مستواها وزيادة كفاءتها بما يواجه حاجة المواطنين ويواكب التقدم العلمي في هذه المجالات وبما يساير الخطة الانمائية للبلاد كما تعمل الوزارة على توفير ما تحتاج اليه المرافق الصحية من عناصر فنية.

ثم لتعطي مادته (الثانية) لوزارة الصحة سلطة الإشراف على الصحة العامة والصحة الوقائية والطب العلاجي، والمؤسسات العلاجية، والمنشأة الصيدلية، ومراقبة تداول الأدوية، ومزاولة المهن الطبية والمهن المرتبطة بها.

وحيث شغل ظهور مرض فيروس (COVID-19) اهتمام كافة الأوساط العالمية ، لما لهُ من آثارٍ خطيرة على صحة الإنسان وحياته وعلى المُجتمع بشكلٍ عام لكونه من الأمراض المعدية من ناحية ومن ناحية أخرى لسرعةانتشاره.

وأنّ الإحصائيات الآن تدُلُّ على كارثةٍ إنسانية قد تودي بأرواح الملايين من البشر إذا لم يتم السيطرة على هذاالمرض, حيث لم تسلَم منهُ أيّ دولةٍ, وإن اختلفت عددالإصابات من دولةٍ إلى أخرى.

وفي هذا الصدد جرم القانون الصحي الليبي نقل عدوى المرض للغير أذ عرف المشرع الليبي في المادة 27 من القانون المشار إليه الأمراض المعدية بقوله  “يعتبر مرضاً معدياً في تطبيق أحكام هذا القانون كل مرض ينتقل من شخص الى أخر أومن حيوان أو مكان أو شيء ملوث الى الأنسان، وتبيناللائحة التنفيذية لهذا هذه الأمراض” .

 وعلى الرغم منالنص على هذه الأمراض وتحديدها بالنص في المادة 34 منه وهي الطاعون والكوليرا، والحمى الصفراء، والجدري، والحمى الراجعة، إلا أنه يمكننا قياس فايروس كورونا على هذه الأمراض باعتباره يشاركها في الخطورة والعدوى والانتشار الأمر الذي جعل العالم كله يتفق على تصنيفه من بين أوبئة العصر وذلك لإعطائه ذات الحكم القانوني لهذهالأوبئة.

ومن ناحية أخرى تطرق هذا القانون الى المواطن وواجباته في إطار مساندة الدولة في مواجهتها للأوبئة اذ نصت المادة (34) على أنه  “اذا أصيب شخص أو أشتبه في إصابته بأحد الأمراض المعدية الواجب التبليغ عنها وجب إبلاغ السلطات الصحية المختصة أو السلطات الإداريةخلال 24 ساعة على الأكثر من وقوع الإصابة أو حدوث الإشتباه “.

 الأمر الذي يجعل المواطن ملزم قانوناً بالتبليغ عن الاشتباه بالإصابة بهذا الفايروس خلال مدة معينة وإلا عُدّ مخالفاً لأحكام القانون مستوجباً توقيع العقوبة التي ينص عليها القانون.

وهو أيضًا الأمر الذي أثار التساؤل عن مدى إمكانية تطبيق نصوص قانون العقوبات الخاصة بجرائم القتل العمد وغير العمد فيمن يخفي أمر إصابته بهذا الفايروس أويحاول نقله للغير بقصد أو بدون قصد.

ولا شك في أن كل دول العالم ولمواجهة هذا الوباء قد ذهبت الى تكثيف جهودها وإنشاء لجان خاصة ومنحها صلاحيات واسعة لكبح جماح هذه الجائحة التي اجتاحت العالم لتفتك بأرواح الألاف في اليوم الواحد، ولقد تصدى لذلك بالتنظيم القانون 106 لسنة 1973 بدوره .

فقد منحت المادة 35 منه السلطات المنشأة بمقتضاه لمواجهة الأوبئة صلاحيات كبيرة متمثلة بتفتيش المنازل والأماكن المشتبه في وجود المرض بها، وعزل المرضى ومخالطيهم وإجراء التطعيمات والتحصينات اللازمة والقيام بأعمال التطهير والتعفيروإعدام ما يتعذر تطهيره وذك على النحو المبين في اللائحة التنفيذية لهذا القانون.

وللسلطات الصحية أن تستعين في كل ذلك بسلطات الأمناذا أقتضى الأمر ذلك.

كما نصت المادة (36) على أنلوزير الصحة بقرار منه اعتبار جهة من الجهات موبوءة بأحد الأمراض المعدية، وفيهذه الحالة يجب اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع انتشارالمرض بما يتضمنه ذلك من عزل وتطهير وتطعيم أو تحصين ومراقبة ومنع انتقال وغير ذلك من الاجراءات التي تحول دونانتشار الوباء

ونصت المادة (37) على أنللسلطة الصحية في سبيل مكافحة الوباء أن تمنع الاجتماعات العامة وأن تعدم المأكولات والمشروبات الملوثة، وأن تزيل مصادر المياه أوتوقفها وأن تردم الآبار وتقفل الأسواق والمصايف وشواطئ الاستحمام ودور الخيالة والمدارس والمعاهد والمقاهي والمطاعم وأي مكان أخر ترى في إدارته أو استمرار فتحه خطراً على الصحة العامة، ويتم ذلك كله بالطريق الإداري“.

كما ألزمت المادة (35) السلطة الصحية بمجرد تلقيها بلاغاً بالإصابة بمرض من الأمراض المعدية الواجب التبليغ عنها، أن تتخذ الإجراءات الضرورية لمنع انتقال المرض أو انتشاره.

وبالتالي يُعد مخالفاً للقانون كل طبيب يمتنع عن أداء واجبه إزاء أي مريض ويُعاقب بمقتضى المادة 166 من هذاالقانون، وفي الوقت الذي أكدت فيه المادة 114 على عدم مسئولية الطبيب عن الحالة التي يصل لها المريض اذا ثبت أنه بذل العناية اللازمة ولجأ الى جميع الوسائل التييستطيعها من كان في مثل ظروفه لتشخيص المرض ووصفالعلاج.

وفي الوقت الذي يعتبر ما قامت به اللجنة العليا لمكافحة وباء كورونا والمشكلة بالقرار رقم 127 لسنة 2020 الصادر عنالقائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية من اجراءات وتدابير احترازية لمواجهة هذا الوباء تأتي في سياق الالتزام بالضوابط القانونية التي وضعها القانون رقم 106 لسنة1973و وذلك بالتعاضد مع وزارة الصحة ووزارة الداخلية، بقى علينا نحن كمواطنين أن نقوم بواجباتنا بالحذر واحترام هذه الضوابط لنكون الداعم الأساس لهذه الجهات فيإنجاز مهمتها في التصدي لهذه الجائحة.

لا شك في أن فايروس كورونا سيغير الكثير عالمياً، فكورونا هو تسونامي جديد سيلقي بضلاله علىالسياسة والجغرافيا والاقتصاد والعالم بعده لن يكون كما كان قبله بالتأكيد، أما على الصعيد الوطني فمازال أمامنا فرصة التصدي له بالالتزام بالضوابط القانونية وبقرارات السلطات المختصة بمواجهته، والتقيد تكلفنا الاستهانة بها الكثير.

د. سلوى فوزي الدغيلي

عميد كلية القانون في جامعة بنغازي

 

Shares