اكتشاف ألواح لعب منحوتة في أطلال مدينة يونانية قديمة بليبيا

تقرير: اكتشاف أكثر من 100 لوحة لعب منحوتة في أطلال مدينة بطليموس القديمة بليبيا

ليبيا – أكد تقرير ميداني نشرته مجلة “لا بروجولا فيردي” البريطانية اكتشاف أكثر من 100 لوحة لعب منحوتة في أطلال مدينة بطليموس اليونانية القديمة في ليبيا (طلميثة ).

نقوش تكشف تفاصيل من الحياة اليومية

وأوضح التقرير، الذي تابعته وترجمته صحيفة المرصد، أن النقوش المنحوتة على كتل حجرية وبقايا مبان تكشف عن تفاصيل من الحياة اليومية لرعاة سكنوا الموقع عندما كان مدينة مدمرة، مشيرًا إلى أن أطلال بطليموس تخفي بين جدرانها المتداعية ظاهرة أثرية فريدة.

ووفقًا للتقرير، تتمثل هذه الظاهرة في مئات الشبكات المنحوتة في الحجر، والمكونة من تجاويف دائرية صغيرة مرتبة في شبكات بأحجام مختلفة.

توثيق أكثر من 100 سطح لعب

وأكد التقرير أن عالمة الآثار في جامعة “وارشو” في بولندا، زوفيا كوفارسكا، وثقت أكثر من 100 من هذه الأسطح منذ استئناف البعثة البولندية أبحاثها في عام 2023، بعد توقف دام قرابة 15 عامًا بسبب الصراع في ليبيا.

وأوضح التقرير أن بطليموس، باسمها العربي المعاصر طلميثة، تقع في منطقة برقة، وهي مدينة أسسها البطالمة الذين حكموا في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد أو خلال القرن الثالث قبل الميلاد، واستمر وجودها حتى الفتح العربي في القرن السابع الميلادي.

حفريات في الأكروبوليس وحطام السفن

وأضاف التقرير أن الحفريات تتركز حاليًا على عدة جوانب، بينها “الأكروبوليس” وبقايا حطام السفن القديمة المغمورة تحت الماء، إلى جانب أعمال الجرد المنهجية التي تجريها كوفارسكا على الألواح المنقوشة على الكتل الحجرية المنتشرة في الموقع.

وبيّن التقرير أن كوفارسكا صرحت لـ”وكالة الأنباء البولندية” بأنها عندما بدأت بحثها كانت تتوقع العثور على عدد قليل من الألواح، قبل أن يتجاوز عددها 100 خلال أيام العمل الأولى، في حصيلة لم تنته بعد، إذ ستستمر الدراسات في الحملات التنقيبية الأثرية المستقبلية.

هواية شائعة في أنقاض المدينة

ونقل التقرير عن كوفارسكا تأكيدها أن الألواح المنحوتة في الأنقاض تشير إلى أن هذه الألعاب كانت هواية شائعة إلى حد ما، إذ يتم أحيانًا العثور على العشرات منها في مكان واحد، فضلًا عن 20 أو 30 منها متجاورة.

وبحسب صور قدمتها عالمة الآثار، فإن انتشار هذه الألواح يشمل جميع أنحاء المنطقة الشرقية من المدينة.

تحديات في تحديد تاريخ النقوش

وبحسب التقرير، بدت أسطح اللعب منحوتة في كتل من الحجر الجيري وشظايا أعمدة رخامية وجدران مبان قديمة، فيما تبرز تحديات في تحديد تاريخ هذه النقوش.

وأشار التقرير إلى أن تحديد تاريخ هذه العلامات يمثل مشكلة منهجية، وفق ما أقرته كوفارسكا نفسها، لعدم وجود عناصر سياقية كافية لتحديد قرن زمني معين لكل لوحة.

ووفقًا للتقرير، يوجد أمر مؤكد مفاده أن جميع الشبكات نُقشت بعد هجر المدينة كمركز مأهول بالسكان، ما يعني أن هذه الألعاب مورست عندما كانت بطليموس أطلالًا على جدران مدينة قديمة لم تعد تؤدي غرضها الأصلي.

أشكال متعددة وشبكات مختلفة

وأضاف التقرير أن لوحات اللعب تتكون من عدد متغير من التجاويف الصغيرة، دائرية الشكل في أغلب الأحيان، مرتبة في تخطيطات مربعة أو مستطيلة.

وأوضح أن أبسط الأمثلة تتضمن شبكة “3×3” بإجمالي 9 ثقوب، فضلًا عن تكوينات شائعة أخرى مثل “5×5″ و”6×6” و”7×7″، وأشكال مستطيلة مثل “4×6”.

وبيّن التقرير أن طول ضلع كل لوحة يتراوح بين 10 و15 سنتيمترًا، فيما أكدت كوفارسكا أن التشابه بين هذه الأدوات المستخدمة في اللعب وتلك الموثقة في مناطق أخرى من شمال إفريقيا ووسطها والشرق الأوسط لافت للنظر.

تشابه مع ألعاب المانكالا

وأضاف التقرير أن العثور على أسطح لعب متشابهة في مناطق مختلفة يشير إلى انتشار واسع لقواعد أساسية سمحت بظهور أشكال متعددة، بعضها يشبه لعبة “المانكالا” ذات الأصل الإفريقي، والممارسة على نطاق واسع في العديد من الدول الإفريقية.

وتحدث التقرير عن الشهادات الشفهية لسكان طلميثة المسنين الحاليين المجاورين للآثار، ممن عملت معهم كوفارسكا، موضحًا أن معظم السكان لم يعودوا يعرفون قواعد الألعاب التي كانت تُلعب على تلك المربعات.

روايات محلية عن قواعد اللعب

وأشار التقرير إلى أن أحد السكان المحليين المسنين وصف لكوفارسكا نوعين من هذه الألعاب لا يزالان يمارسان بطريقة محدودة.

وأوضح أن النوع الأول يُلعب على لوحة مكونة من 9 مربعات، أو شبكة “3×3″، ومخصصة لشخصين، لكل منهما 3 قطع أو بيادق، بقواعد مشابهة للعبة “أكس أو”.

أما النوع الثاني، فكان أشبه بلعبة “الداما” بين لاعبين أيضًا، ويكون الهدف فيه أسر قطع الخصم، ويفوز من يحقق أكبر عدد من عمليات الأسر.

وأضاف التقرير أن القطع المستخدمة لم تكن مرتبطة بمادة محددة، إذ يمكن استخدام الحجارة وشظايا الفخار القديم والبذور وقطع الزجاج وأغطية الزجاجات البلاستيكية، على أن تكون قطع كل لاعب قابلة للتمييز عن قطع اللاعب الآخر.

رعاة استخدموا الآثار كمأوى ونقطة مراقبة

وأكد التقرير أن الفرضية الأساسية للفريق الأثري تشير إلى أن المستخدمين الرئيسيين لهذه الألعاب كانوا رعاة رحلًا أو محليين استخدموا الآثار كمأوى أو نقطة مراقبة.

وبيّن أن الأرض التي شغلتها بطليموس القديمة غير مبنية حاليًا، لكنها محاطة بمساحات شاسعة من أراض كانت تاريخيًا مراعي للماعز والأغنام.

وأضاف التقرير أن وضع الألواح على بقايا مبان ترتفع فوق التضاريس المحيطة، وفي زواياها، يفسره علماء الآثار بأنه خيار وظيفي، إذ كان الرعاة يجلسون في هذه المواقع المرتفعة للتمتع برؤية واضحة تمكنهم من مراقبة القطعان المنتشرة في المناطق المحيطة.

ألعاب جاءت من خارج المدينة

وتابع التقرير أن هؤلاء الرعاة خصصوا جانبًا من وقتهم للعب خلال الساعات التي كانوا يقضونها في المكان نفسه بينما ترعى الحيوانات.

وأشار إلى أن معظم الرعاة الذين جابوا المنطقة ولا يزالون فيها هم من المهاجرين أو السكان الموسميين، وليسوا من سكان بطليموس الأصليين.

وبيّن التقرير أن هذه الحقيقة تدفع علماء الآثار إلى ترجيح أن الألعاب لم تنشأ في المدينة ولم يخترعها سكانها السابقون، بل جُلبت من مكان آخر، إلا أن ممارسات اللعب ترسخت بما يكفي لتبقى مرتبطة بالمجتمع المحلي لأجيال.

تراث شفهي مهدد بالاندثار

ورجح التقرير أن تتيح الدراسات الأثرية المستمرة في بطليموس حصرًا أوسع لألواح اللعب، وربما اكتشاف أنواع جديدة لم توثق بعد.

ووفقًا للتقرير، تقدم المربعات الـ100 التي تم تحديدها بالفعل دليلًا ماديًا على كيفية قيام مجموعة من الرعاة، ممن استقروا مؤقتًا على أنقاض مدينة يونانية رومانية متداعية، بتحويل هذه الآثار الضخمة إلى لوحة لعب جماعية.

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن هذا التراث الشفهي، الذي لا يزال حيًا لدى أحد سكان طلميثة المسنين، يواجه خطر اندثار العادات المعاصرة، إذ تفقد ألعاب الحجارة والبذور شعبيتها لصالح ألعاب الهواتف المحمولة، بما يهدد بمحو آخر آثار قواعد أسعدت لقرون أولئك الذين كانوا يرعون القطعان بين الآثار القديمة.

ترجمة المرصد – خاص

Ptolemais Libya board games city ruins

Ptolemais Libya board games city ruins

Ptolemais Libya board games city ruins

Shares