ليبيا بين الفشل والإنقاذ وسط تفاقم الأزمات واستمرار الصراع على السلطة
ليبيا – تناول تقرير تحليلي نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية تفاقم الأزمات واستمرار الصراع المرير على السلطة في ليبيا، من دون السعي لإيجاد حلول حقيقية لها.
مساحات أزمات متفاقمة
وأوضح التقرير، الذي تابعته صحيفة المرصد، أن ليبيا تقف اليوم بين “الفشل والإنقاذ” في ظل مساحات متنوعة من الأزمات المتفاقمة التي أثقلت كاهل البلاد وشعبها، مبينًا أنها تتراوح بين مأزق الفراغ التشريعي والدستوري وتغييب الهوية السياسية، مرورًا بإهدار المال العام وتجاوز جغرافيا الوطن بولاءات خارجية.
حديث عن تفتيت ديموغرافي
ووفقًا للتقرير، حولت هذه الأزمات ليبيا إلى مجرد محطة ترانزيت لدى البعض، خاصة ممن يحنون إلى عودة المستعمر بعباءة جديدة ومختلفة، في ظل وجود ما وصفه بـ”قراءة شريرة” للمكون الديموغرافي الليبي لتفتيته بنزعات إثنية ضاربة في الاضمحلال منذ سنوات وإحياء نعراتها، وآخرها استحداث إقليم المنطقة الوسطى.
وأشار التقرير إلى أن هذا الإقليم الرابع جاء بعد تخلص البلاد من أقاليمها التاريخية الثلاثة برقة وطرابلس وفزان، فبعد مرور نحو 70 عامًا على جعل ليبيا بلا أقاليم، ظهر من يريد عودتها لتقسيم الوطن أكثر مما هو منقسم على نفسه، في محاولة لخلق مزيد من التشظي السياسي والجغرافي.
تصحر سياسي وانقسام داخلي
وأضاف التقرير أن ليبيا تعيش اليوم حالة تصحر سياسي تشبه تصحرها الجغرافي الكبير، بسبب النخبة الفاسدة والنفعية التي جلها ضمن “حزب الكنبة” وموقف المتفرج على ما يحدث فوق تراب البلاد، مع الاكتفاء بالصمت وقليل من الثرثرة أحيانًا لتحقيق مكاسب فئوية خاصة تجعل منها رهينة للعبودية المختارة.
وتابع التقرير أن ليبيا المنقسمة سياسيًا وجغرافيًا بين شرق وغرب تعاني أزمة مشتركة محلية بالدرجة الأولى، نتيجة انقسام نخبها السياسية بين متعنت وفاشل ومراهن على الاستقواء بالأجنبي، وطاعة مرشد من خارج حدود الوطن يحمل أجندات تخريبية خاصة من جماعات الإسلام السياسي.
أدوار خارجية وترحيل للأزمات
وأضاف التقرير أن هناك نخبًا وطنية تتلمس طريقها عبر مواجهة تكتل إقليمي ودولي متغول وعابث بالمشهد الليبي، وأطرافًا خارجية تحكمها تقاطعات المصالح ونصيبها من الكعكة الليبية، مبينًا أن الأزمة الليبية تعاني من عمليات الترحيل المتعمد من غدامس إلى الصخيرات إلى تونس إلى جنيف.
وتابع التقرير أن هذه العملية تواكب إعادة تكرار الوجوه والشخوص ذاتها تقريبًا بترتيب مختلف، مشيرًا إلى أن الدولة المنهارة في التعريف السياسي تمثل مرحلة متقدمة من الدولة الفاشلة، وفقًا لرؤية المفكر الأميركي روبرت روتبرغ، وتعبيرًا عن فراغ كامل للسلطة في إقليم جغرافي محدد.
مؤشرات الدولة الفاشلة
وأشار التقرير إلى أن الدولة التي لا تستطيع القيام بوظائفها الأساسية وتعجز عن تأمين الأمن والغذاء لمواطنيها تصبح فاشلة إذا فقدت السلطة القائمة والفعلية على أراضيها، بفقدانها شرعية اتخاذ القرارات والقدرة على تنفيذها، وعجزها عن التعاطي مع الدول الأخرى كعضو فاعل في الأسرة الدولية.
وتابع التقرير أن هذا ينطبق على ليبيا، حيث تمثل عرقلة بناء مؤسسات الدولة وتعطيلها من علامات الدولة الفاشلة، بسبب سيطرة آيديولوجيا أو جماعة دينية أو مناطقية من خلال ميليشيات مسلحة، ما يدفع الدولة قهرًا نحو الفشل.
صراع أجنبي ونهب للثروات
وأضاف التقرير أن ما يحدث في ليبيا يمثل أزمة وطن يئن من أزمات متعددة ومتجددة ومستمرة، لا يتحمل المسؤولية عنها الداخل وحده، إذ يدور على أرض البلاد صراع قوى أجنبية غارقة في نهب ثرواتها، في ظل محاولات وطنية تقودها القوات المسلحة لاستعادة الوطن من الميليشيات المسلحة والجماعات الضالة.
وتابع التقرير أن هذه المحاولات تقابلها ممانعة ومعارضة من قوى خارجية ترغب في بقاء الأوضاع على حالها واستمرار الفوضى للسيطرة على ثروات البلاد، في وقت طال فيه أمد هذا الحال كثيرًا، مع وجود أمل في استرداد النخب الليبية عاصمة بلادها المختطفة من قبل الميليشيات المسلحة.
أمل في النهوض والاستقرار
وأضاف التقرير أن الأمل قائم أيضًا في تحقق الأمن والاستقرار وبدء عجلة التنمية في الدوران، مبينًا أن من قرأ التاريخ وتمعن فيه يدرك أن ليبيا لن تكون دولة فاشلة، وستنهض بعزيمة المخلصين من أهلها لتخرج من دائرة فشل أُجبرت على أن تكون فيها بتآمر دولي هدفه نهبها.
وتابع التقرير أن هذه المحاولة تضمنت جعل ليبيا موطنًا للفوضى ومأوى للجماعات الإرهابية ومكانًا للتوطين، داعيًا إلى تحقيق ما سماه “الديمقراطية التوافقية” من خلال نسخة “الليوجيركا” أو الاجتماع الموسع للقبائل بوصفها “المكون المجتمعي الحقيقي”، بهدف الخروج من الأزمة الليبية.
حوار ليبي داخل ليبيا
وأضاف التقرير أن هذا النموذج يجب أن يجمع وجهاء المجتمع وعلماء الدين ورجال السياسة وأساتذة الجامعات والمفكرين في تجمع مصالحة عامة، للخروج من مأزق الفراغ التشريعي والدستوري بعد عجز الوجوه السياسية الموجودة في المشهد عن إخراج البلاد من مستنقع الخلاف والتشظي السياسي.
واختتم التقرير بالتأكيد على أهمية أن يبقى الحوار الليبي ليبيًا وعلى أرض ليبية لا خارجها، وضمن ثوابت وطنية تحترم الخيار الديمقراطي المنطقي المرحب به، لا في جنيف أو أي مكان آخر، مشددًا على أن الحل لا بد أن يكون ليبيًا إن أريد له النجاح.
المرصد – متابعات

