اختصاصيتان تحذّران من تصاعد العنف الأسري في ليبيا وتدعوان لتفعيل القوانين والدعم النفسي

اختصاصية وخبيرة اجتماعيتان تحذّران من تصاعد العنف الأسري في ليبيا وتدعوان لتفعيل القوانين والدعم النفسي

ليبيا – قالت الاختصاصية الاجتماعية الليبية سناء الشتيوي، المنسقة العامة بمركز البحوث النفسية والتربوية التابع للهيئة الليبية للبحث العلمي، إن ظاهرة العنف الأسري وما يصاحبها من جرائم قتل شهدت تصاعدًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، معتبرة أنها من الظواهر الخطيرة التي ترهق المجتمع الليبي وتهدد تماسكه الاجتماعي، وذلك في تصريح خاص لوكالة “سبوتنيك”.

أسباب اجتماعية وسياسية وراء التفكك الأسري
وأوضحت الشتيوي أن أبرز أسباب الظاهرة تعود إلى التفكك الأسري وضعف الروابط داخل الأسرة الواحدة نتيجة غياب التفاهم بين الأزواج وبين الآباء والأبناء، فضلًا عن تأثير الانقسامات السياسية والحروب المتعاقبة والأزمات المتكررة التي مرت بها البلاد. وأضافت أن الأسرة الليبية كانت تقوم تاريخيًا على ترابط وثيق بين العائلة الممتدة، إلا أن المدخلات الاجتماعية الجديدة أسهمت في تفكك هذه الروابط وتراجع دور الآباء والأجداد وفقدان الود بين الأزواج، ما أدى إلى ارتفاع معدلات العنف داخل الأسرة واستخدامه كوسيلة للتعبير عن الغضب والخروج عن السيطرة.

الضغوط الاقتصادية وتفاقم الانفعالات داخل العائلات
واعتبرت الشتيوي أن العوامل الاقتصادية من أبرز أسباب تصاعد العنف الأسري، مشيرة إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والأزمات الاقتصادية مثل نقص السيولة النقدية وأزمات الوقود، وما انعكس عنه من آثار سلبية على الحالة النفسية للعائلات وزيادة حدة الانفعالات لدى الآباء والأبناء، في ظل غياب حلول حقيقية تخفف من أعباء المواطن.

السلاح وضعف المؤسسات وتراجع الثقة بالقضاء
وأكدت الشتيوي أن غياب الأمن والأمان أدى إلى انتشار التعامل بالسلاح في أبسط الخلافات، معتبرة أن استخدام العنف أصبح ثقافة للتعبير عن القوة وفرض الرأي بعيدًا عن الحوار وقبول الرأي الآخر واللجوء إلى المؤسسات المختصة. كما أشارت إلى أن ضعف المؤسسات الأمنية والقضائية أسهم في تفشي العنف، حيث يلجأ كثيرون إلى أخذ حقوقهم بأيديهم مع تراجع الثقة بقدرة هذه المؤسسات على إنصاف المواطنين.

قوانين موجودة وتطبيق ضعيف وامتناع عن الإبلاغ
وأوضحت الشتيوي أن بعض القوانين الليبية تحتاج إلى تطوير وتحديث لتواكب الواقع الحالي، ورغم وجود تشريعات تُجرّم العنف الأسري فإن الإشكالية تكمن في ضعف تطبيقها، لافتة إلى أن الأسر غالبًا ما تمتنع عن التبليغ عن الانتهاكات باعتبارها “شأنًا عائليًا”، كما أشارت إلى أن الطفل المعنّف غالبًا ما يُسحب من والديه عبر إجراءات الوصاية رغم أن الأفضل أن يعيش داخل محيطه العائلي مع توفير الدعم اللازم، في ظل غياب حلول فاعلة للتوعية الأسرية والإرشاد التربوي.

دعوات لحلول عاجلة وأخرى طويلة المدى
وشددت الشتيوي على ضرورة تفعيل الرقابة الأمنية وسن قوانين تحمي حقوق الأفراد وإطلاق حملات توعوية تركز على البدائل التربوية للعنف، إضافة إلى توفير مراكز للدعم النفسي والاجتماعي خاصة للأطفال والنساء. وعلى المدى الطويل، دعت إلى تحديث القوانين بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وتطبيقها بصرامة وإعادة النظر في العقوبات التي وصفتها بأنها غير رادعة، مع الاستثمار في التعليم داخل البلديات وترسيخ قيم الحوار والتسامح وتحسين الأوضاع الاقتصادية بما ينعكس على استقرار الأسرة وجودة التربية.

الشاعري: العنف نتاج أسباب متداخلة ويُعاد إنتاجه عبر الأجيال
ومن جانبها، قالت الأكاديمية والخبيرة في قضايا المجتمع سالمة الشاعري إن تفشي العنف الأسري يعود إلى أسباب اجتماعية ونفسية واقتصادية متداخلة تُنتج بيئة خصبة لتنامي السلوك العنيف داخل الأسرة وتعيد إنتاجه عبر الأجيال. وأوضحت أن الأسباب الاجتماعية تشمل ضعف الوازع الديني وسوء التنشئة وعدم المساواة بين الأبناء والبنات ونشأة الأطفال في بيئات يسودها العنف والخلافات الزوجية، إلى جانب غياب ثقافة الحوار وعدم التكافؤ الفكري والاجتماعي بين الزوجين وتعاطي المخدرات لدى بعض أفراد الأسرة.

آثار نفسية وجسدية واجتماعية ودور مؤسسي “جزئي”
وبيّنت الشاعري أن الأسباب النفسية تتمثل في آثار العنف اللفظي والجسدي مثل الضرب المبرح والتوبيخ المستمر والتحقير وما يخلقه ذلك من مشاعر نقص وعزلة وإحباط قد تدفع الضحايا لاحقًا للعنف ضد الآخرين أو لسلوكيات عدوانية. وفي الجانب الاقتصادي، ربطت الشاعري الظاهرة بالبطالة والفقر وغلاء المعيشة ونقص السيولة وازدياد عدد أفراد الأسرة والأزمات الخدمية كشح الوقود والغاز والانقطاعات المستمرة للكهرباء. كما ربطت تصاعد العنف باستمرار الصراع السياسي والانقسام المؤسسي وما نتج عنه من إضعاف لمؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والقضائية والخدمات الصحية والاجتماعية، مؤكدة أن هذه الأدوار تُؤدى “جزئيًا فقط” في ظل ضعف تطبيق القوانين وتأثير النسيج القبلي والإفلات من العقاب ونقص الموارد والفساد وبطء الإجراءات والتدخلات التنفيذية.

حلول مقترحة للحد من الظاهرة
ودعت الشاعري إلى تبني حلول شاملة تشمل نشر الوعي القانوني وتفعيل القوانين أو سن تشريعات رادعة وتفعيل الخطوط الساخنة للشرطة وتوفير مكاتب للإرشاد الأسري وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والدينية والإعلام وبناء ثقافة مجتمعية ترفض العنف وتنبذه انطلاقًا من القيم الدينية والإنسانية.

Shares