خزنة الليبيين في مهب الريح ..27 مليون وثيقة ليبية تاريخية في طريقها للوقوع بيد تركيا – صحيفة المرصد الليبية
آخر الاخبار

طرابلس – خاص | أمهلت الهيئة العامة للأوقاف التابعة لحكومة الوفاق المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية ( مركز جهاد الليبيين سابقا ) ثلاثة أيام لإخلاء مقره وتسليمه لها وهو المقر الذي كانت قد صنفته ” اليونيسكو ” ضمن مؤسسات التراث الانساني في ليبيا .

وبحسب الخطاب الموجه للمركز، والمؤرخ بيوم 4 يناير 2021  والذي اطلعت عليه المرصد فيتوجب عليه الخضوع لحكم صادر عن محكمة الاستئناف بطرابلس بشأن تبعية الأرض المقام عليها مقر المركز للاوقاف.

مركز جهاد الليبيين : لدينا 27 مليون وثيقة والأوقاف تطالبنا بالإخلاء في ثلاثة أيام

ومنذ عام 2007 ادعت هيئة الاوقاف بأن الأرض المقام عليها المركز لوقف تابع لها كونها جزء من مقبرة سيدي منيذر، الواقعة في حي بالخير وسط طرابلس، وهي دعوى رفضها المركز أمام القضاء.

ويحتوي مركز جهاد اللليبيين الذي تأسس منذ سنة 1977م على أكثر من 27 مليون وثيقة، بحسب احصاء للمركز نهاية العام المنصرم، وطيلة 44 سنة من عمره طبع مئات الكتب في مجال الدراسات التاريخية والاجتماعية والتوثيقية، واصدر قرابة الخمسة دورات ومجلات بحثية، كما اقام مئات الندوات والمؤتمرات الدولية التي شاركت فيها عديد الدول، ومثّل ليبيا في أكثر من بلد.

بصمات تركية

مصادر محلية ومخابراتية ليبية متابعة للقضية في طرابلس كشفت النقاب للمرصد عن وقوف ظل تركي أمام تحريك الدعوى مجددا في العام 2012  ومتابعتها عبر شخصيات من التيار الإسلامي الموالي لأنقره ومنه شخصيات متنفذة في هيئة الاوقاف ومكاتبها التي يتزعمها محمد العباني، خصوصا مكتب حي بالخير ، والعباني شخصية مقربة من الإسلام السياسي بثوب ” سلفي ” كما يعرف نفسه وقد شُنت عليه حملة خلال الفترات الماضية من قبل إسلاميين آخرين لإثبات ولائه لتركيا والوفاق.

العباني والمشري

وتطابقت معلومات المصادر التي كشفت عن وقوف وكالة “تيكا” التركية، التي يتواجد لها فرع في طرابلس، للممارسة ضغوط لم تتوقف على المركز من أجل تكليف ادارة جديدة له تمكن “التيكا” من الاستيلاء على ارشيف “دار المحفوظات التاريخية” الليبي، الذي يعد أقدم ارشيف تاريخي ليبيا، كان تابعا لمصلحة الاثار قبل ان يتمكن المركز من نقله الى مقره الحالي.

وإسم  ” تيكا ” هو اختصار لوكالة إنسانية تابعة للمخابرات التركية بزعامة  ” حقان فيدان ”  وتسمي نفسها ” وكالة التعاون والتنسيق التركية ” وتأسيت في 24 يناير 1992 لتنسيق علاقات تركيا المتنوعة مع الدول التركية الموجودة في وسط أسيا، وكان الهدف الأساسي من تأسيسها هو مساعدة الجمهوريات التركية  في وسط أسيا على إعادة تأسيس وتطوير وتأهيل نفسها وبالتالي جعلها قريبة لتركيا أكثر من غيرها من الدول .

وخلال السنوات الماضية أقدمت مجموعة مسلحة تابعة للواء النواصي بطرابلس على اعتقال رئيس المركز د. محمد الطاهر الجراري، أكثر من مرتين، علاوة على عشرات الاستدعاءات للتحقيق معه بهدف التضييق وابتزازه .

ولقاء اصرار ادارة ” مركز جهاد الليبيين ” على البقاء ومقاومة الضغوط ومحاولات الابتزاز، عادت الهيئة لتحريك القضية مجددا استنادا لحكم قضائي صادر عام 2010 طعن فيه المركز أمام محكمة الاستئناف باثبات أن الارض التي اقيم عليها  تعرف بــ”مقبرة العرضاوي” بشهادة أهل المنطقة ومثقفي وأعيان طرابلس، وليست جزءا من مقبرة منيذر التابعة للاوقاف.

وبحسب التشريع الليبي فهيئات الأوقاف جهات ادارة منظمة للاوقاف ولا يحق لها التملك والتصرف في الاوقاف التابعة لها.

وإثر مداهمة قوة تتبع النواصي لمقر المركز مجددا، في فبراير عام 2017 لاجبار ادارة المركز على تسليم المقر او تغيير ادارته، وعلى خلفية تداول الحدث بشكل واسع في وسائل الاعلام دعت الهيئة العامة للاوقاف “كل من يهمهم الأمر إلى عدم تهويل الأخبار حول خلاف الهيئة مع المركز الليبي للمخطوطات والدراسات التاريخية(مركز جهاد الليبيين سابقا) بشأن مبنى ينتفع به الأخير تابع للهيئة في منطقة بالخير بطرابلس ” .

وبحسب بيان لها في فبراير 2017  زاعمة أن “الخلاف حول رفض مركز المخطوطات التوقيع عقد انتقاع للمبنى المملوك للهيئة الذي يتخذه مقرا له مخالفا بذلك حكم محكمة استئناف طرابلس عام 2010 القاضي بمنح حق النظارة ملكية هيئة الأوقاف للمبنى ويلزم المركز بالتعاقد”ً.

ورغم شهادات أهالي المنطقة حول مداهمة المجموعة المسلحة لمقر المركز إلا أن الأوقاف قالت أنها “لم تلجأ يوما إلى القوة أو وسائل الضغط القضائية التنفيذية وأنها اتخذت من الحوار أسلوبا لها”، وأكثر من ذلك أكدت  أنها لا تنوي “إخلاء المقر أو وضع يدها على محتوياته التي تقدر أهميتها العملية والثقافية والوظيفية”، وفق البيان.

جدل قانوني حول أهم مرفق تاريخي

وفي تفاصيل القضية تقول أحدى المصادر ان الارض في أصلها تعرف باسم مقبرة العرضاوي واقامت عليها “أمانة التعليم” هكيلا خرسانيا لمدرسة قبل ان تخصصها للمركز، وتكلف السلطات “آمانة الاسكان والمرافق” باتمام المبنى الذي انتقل اليه المركز من مقره المؤقت عام 1984م، قبل ان تدعي الاوقاف ، وفق تشريعات لاحقة تبعية ارض المقبرة للاوقاف ووفقها حكمت محكمة الاستنئاف عام 2010م لصالح هيئة الاوقاف لكن المركز طعن في الحكم على خلفية ضعف المستندات التي قدمتها الاوقاف.

عدد من أعيان وعائلات بالخير يوقعون إقرارًا يؤكد بأن الأرض كانت تابعة لمقبرة العرضاوي وليست تابعة للأوقاف

عدد من أعيان وعائلات بالخير توقع إقرارًا يؤكد بأن الأرض كانت تابعة لمقبرة العرضاوي وليست تابعة للأوقاف

عدد من أعيان وعائلات بالخير توقع إقرارًا يؤكد بأن الأرض كانت تابعة لمقبرة العرضاوي وليست تابعة للأوقاف

لكن هيئة الاوقاف جددت القضية استنادا على الحكم المطعون فيه، وفق ذات المصدر، وبعد تدخلات من أعيان طرابلس ومثقفيها تم الاتفاق على أن يدفع المركز ايجارا للهيئة بواقع 2000 دينار، لكن الهيئة طلبت 100 الف دينار، وتم الاحتكام للرأي الأهلي الذي حدد المبلغ بــ 40 ألف دينار بموافقة المجلس الرئاسي الذي خاطب وزارة المالية بضرورة دفع المبلغ المقرر وفق اتفاق مبرم بين الأوقاف ووزارة المالية.

ورغم أن مطالب الاوقاف يتوجب ان تتوجه لوزارة المالية لدفع المستحقات إلا أنها لا تزال تضغط على ادارة المركز من أجل دفع المستحقات وتتخذها ذريعة للمطالبة في كل مرة باخلاء المقر، وتمرير رسائل بواسطة شخصيات مقربة من وكالة “تيكا” التركية لقبول المركز بتغيير الادارة بادارة جديدة موالية للوكالة.

ويتابع المصدر  ان “طلب الاخلاء في ظرف ثلاثة أيام واضح أنه للضغط فكل ليبي يعرف ان اخلاء المركز يتطلب سنة على الاقل علاوة على الخطورة الكبيرة التي قد تواجه الخطوة كالسرقة والتلف والضياع أثناء عملية النقل والاخلاء”.

ورعى مكتب وكالة “ تيكا ”  الذي افتتح في طرابلس مطلع عام 2012 حوالي 60 مشروعا في ليبيا، بحسب منشور للصفحة الرسمية للوكالة في يونيو الماضي،من بينها تقديم مركز حواسيب لمدرسة الفنون والصنايع، في طرابلس، التي ادعى موقع الوكالة في إطار البروبغندا التركية التوسعية بأنها “مدرسة عثمانية”، و أن الوالي العثماني نامق باشا مؤسس المدرسة، رغم احتفاظ التاريخ الليبي بوثائق تؤكد ان متبرعين من أهالي طرابلس هم قاموا بتأسيس المدرسة كوقف خيري لتعليم الحرف والمهن اليدوية دعما لقطاع الاقتصاد وقتها ! .

أرشيف في وجه خطر المؤامرات !

وتؤكد ذات المصادر الى هدف “تيكا” بالوقوف وراء الضغوط التي تمارسها شخصيات مقربة منها في هيئة الاوقاف هو الاستيلاء على الارشيف الوطني الليبي الذي يحوي ملايين الوثائق الخاصة بليبيا منذ العهد القرمانلي، ويعتبر أقدم مؤسسة ليبية إذ يبلغ عمره قرابة 300 سنة.

وتقول المصادر نفسها ان دار المحفوظات التاريخية تعتبر من ضمانات الأمن القومي الليبي لتوفرها على مستندات قانونية ووثائق تتعلق بحقوق الدولة الليبية، وكانت وثائقها أساسا مهمًا في قضية “الجرف القاري” المتنازع عليه في البحر المتوسط ومستندا هاما لحكم محكمة العدل الدولية عام 1981م بأحقية ليبيا في ملكية ذلك الجرف.

وترجح المصادر ان يكون السعي التركي وراء السيطرة على الارشيف هو النيل من وثائق قانونية مهمة تنسف طموح العثمانية الجديدة، ومنها قضية الجرف القاري التي تعتبر اساسًا لعدم الاتفاق البحري الذي وقعته انقرة مع السراج في نوفمبر 2019 والذي يحدد حدود ليبيا المائية، ومؤخرا سعت انقرة لبناء اتصالات مع مالطا التي تحصلت على وعود من جانب حكومة الوفاق للاستفادة من جزء من الجرف القاري.

طلينة وتتريك

وليس هذه القضية الوحيدة التي تتوفر عليها مستندات دار المحفوظات بل أكثر منها مساعي متصلة بشخصيات ليبية من اصول تركية أعلنت عام 2012 عن انشاء ما يعرف بــ “جمعية الصداقة الليبية التركية”، والتي نادت بضرورة أحقية شرائح ليبية من اصول تركية في تمثيل سياسي كغيرها من الأقليات الثقافية، وهي دعوة كررتها “مجلة أفكار” التي تصدرها لجنة الصداقة، واشارت الى توفر الارشيف الليبي الى وثائق تثبت أولوية أسر من اصول تركية في المشاركة السياسية وتولي وظائف بارزة في الدولة.

وتدرك عديد الدول التي تمتلك أطماعا تاريخية في ليبيا أهمية الارشيف الوثائقي الليبي، ففي العام 1912 استدعت الادارة الايطالية المؤرخ الايطالي “كارلو الفونسو”، الذي يعرف في التاريخ كأحد راسمي سياسيات الاستعمار الايطالي في ليبيا، لاعادة هيكلة الارشيف الليبي، وبناء على تقاريره التي اصدرها كعضو في “هيئة الشؤون الاسلامية بالمصالح الايطالية”، اصدرت الادارة الايطالية قرارا باعادة هيكلة دار المحفوظات التاريخية عام 1928م.

وفي منتصف خمسينيات القرن الماضي قررت المملكة الليبية تسميته بــ”دار المحفوظات التاريخية”، قبل ان تحول تبعيته لاحقا بمصلحة الاثار الليبية، وخلال تلك العقود تولى عدد من المؤرخين الليبيين كــ”محمد الاسطى”، و “عبد السلام أدهم”، رئاسة الدار، وبعد جهود كثيفة لعدة سنوات تمكنت ادارة المركز الليبي من اقناع السلطات بالموافقة على نقل كامل الارشيف الى مقر المركز حيث هيأت له ادارة المركز ظروفا ملائمة لحفظ الوثائق من التلف والحرار وظروف المناخ للبدء في مشروع وطني كبير للأرشفته وترتيبه واتاحته للباحثين والزوار، لكن ذلك المشروع اصطدم بالاطماع التركية واطماح أردوغان الحالمة بعودة العثمانية.

يشار الى ان المركز الليبي يتبع الهيئة العام للثقافة التي لم يصدر عنها أي موقف تجاه القضية رغم مرور عشر سنوات عليها فيما زار حسن اونيس رئيس هذه الهيئة مؤخرًا تركيا وبشكل مفاجئ في زيارة لم يعلن عن اجندتها .

وخلال متابعة مراقبين ليبيين لحراك وكالة “تيكا”، خصوصا صلاتها بمصلحة الاثار الليبية واعلانها، في اكتوبر 2019م، عن رعايتها لزيارة وفد من المهندسين الاتراك لاجراء “دراسة لترميم الاثار العثمانية”، والاتفاق مع مصلحة الاثار على تدريب كوادر ليبية في هذا الشأن ، يلفت ذات المراقبين الى أن “تيكا” تم تنشيط أعمالها على يد فيدان هاكان، الذي تولى رئاستها مطلع عام 2003م، وافتتح لها فروعا في كل الدول التي كانت تخضع للسيطرة العثمانية، مشيرين الى ان “هاكان”، المعروف بكاتم اسرار اردوغان ورئيس المخابرات التركية منذ عام 2007م، يؤكد بأن “تيكا” ذراع المخابرات التركية لتحقيق حلم اردوعان العثماني.

المرصد – خاص

Share and Enjoy !

0Shares
0 0