خبراء للجزيرة: المبادرة الأمريكية قد تنجح في توحيد السلطة الليبية مؤقتًا

خبراء للجزيرة: مبادرة بولس قد تنجح في توحيد السلطة الليبية مؤقتًا

ليبيا – تناول برنامج “القصة من الداخل” المذاع عبر قناة “الجزيرة الإنجليزية” فرص نجاح المبادرة التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، والمدعومة من تركيا، في توحيد الأطراف والمؤسسات الليبية، وسط تساؤلات بشأن قدرة هذا التحرك على إنهاء الصراع بعد فشل جهود دولية مماثلة خلال السنوات الماضية.

واستضاف البرنامج، الذي تابعته وترجمت أبرز ما ورد فيه صحيفة المرصد، خبراء الشأن السياسي أنس القماطي وويليام لورانس ومراد أصلان، لمناقشة ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على إنهاء الصراع في ليبيا، في وقت يبحث فيه الليبيون عن مخرج من دائرة عدم الاستقرار وتدهور الخدمات والانقسام السياسي والمؤسسي.

القماطي: ليبيا مسرح لتنافس القوى الكبرى والثقة بين الأطراف شبه معدومة

وقال القماطي إن ليبيا أصبحت مسرحًا للتنافس بين القوى الكبرى، في وقت انحصرت فيه تطلعات الليبيين منذ العام 2011 في انتقال السلطة إلى حكومة مدنية وديمقراطية ومسؤولة، إلا أن البلاد شهدت بدلًا من ذلك 7 حكومات انتقالية وما لا يقل عن 3 حروب داخلية.

وأضاف أن الصعوبة لا تقتصر على جعل الليبيين يتفقون، بل تشمل أيضًا دفع القوى الأجنبية الرئيسية إلى التوافق، مشيرًا إلى وجود استعداد أكبر للتفاهم بين بعض القوى الخارجية مقارنة بالجماعات المتنافسة على الأرض التي خاضت حروبًا متكررة من دون عملية مصالحة حقيقية.

وأكد القماطي وجود نقص كبير في الثقة نتيجة غياب المصالحة والمحاسبة خلال السنوات الـ15 الماضية، لكنه رأى أن الليبيين لم يفقدوا الأمل بالكامل في إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية.

أصلان: المدن والقبائل والجماعات المسلحة عناصر حاسمة في التماسك الليبي

من جانبه، قال أصلان إن فهم الواقع الليبي يتطلب إدراك خصوصية البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع، موضحًا أن المدن تشكل أساسًا مهمًا لهوية المواطنين، بينما تتزايد أهمية القبائل ورؤساء البلديات والجماعات المسلحة في المناطق الشرقية والجنوبية.

وأضاف أن التماسك الاجتماعي يحتاج إلى قاعدة تعزز هوية مشتركة، مشيرًا إلى أن تضارب المصالح والهويات والسلاح والتيارات السياسية يؤدي بسهولة إلى الأزمات، إلا أن الأطراف الليبية تعود في نهاية المطاف إلى الحوار وتتمكن في أحيان كثيرة من بناء تفاهمات مشتركة، ما يجعل الحالة الليبية مختلفة عن غيرها وتتطلب مقاربة خاصة.

لورانس: نجاح دولي نسبي اقتصاديًا وأمنيًا مقابل تعثر المسار السياسي

وقال لورانس إن المجتمع الدولي حقق نجاحًا نسبيًا أكبر في المجالين الاقتصادي والأمني مقارنة بالمسار السياسي، موضحًا أنه بعد طرح خارطة طريق لإجراء استحقاقات انتخابية جديدة انتقل النقاش خلال شهري يونيو ويوليو الماضيين إلى الحديث عن اتفاق جديد لتقاسم السلطة.

وأضاف أن المجتمع الدولي يريد إعادة توحيد ليبيا واستقرارها لأسباب متعددة، بينها الحرب في أوكرانيا والتوترات المرتبطة بإيران واحتياجات الطاقة، إلا أن المشكلة الأساسية المتعلقة بقدرة الليبيين على حكم أنفسهم بطريقة ديمقراطية وشفافة لم تُحل بعد، معتبرًا أن هذا الهدف لا يزال بعيدًا.

القماطي: الانتخابات هدف الليبيين وليست أولوية واضحة للمجتمع الدولي

ورأى القماطي أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية تمثل هدفًا أساسيًا للشعب الليبي، لكنه شكك في كونها هدفًا فعليًا للمجتمع الدولي، مشيرًا إلى أن التحرك الأخير الذي يقوده بولس اكتسب زخمًا أكبر من محاولات سابقة رغم غياب الوضوح بشأن طبيعة الاتفاق المطروح.

وقال إن بولس بدأ من نهاية المسار عبر الحديث عن المناصب وتقاسم السلطة، من دون توضيح الآليات أو الأطراف التي ستوقع الاتفاق أو ما سيحدث في اليوم التالي لتشكيل السلطة الجديدة وكيفية توزيعها، محذرًا من أن أحد أبرز المخاطر يتمثل في تجاهل الانتخابات الرئاسية والتشريعية أو تأجيلها.

وأضاف أن قرابة مليونين و800 ألف ليبي مؤهلون للتصويت ومسجلون انتخابيًا وشارك كثير منهم في الانتخابات المحلية، إلا أنهم لا يزالون محرومين من اختيار من يحكم البلاد ومن يتحمل مسؤولية تدهور الخدمات، لا سيما في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة.

وأكد القماطي أن تشكيل حكومة موحدة لا يمثل في حد ذاته خطة لبناء حكومة مسؤولة ومستجيبة للمواطنين، مشددًا على الحاجة إلى قضاء فعال للمحاسبة ومؤسسات تعتمد على الكفاءات، إلى جانب وجود خطة واضحة لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

لورانس: ليبيا تملك الثروة والكوادر لكن الخلل المؤسسي يعطل إمكاناتها

وقال لورانس إن أحد أبرز تناقضات الحالة الليبية يتمثل في امتلاك البلاد ثروات كبيرة وموارد بشرية مؤهلة، في وقت لا تزال فيه عاجزة عن تحويل هذه الإمكانات إلى تنمية واستقرار، مشيرًا إلى أن الليبيين كانوا يتطلعون إلى أن تصبح بلادهم نموذجًا اقتصاديًا متطورًا قادرًا على تطوير الساحل وجذب الاستثمارات الدولية.

وأضاف أن جزءًا كبيرًا من الثروة الليبية مرتبط بالصندوق السيادي ومحمي للمستقبل، بينما لا يزال إنتاج النفط دون كامل القدرة الممكنة، في وقت تكاد فيه الإيرادات الحالية تكفي لتشغيل الحكومة، إلى جانب استمرار مشكلات الفساد وتهريب الوقود المدعوم إلى دول الجوار.

ورأى لورانس أن هذا الخلل الوظيفي رغم وفرة الموارد أدى إلى حالة واسعة من الإحباط، وقد يدفع بعض الليبيين إلى قبول اتفاق لتقاسم السلطة إذا أدى على المدى القصير إلى تنشيط الاقتصاد وتحسين ظروف الحياة، لكنه حذر من أن حكومة غير خاضعة للمساءلة لن تتمكن من تحقيق نتائج مستدامة على المدى الطويل.

أصلان: أنقرة تريد ليبيا موحدة وبناء منظومة مؤسسات تغطي كامل البلاد

وأكد أصلان أن السياسة الخارجية التركية تجاه ليبيا كانت منذ البداية قائمة على دعم دولة موحدة ومتكاملة بدلًا من استمرار الانقسام، موضحًا أن أنقرة ترى أن توحيد المؤسسات يجب أن يمثل الخطوة الأولى قبل الانتقال إلى انتخابات رئاسية وتشريعية عادلة وكتابة دستور وتشكيل حكومة مستقرة لجميع الليبيين.

وقال إن ليبيا تمتلك دولة من حيث الشكل لكنها تفتقر إلى منظومة مؤسسات متكاملة تغطي شمال البلاد وجنوبها وشرقها وغربها، معتبرًا أن الأولوية يجب أن تكون لبناء هذه المنظومة أكثر من الحديث عن إعادة بناء الدولة من الصفر.

القماطي: التحرك الأميركي جمع النخب المسيطرة وتوصل إلى ميزانية موحدة

وقال القماطي إن الخطة الأميركية لم تبدأ بجمع مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة الاستشاري مباشرة، بل بالعمل مع النخب التي تسيطر عليهما، وتمكنت من تحقيق تقدم في ملف الميزانية الموحدة.

وأضاف أن المطلب الأميركي يتمحور حول تمكين الأطراف الليبية من الإنفاق ضمن إطار موحد بما يسمح بتحريك العملية الاقتصادية، لكنه رأى أن بولس ليس دبلوماسيًا تقليديًا مخضرمًا، وأن المقاربة الأميركية لا تبدو قائمة على خطة متكاملة لإدارة المرحلة بقدر ما تركز على السيطرة على مسار التفاهم من دون تنازل حقيقي عن السلطة أو دمج كامل لهياكل القيادة.

لورانس يحذر من تجدد الصراع ويدعو إلى تغيير الوجوه

وأعرب لورانس عن قلقه من احتمال تجدد الصراع بعد صمود الوضع الحالي لنحو 6 سنوات رغم وقوع اشتباكات متفرقة، داعيًا إلى فتح صفحة جديدة وتغيير بعض القيادات والدفع بوجوه أخرى وتكنوقراط، مؤكدًا أن ليبيا تضم كفاءات جرى استبعادها من المشهد.

وحذر من أن أي اتفاق لتقاسم السلطة السياسية يستبعد أصواتًا مهمة لن يكون مستدامًا، في وقت أكد فيه أصلان أن أنقرة تركز على النتيجة النهائية المتمثلة في وجود ليبيا تحت حكومة واحدة مستقرة ومستدامة على المدى الطويل، محذرًا من أن تقسيم أي دولة في المنطقة قد يطلق تأثيرًا متسلسلًا في دول أخرى.

وتعكس مجمل آراء الضيوف إمكانية أن تنجح مبادرة بولس في تحقيق توحيد مؤقت للسلطة وبعض المؤسسات وفتح المجال أمام ترتيبات اقتصادية وأمنية مشتركة، إلا أنها تبقى معرضة للفشل في إنتاج حل مستدام ما لم تترافق مع مسار واضح للانتخابات والمساءلة والمصالحة وبناء مؤسسات قادرة على العمل بعيدًا عن منطق تقاسم النفوذ بين النخب الحالية.

ترجمة وتفريغ – خاص المرصد

 

Shares