نظام «الطيبات» يثير القلق في ليبيا.. حمية متداولة قد تتحول إلى خطر على مرضى السكري والضغط
ليبيا – مع اتساع الجدل في عدد من الدول العربية حول ما يعرف بـ«نظام الطيبات»، تتزايد المخاوف من تحوله إلى خطر صحي حقيقي، خصوصًا مع رواجه بين آلاف المتابعين على منصات التواصل، ومن بينهم ليبيون يتداولون تجارب شخصية ويعرضون قصصًا عن ترك بعض الأطعمة أو تقليل الأدوية أو التعامل مع النظام باعتباره بديلًا عن المتابعة الطبية.
ولا توجد حتى الآن إحصاءات رسمية تحدد عدد الليبيين الذين يتبعون هذا النظام، غير أن حجم تداوله في الصفحات والمجموعات والمنصات الليبية، وظهور نقاشات إعلامية محلية حوله، يكشفان أن المسألة لم تعد مجرد جدل مصري أو مغربي، بل أصبحت ظاهرة عربية عابرة للحدود، تستدعي تنبيهًا واضحًا قبل أن يدفع المرضى ثمن الثقة في نصائح غذائية غير مثبتة علميًا.
استنفار في المغرب بسبب مضاعفات خطيرة
عاد الجدل بقوة بعد تقارير إعلامية مغربية أفادت بأن مصلحة المستعجلات في المستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء شهدت ضغطًا متزايدًا بسبب توافد مرضى سكري وارتفاع ضغط الدم في حالات حرجة، بعد اتباعهم ما يعرف بـ«نظام الطيبات». وذكرت وسائل مغربية أن بعض الحالات وصلت بمضاعفات مرتبطة بتدهور مستوى السكر والضغط، وأن عددًا من المرضى التزموا بالحمية من دون الرجوع إلى أطباء مختصين، رغم معاناتهم من أمراض مزمنة.
وبحسب ما نشره موقع «Le360» المغربي، فإن بعض الحالات الوافدة إلى المستعجلات صرحت خلال التشخيص بأنها توقفت عن استعمال الأنسولين، ما تسبب في مضاعفات، خصوصًا أن النظام يركز على الأرز الأبيض والبطاطس باعتبارهما مصدرين أساسيين للطاقة، رغم أن هذين الصنفين قد يسببان تذبذبًا سريعًا في سكر الدم إذا لم تضبط الكميات طبيًا وبحذر شديد.
من حمية غذائية إلى بديل خطير عن العلاج
خطورة «الطيبات» لا تكمن فقط في كونه نظامًا غذائيًا صارمًا، بل في طريقة الترويج له لدى بعض المتابعين باعتباره قادرًا على علاج أمراض مزمنة أو تقليل الحاجة إلى الدواء. وهنا يتحول الأمر من اختيار غذائي شخصي إلى تهديد مباشر، لأن مريض السكري أو الضغط لا يستطيع التعامل مع جسده بمنطق التجربة العامة أو نصائح المقاطع القصيرة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن مرضى السكري من النوع الأول يحتاجون إلى الإنسولين يوميًا للبقاء على قيد الحياة، كما أن بعض مرضى السكري من النوع الثاني يحتاجون إلى أدوية أو حقن إنسولين للسيطرة على مستوى السكر، إضافة إلى حاجة كثير من مرضى السكري لأدوية خفض ضغط الدم أو أدوية للحد من مخاطر المضاعفات.
ومن أخطر ما قد يحدث عند التوقف عن الإنسولين أو عدم أخذه بالكميات المناسبة ظهور الحماض الكيتوني السكري، وهو حالة إسعافية خطيرة. وتوضح الجمعية الأميركية للسكري أن نقص الإنسولين يؤدي إلى تراكم الأحماض الكيتونية في الجسم، وأن هذه الحالة طارئة وتحتاج غالبًا إلى دخول المستشفى والعلاج بالإنسولين والسوائل الوريدية. كما تذكر هيئة الخدمات الصحية البريطانية أن الحماض الكيتوني قد يكون مهددًا للحياة، وأن أسبابه تشمل عدم أخذ كمية كافية من الإنسولين.
لماذا ينجذب المرضى إلى هذا النوع من الأنظمة؟
ينتشر هذا النوع من الأنظمة عادة بين مرضى الأمراض المزمنة لأنهم مرهقون من الأدوية والمتابعة والفحوصات، ويريدون حلًا سريعًا ونهائيًا. بعضهم يصدق فكرة أن الطعام وحده قادر على تصحيح كل شيء، وبعضهم يتأثر بشهادات شخصية لأشخاص يقولون إنهم تحسنوا بعد النظام، من دون معرفة حالتهم الطبية بدقة أو تحاليلهم أو نوع مرضهم أو الأدوية التي كانوا يستخدمونها.
وهذا بالضبط ما يجعل الخطر أكبر، فالتجربة الفردية لا تصلح قاعدة عامة. قد يقل وزن شخص ما بعد حذف أطعمة كثيرة، وقد تتحسن قراءات السكر مؤقتًا بسبب تغيير نمط الأكل، لكن هذا لا يعني أن المرض اختفى أو أن الدواء لم يعد ضروريًا. أي تغيير علاجي لمريض سكري أو ضغط يجب أن يتم بقياسات منتظمة وتحت إشراف طبيب، لا عبر مقاطع أو مجموعات إلكترونية.
وفاة صاحب النظام لم توقف الجدل
ارتبط «نظام الطيبات» باسم الطبيب المصري ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة، الذي أثارت وفاته المفاجئة جدلًا واسعًا. وأشارت تقارير إعلامية إلى أن وزارة الخارجية المصرية أكدت أن التقرير الطبي بشأن وفاته أثبت أن الوفاة طبيعية وبسبب جلطة مفاجئة بالقلب، من دون وجود شبهة جنائية.
وقبل وفاته، كانت نقابة الأطباء المصرية قد شطبت عضويته ومنعته من مزاولة المهنة، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عن النقابة، بسبب اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مثبتة علميًا عبر وسائل التواصل. كما نقلت «الشرق الأوسط» عن نقيب الأطباء في مصر أن النقابة فصلته بعد إحالته للجنة التأديب نتيجة ترويجه نصائح طبية تخالف القواعد العلمية المعروفة.
ماذا يقول العلم عن «الطيبات»؟
بحسب عرض نشرته «الجزيرة نت»، يقوم النظام على تقسيم الأطعمة إلى أطعمة «طيبة» وأخرى «خبيثة» أو «سامة»، ويفضل الطعام المطبوخ، ويضع قوائم طويلة من الممنوعات، تشمل أصنافًا غذائية واسعة مثل البيض والدواجن والبقوليات وأنواع كثيرة من الخضروات، إضافة إلى نصائح مثل شرب الماء عند العطش فقط. وخلص التقرير إلى أن حذف مجموعات غذائية كاملة يثير تساؤلات علمية حول توازن النظام على المدى الطويل.
كما أشار التقرير نفسه إلى أن التوصيات العلمية العامة تميل إلى الاعتدال والتوازن، عبر اختيار الحبوب الكاملة والبروتينات النباتية ومجموعة متنوعة من الفواكه والخضروات، وتقليل الملح والسكر والدهون الحيوانية والأطعمة المصنعة، مع إدخال البقوليات والمكسرات والأسماك واللحوم قليلة الدسم ضمن نمط صحي للقلب. وهذا يتعارض مع فلسفة أي نظام يحذف مجموعات غذائية كاملة من دون مبرر طبي فردي.
السكري والضغط ليسا مجالًا للتجارب
مرضى السكري والضغط هم الفئة الأكثر عرضة للخطر في هذه الظاهرة. فهؤلاء لا يتعاملون مع زيادة وزن أو اضطراب هضمي بسيط، بل مع أمراض مزمنة قد تؤدي إلى مضاعفات في القلب والكلى والعينين والأوعية الدموية والدماغ. ومنظمة الصحة العالمية تؤكد أن السكري من النوع الثاني، إذا لم يعالج، قد يؤدي إلى ارتفاع سكر الدم لمستويات عالية، ومع مرور الوقت يمكن أن يسبب ضررًا خطيرًا للأعصاب والأوعية الدموية.
أما مرضى الضغط، فإن إيقاف الدواء أو الاعتماد على نظام غذائي غير مضبوط قد يرفع خطر الجلطات ومضاعفات القلب والدماغ. لذلك فإن أي حديث عن ترك العلاج أو تخفيفه يجب أن يكون قرارًا طبيًا مبنيًا على قياسات وفحوصات ومتابعة، وليس استجابة لنصيحة عامة منشورة على الإنترنت.
الخطر الأكبر: الثقة في الشهرة و “الترند” بدل الطبيب
المشكلة الحقيقية في «الطيبات» ليست اسم النظام فقط، بل ثقافة أخذ النصيحة الصحية من شخص مشهور أو مؤثر أو من مجموعة إلكترونية. الشهرة لا تعني الدقة، واللغة المقنعة لا تعني وجود دليل، وتجارب المتابعين لا تعوض الدراسات السريرية والفحص الطبي.
وقد حذرت تقارير مصرية من أن انتشار النظام استهدف فئات تشعر بالإرهاق من العلاج المستمر، خاصة مرضى الأمراض المزمنة، ما يجعلهم أكثر عرضة لتصديق الطروحات التي تعدهم بالشفاء أو الاستغناء عن الدواء. كما نقلت تقارير عن نقابة الأطباء المصرية أنه لم تقدم أدلة علمية موثقة تدعم المزاعم العلاجية المرتبطة بهذا النظام.
رسالة تحذير
على الليبيين الذين يتبعون «نظام الطيبات» أو يفكرون في تجربته أن يدركوا أن تغيير الطعام أمر ممكن ومفيد في كثير من الحالات، لكن تحويله إلى بديل عن الدواء قد يكون قاتلًا. لا يجوز لمريض السكري أن يوقف الإنسولين أو الأقراص بناء على منشور أو مقطع فيديو. ولا يجوز لمريض الضغط أن يوقف علاجه لأن شخصًا آخر قال إنه تحسن بعد حمية معينة.
الأصح أن يراجع المريض طبيبًا مختصًا أو أخصائي تغذية سريرية، وأن يجري التحاليل اللازمة، وأن يتابع قراءات السكر والضغط بانتظام. ويمكن للطبيب تعديل الدواء إذا تحسنت الحالة فعلًا، لكن التعديل يجب أن يتم تدريجيًا وبناء على أرقام واضحة، لا بناء على شعور عام أو حماس جماعي.
ظاهرة صحية مقلقة
«نظام الطيبات» لم يعد نقاشًا عابرًا على مواقع التواصل، بل تحول إلى ظاهرة صحية مقلقة في أكثر من بلد عربي. تقارير المغرب تحدثت عن حالات حرجة في مستشفى ابن رشد، وتقارير مصر تحدثت عن إجراءات نقابية ضد مروج النظام، ومصادر طبية عالمية تؤكد أن إيقاف علاج السكري أو الإنسولين قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة ومهددة للحياة.
لذلك، فإن التحذير اليوم ليس من الطعام الطبيعي أو من تنظيم الغذاء، بل من الوهم بأن الحمية وحدها تستطيع علاج كل شيء. الغذاء جزء من العلاج، لكنه ليس بديلًا عن الطبيب، وليس بديلًا عن الدواء، وليس مبررًا للمغامرة بحياة مرضى السكري والضغط.
المرصد – متابعات

