تقرير: الاقتصاد الليبي تحول إلى آلة لتوزيع الأموال لا إلى نموذج إنتاج وتنمية

أزمة ليبيا ليست في اختيار نموذج اقتصادي بل في عجز الدولة وبيئة الفساد

ليبيا – تساءل تقرير اقتصادي نشره موقع أخبار “أوز عرب ميديا” الأسترالي الناطق بالعربية عن النظام الاقتصادي الذي يمكن أن يسهم في إنقاذ ليبيا من أزماتها، في ظل ارتفاع الأسعار بشكل حاد، وقفزة سعر صرف الدولار أمام الدينار، ونفاد السيولة النقدية في المصارف.

جدل بين رأسمالية السوق والاشتراكية الحكومية
وأوضح التقرير، الذي تابعته صحيفة المرصد، أن الأزمات الحالية تعيد طرح سؤال مألوف حول ماهية النظام الاقتصادي المطلوب، وما إذا كان يتمثل في رأسمالية السوق أو الاشتراكية الحكومية، مشيرًا إلى أن بعضهم يرى الحل في فتح السوق بالكامل، فيما يحن آخرون إلى الاشتراكية بوصفها ملاذًا للعدالة الاجتماعية وسيطرة الدولة على كل شيء.

أزمة دولة لا أزمة نظرية اقتصادية
وبحسب التقرير، فإن الحقيقة التي يجب مواجهتها هي أن ليبيا لا تعاني من مشكلة اختيار نظام اقتصادي بقدر ما تواجه أزمة دولة عاجزة عن فرض أي نوع من الأنظمة، رغم امتلاكها موارد هائلة من النفط والغاز والمياه، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وعدد سكان صغيرًا نسبيًا.

بلد غني يعاني أزمات معيشية وبنية متداعية
وأضاف التقرير أن البلاد لا تزال تعاني أزمات معيشية حادة وبنية تحتية متداعية واقتصادًا مفككًا، ما يثير التساؤل حول أسباب تحول بلد غني إلى آخر فقير، معتبرًا أن المشكلة لا تكمن في ندرة الموارد بل في طريقة إدارة الدولة ذاتها.

الفساد يحول أي نموذج اقتصادي إلى فوضى
وتابع التقرير أن استيراد أفضل النظريات الاقتصادية أو طرح خطط الإصلاح والتنمية لن يحل المشكلة، إذ عندما تغرق المؤسسات المسؤولة في الفساد يصبح القانون أداة لتبرير التجاوزات، وتتفوق شبكات المصالح على الدولة وقوانينها، ما يجعل أي نموذج اقتصادي ينحدر تلقائيًا إلى الفساد والفوضى.

دولة ريعية واقتصاد لتوزيع الأموال
وأشار التقرير إلى أن ليبيا تحولت تدريجيًا إلى دولة ريعية تعتمد على عائدات الموارد الطبيعية بدل الإنتاج الحقيقي، وأن النفط لم يسهم في بناء اقتصاد متنوع، بل خلق نموذجًا يتسم بوظائف حكومية متضخمة، ودعم عشوائي، واستهلاك مرتفع، واعتماد شبه كامل على الدولة كمصدر للدخل.

صراع على عائدات النفط لا على بناء الدولة
وبيّن التقرير أن الاقتصاد تحول بمرور الوقت إلى آلة لتوزيع الأموال بدل أن يكون اقتصادًا منتجًا ومبتكرًا، ليصبح الصراع حول من يسيطر على عائدات النفط لا حول من يبني ليبيا، معتبرًا أن الفساد لم يعد مجرد سوء سلوك من مؤسسة أو مسؤول، بل تحول إلى نظام حكم غير معلن قائم على شبكات المصالح وآليات شراء الولاء والاقتصاد الموازي.

إصلاحات عملية لا شعارات
وأوضح التقرير أن الدول التي نجحت في الحد من الفساد لم تعتمد على حسن النية، بل على إجراءات عملية مثل رقمنة الخدمات، وتتبع الإنفاق إلكترونيًا، والحد من المعاملات النقدية، وربط المؤسسات بقواعد بيانات موحدة، وسد الثغرات التي تسمح بتحول الدولة إلى أداة للنهب.

رفض الرأسمالية المطلقة والاشتراكية البيروقراطية
وحذر التقرير من الاعتقاد بأن تحرير الاقتصاد بالكامل كافٍ للحل، معتبرًا أن السوق الحرة في دولة ضعيفة قد تتحول إلى كارثة، لأنها لا تنتج منافسة عادلة بل احتكارات ومافيات اقتصاد وتهريبًا وتواطؤًا بين المال والسلاح. وخلص إلى أن ليبيا لا تحتاج إلى رأسمالية مطلقة أو اشتراكية بيروقراطية، بل إلى اقتصاد سوق منظم تدعمه دولة قوية ومؤسسات صارمة، مع السماح للقطاع الخاص بالنمو.

إصلاح الدعم تدريجيًا وتنظيم القطاع الخاص
وشدد التقرير على ضرورة فرض ضوابط حقيقية على المصارف والعملة والنفط والاحتكارات وتدفق الأموال، وحماية المنافسة ومنع تحول الاقتصاد إلى فوضى، معتبرًا أن البداية يجب أن تكون من معالجة الدعم، وعلى رأسه دعم الوقود الذي تحول من أداة لحماية الفقراء إلى تجارة مربحة تنتهي أجزاء كبيرة منها إلى التهريب والسوق السوداء، مع التأكيد أن رفع الدعم فجأة سيمثل صدمة كبيرة، وأن الحل يكمن في إصلاحه تدريجيًا عبر مساعدات نقدية مباشرة وأنظمة رقمية دقيقة.

تقليص الإنفاق وبناء اقتصاد منتج
وأشار التقرير إلى ضرورة خفض الإنفاق الحكومي عبر تقليص مرتبات ومزايا المسؤولين، وتقليل البعثات الدبلوماسية، وتنظيم الوفود، والحد من تضخم الموظفين في الوزارات الخدمية، إلى جانب دعم وتنظيم القطاع الخاص، مؤكدًا أن الدولة التي توظف الجميع تخنق الاقتصاد، وأن الاقتصاد الحقيقي لا يُبنى بتوزيع المرتبات بل عبر الصناعة والخدمات والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والطاقة.

الحاجة إلى دولة تغلق باب الفساد
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن ليبيا لا تحتاج إلى عبقري اقتصادي بقدر ما تحتاج إلى دولة قادرة على إغلاق الباب أمام الفساد وفرض القانون وتنظيم الاقتصاد.

المرصد – متابعات

Shares