تقرير بريطاني يسلط الضوء على جهود الحفاظ على تراث بنغازي وهويتها بعد سنوات النزاع
ليبيا – سلط تقرير ميداني نشره موقع أخبار “هيستوري هت” البريطاني الضوء على ما وصفه بـ”ما وراء الأنقاض.. الحفاظ على تراث مدينة بنغازي وهويتها”، متناولًا جهود حماية المواقع التاريخية والتراث الثقافي في المدينة ودورها في دعم التعافي الاجتماعي والمجتمعي.
الهوية الثقافية كضرورة أساسية
وأوضح التقرير، الذي تابعته وترجمته صحيفة المرصد، أن الأولويات العالمية في أعقاب النزاعات تتمحور عادة حول الضروريات العاجلة مثل الغذاء والماء والمأوى، مبينًا أن الأمر يختلف بالنسبة إلى بنغازي، حيث تظل الهوية الثقافية ضرورة أساسية للسكان.
وأشار التقرير إلى أن ليبيا عانت منذ عام 2011 من اضطرابات عميقة، تركت ثاني أكبر مدنها بنغازي مشهدًا من التناقضات الصارخة، حيث تتجاور آثار الماضي المدمرة مع التطور العمراني السريع، ما يثير مع تسارع وتيرة إعادة الإعمار واستقرار الأوضاع أخيرًا تساؤلًا مهمًا حول كيفية الحفاظ على تراث المدينة العريق الذي يعود إلى الحقبة الاستعمارية وسط هذا التغير المتسارع.
فيلم وثائقي عن التراث بعد النزاع
وأكد التقرير أن عملية إنتاج الفيلم الوثائقي الجديد عبر “هيستوري هت” بعنوان “التراث بعد النزاع.. ليبيا”، تضمنت زيارة هذا الميناء المتوسطي الصامد، لاستكشاف كيفية إسهام الحفاظ على المواقع التاريخية والتراث الثقافي في تعزيز التعافي الاجتماعي والمجتمعي.
وأضاف أن الفيلم، المنتج بالتعاون مع “صندوق الآثار العالمي” و”المجلس الثقافي البريطاني”، يقدم منظورًا فريدًا حول التقاء التاريخ بالعمل الإنساني، ويسلط الضوء على أهمية حماية تراث أي مجتمع كخطوة أساسية في بناء مستقبله.
مؤسسة براح وحماية الهوية الليبية
وبيّن التقرير أن رحلة إنتاج الفيلم بدأت من مؤسسة “براح” للثقافة والفنون، التي تتخذ من مبنى إيطالي يعود إلى الحقبة الاستعمارية في مركز بنغازي التاريخي مقرًا لها.
ووفقًا للتقرير، يدعم “صندوق الآثار العالمي” و”صندوق حماية التراث الثقافي” بالمجلس الثقافي البريطاني الموقع، بوصفه مشروعًا للحفاظ على التراث ومركزًا ثقافيًا في آن واحد.
ونقل التقرير عن مؤسس “براح” حازم الفرجاني قوله إن “براح” تعني مكانًا واسعًا رحبًا، موضحًا أن المتطوعين يجتمعون فيها لممارسة الحرف اليدوية التقليدية والشعر والموسيقى والتصوير الفوتوغرافي.
وأضاف الفرجاني أن هذا المشروع أساسي للحفاظ على الهوية الليبية، قائلًا إنه إذا نُسيت الهوية فقدت الحياة معناها، مؤكدًا أن لدى ليبيا تراثًا يجب نقله إلى الجيل الجديد حتى لا ينسى هويته.
ترميم قصر المنار بدل هدمه
وبيّن التقرير أن “براح” تبرهن، من خلال إشراك الشباب المحلي، أن الحفاظ على التراث الثقافي ليس مجرد ترف، بل أداة عملية لتحقيق استقرار المجتمع والتعافي على المدى الطويل.
وتناول الفيلم الوثائقي عملية ترميم “قصر المنار”، المشيد في ثلاثينيات القرن الماضي، والذي كان مركزًا إداريًا في مدينة بنغازي خلال الحقبة الاستعمارية الإيطالية، قبل أن يتعرض لأضرار بالغة عندما تحول إلى ساحة معركة حقيقية، إذ خلّفت المعارك التي دارت من غرفة إلى أخرى أجزاء مجوفة من المبنى بفعل النيران، وألحقت به تشققات هيكلية.
ونقل التقرير عن مدير فرع جهاز إدارة المدن التاريخية في بنغازي والي العبيدي قوله إن القرار جاء بترميم الموقع بدلًا من هدمه، مبينًا أن هدم الأنقاض كان سيكون أسهل، إلا أن ذلك سيكون بمثابة نسيان جماعي، لأن الموقع جزء من ذاكرة المدينة ولا يمكن محو جزء كبير من تاريخها.
سرد شفاف لتاريخ بنغازي
وأكد التقرير أن المشاهدين سيتابعون ثمار هذا العمل، بما في ذلك الرخام الأصلي الذي نجا من النيران، وعلامات الصانع الإيطالي على الفسيفساء المرممة، موضحًا أنه بدلًا من إخفاء هذه التفاصيل للتستر على ماض استعماري مؤلم، يتم ترميمها بدقة لتقديم سرد شفاف لتاريخ بنغازي المعقد.
وأضاف أن الفيلم الوثائقي لا يتجاهل آثار الحرب، ويمنح فرصة نادرة للوصول إلى أطلال الكاتدرائية في بنغازي، ذلك الصرح البارز من ثلاثينيات القرن الماضي، الذي نجا من الحرب العالمية الثانية قبل أن يتعرض لاحقًا لأضرار جسيمة خلال المعارك الأخيرة.
المساحات العامة وخدمة المجتمع الحديث
ونقل التقرير عن جون دارلينجتون من “صندوق الآثار العالمي” قوله إن بقاء هذه المواقع على المدى الطويل يعتمد غالبًا على إيجاد طرق جديدة لخدمة المجتمع الحديث.
وأضاف دارلينجتون أن هذا النهج العملي، الذي يعطي الأولوية للإنسان، ينعكس في ترميم المساحات المفتوحة مثل ساحة السكابلي، إحدى أقدم ساحات الأحياء في المدينة، موضحًا أن إعطاء الأولوية لتنظيف وتنسيق هذه المناطق العامة يؤكد أن الحفاظ على التراث الثقافي لا يقتصر على المعالم الأثرية الضخمة، بل يشمل أيضًا المساحات العامة العملية التي يجتمع فيها السكان من مختلف الأعمار ويتواصلون اجتماعيًا.
قورينا وإمكانات السياحة التراثية
وبحسب التقرير، يتناول الفيلم الوثائقي أيضًا منطقة قورينا الأوسع، التي استوطنها الإغريق منذ أكثر من 2500 عام، كجزء من “البنتابوليس”، مجموعة المدن الخمس ومن بينها بنغازي.
وأشار التقرير إلى أن معبد “زيوس” المهيب يبرز إمكانية دعم السياحة التراثية للاقتصاد الليبي وتعزيزه في نهاية المطاف.
ونقل عن منى حبيب من “المجلس الثقافي البريطاني” قولها إن الهدف الأساسي يبقى الحماية، معتبرة أنه عند حماية التراث تتم حماية الناس المحيطين به وذكرياتهم.
دور محوري للمنظمات المحلية
وبيّن التقرير أن الفيلم الوثائقي يسلط الضوء على الدور المحوري للمنظمات غير الحكومية المحلية في هذا المسعى، إذ تعيش وتعمل بين هذه المواقع الأثرية القديمة، وتمتلك مستوى من التواصل والثقة قد لا تتمكن المنظمات الدولية من تحقيقه بسهولة.
وأضاف أن الفيلم يقدم نافذة نادرة على التوازن الدقيق بين الدمار والنهضة، بداية من بقايا الكاتدرائية المتضررة وصولًا إلى الترميم الدقيق لـ”قصر المنار”.
التراث محرك للتعافي بعد الحرب
وأشار التقرير إلى أن الفيلم يكشف أن الرحلة من نبض بنغازي الحضري إلى أعالي قورينا العريقة تتجاوز مجرد الحفاظ على الحجارة، لتسلط الضوء على المهندسين المعماريين المحليين وأصحاب الرؤى ممن كرسوا جهودهم لإعادة البناء.
وأضاف أن صون التراث يمثل محركًا حيويًا للاستقرار الاجتماعي والتعافي المجتمعي بعد الحرب، معتبرًا أن الصراع يمكن أن يدمر أفق المدينة، إلا أن الهوية الثقافية التي تشكلت داخل أسوارها تبقى قوة يصعب إخمادها.
ترجمة المرصد – خاص

