بيعة البغدادي وجرافات السلاح.. القصة الكاملة للرجل الذي وُضعت صورته على بعض سيارات رالي العرعار

صورة فوق الزجاج ومدينة تحت الركام.. لماذا يستفز تمجيد وسام بن حميد ضحايا الإرهاب؟

ليبيا – ليست صورة وسام بن حميد التي ظهرت على زجاج عدد من السيارات المشاركة في مهرجان «رالي العرعار» بمصراتة ملصقًا عابرًا أو تعبيرًا بريئًا عن الحنين إلى شخص راحل؛ فهي بالنسبة إلى آلاف العائلات في بنغازي وعموم المنطقة الشرقية صورة لمرحلة من الاغتيالات والتفجيرات وحرب الأحياء والبيوت المهدمة والمفخخات والسنوات التي عاشتها المدينة تحت الخوف.

وقد وصفت صفحة تحمل اسم قناة «النبأ» ظهور الصورة والرقم «01» على السيارات بأنه «حضور رمزي لقائد مجلس شورى ثوار بنغازي الشهيد»، بينما كانت الفعالية مؤمّنة من أجهزة رسمية وحضرها رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، من دون صدور توضيح معلن حتى لحظة إعداد هذا التقرير بشأن السماح بدخول السيارات أو موقف الجهات الأمنية من تمجيد شخصية ارتبط اسمها بتنظيمات مصنفة إرهابية محليًا ودوليًا.

الرجل الذي تخفيه الصورة

قاد وسام بن حميد ما عُرف بـ«درع ليبيا 1» قبل أن يصبح المسؤول العسكري لـ«مجلس شورى ثوار بنغازي»، وهو تحالف تشكل عام 2014 وضم تنظيم أنصار الشريعة المصنف على قوائم الإرهاب التابعة لمجلس الأمن، إلى جانب كتيبتي راف الله السحاتي وشهداء 17 فبراير وتشكيلات مسلحة أخرى.

مخاوف أمريكية وأوروبية من تحول ليبيا إلى "ملاذ آمن للإرهاب الدولي" - BBC News عربي
صورة من اصدار مرئي لتنظيم أنصار الشريعة الإرهابي توثق ظهور أمير التنظيم محمد الزهاوي رفقة وسام بن حميد وعدد من العناصر الاجانب الملثمين

لم يكن المجلس تنظيمًا سياسيًا يحتج على خصومه، بل قوة مسلحة قادت حربًا داخل بنغازي وتحالفت ميدانيًا مع أنصار الشريعة وداعش، فيما ظهر بن حميد في تسجيلات إلى جانب محمد الزهاوي، زعيم أنصار الشريعة، محتفلًا بالسيطرة على معسكرات القوات الخاصة ومعلنًا مواصلة القتال حتى إقامة ما وصفه بـ«شرع الله».

من السبت الأسود إلى اغتيال النشطاء

قبل اندلاع حرب بنغازي بعام، كان اسم بن حميد حاضرًا في واحدة من أكثر محطات المدينة دموية. ففي 8 يونيو 2013 تجمع مواطنون أمام مقر «درع ليبيا 1» مطالبين بخروج التشكيلات المسلحة وتسليم الأمن للجيش والشرطة، قبل أن يتحول الاحتجاج إلى اشتباك استخدمت فيه قوة الدرع أسلحة ثقيلة ومضادات للطيران، وانتهى بمقتل 32 شخصًا فيما عُرف بـ«السبت الأسود».

المجزرة وقعت أمام مقر القوة التي كان يقودها وبسلاح عناصرها بل وثقت الكاميرات وسام نفسه يحمل السلاح ويرمي على المتظاهرين مباشرة رصاصًا حيًا، وظلت بلا محاسبة تليق بدماء ضحاياها حتى اقتصت منهم القوات المسلحة.

No photo description available.
لحظة رماية وسام بن حميد على المتظاهرين

الأخطر جاء لاحقًا في تقرير فريق خبراء مجلس الأمن عام 2016، الذي قال إنه تلقى أدلة قوية على قيام عناصر «درع ليبيا 1» تحت قيادة بن حميد بتنظيم اغتيالات لنشطاء وعمليات تفجير داخل بنغازي وتجنيد منفذين من بين العمالة الأجنبية.

أما أنصار الشريعة، المكوّن الرئيس في مجلسه، فتقول لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن إنه نفذ بين عامي 2011 و2014 هجمات واغتيالات عديدة استهدفت قوات الأمن في بنغازي وخلّفت مئات الضحايا. لذلك لا يمكن فصل سيرة بن حميد عن التنظيم الذي تحالف معه وتقاسم معه القيادة والسلاح والمعسكرات.

التوازن لا يعني تبرئته من دمار بنغازي

شهدت حرب بنغازي انتهاكات وقصفًا وأضرارًا لحقت بالمدنيين ودمارًا واسعًا. لكن التوازن لا يعني مساواة القاتل بالضحية، ولا تحويل بن حميد إلى متفرج بريء على مدينة قاد القتال داخل أحيائها ووضع المفخخات في بيوتها وطرقاتها.

فقد وثقت هيومن رايتس ووتش قصف الجماعات المنضوية تحت مجلس شورى ثوار بنغازي مناطق مجاورة لمواقعها، ما أدى إلى مقتل وجرح مدنيين وتدمير ممتلكات، إلى جانب احتجازها تعسفيًا عشرات الأشخاص. كما تحصنت هذه الجماعات مع أنصار الشريعة وداعش في الصابري وسوق الحوت والليثي والقوارشة وقنفودة، وحولت الشوارع والمنازل إلى متاريس ومخازن ذخيرة وممرات مفخخة، لتخرج أحياء كاملة من الحرب وقد تحولت بيوتها إلى ركام.

جرافات الذخيرة.. وحصة داعش

لم تكن الإمدادات التي وصلت إلى بن حميد غامضة بالكامل؛ فقد أقر نوري أبوسهمين لاحقًا بأن جرافات بحرية كانت تخرج محملة بالسلاح الخفيف بعلمه لدعم القوات التي يقودها بن حميد وجلال مخزوم ومحمد العريبي «بوكا».

وفي شهادة مصورة متداولة لحميد خضر، أحد أعيان وقادة مصراتة، قال إنه سأل بن حميد خلال زيارة للأخير إلى المدينة عما إذا كانت الذخيرة المرسلة من مصراتة تصل إلى عناصر داعش في بنغازي، فنقل عنه الإجابة: «أكيد، لأنهم ماسكين علينا محور الليثي»، قبل أن يبرر ذلك، وفق الشهادة ذاتها، بالقول: «أي حد يحارب حفتر نحارب معه».

وتتقاطع هذه الشهادة مع واقع التحالف الميداني الموثق بين مجلس الشورى وداعش، ومع إقرار شخصيات قريبة من بن حميد بقتاله إلى جانب التنظيم. وهي تعني، إن صحت، أن الذخيرة القادمة عبر البحر لم تبقَ حكرًا على مجلس الشورى، بل وصلت إلى داعش واقتُسمت معه بحكم الجبهة والمصلحة المشتركة.

بيعة أكدها الحلفاء قبل الخصوم

لم تأتِ حقيقة ارتباط بن حميد بداعش من إعلام القوات المسلحة وحده. ففي بث متداول يعود إلى 13 ديسمبر 2017 على قناة «ليبيا الأحرار»، قال نعمان بن عثمان، رئيس مؤسسة كويليام لمكافحة التطرف آنذاك، إن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تأكدت من انتماء بن حميد إلى داعش.

وأكد بن عثمان لاحقًا أنه مقتنع «من دون أي شك» بأن بن حميد بايع التنظيم خلال زيارة خاطفة إلى سوريا عام 2015؛ وكان أبو بكر البغدادي يومها أمير داعش وصاحب البيعة العامة داخله. كما أقر عبد الرزاق العرادي بأن بن حميد عقد «بيعة قتال» مع داعش، وأنه قال ذلك بنفسه خلال اجتماع في مصراتة.

وتكمن أهمية هذه الشهادات في أنها لم تصدر عن متحدث باسم القوات المسلحة أو وسيلة إعلام مؤيدة لعملية الكرامة، بل عن شخصيات ومنابر كانت تقف آنذاك في الصف المناهض لها؛ أي إنها اعترافات جاءت من الخصوم لا اتهامات صادرة عنهم.

استفزاز للذاكرة

بالنسبة إلى عائلات العسكريين والشرطة والقضاة والنشطاء والمدنيين الذين سقطوا في بنغازي، لا تمثل صورة بن حميد اختلافًا سياسيًا يمكن تجاوزه، بل إعادة تقديم قائد مرحلة دامية في ثوب البطل. إنها استفزاز لأم فقدت ابنها في اغتيال، ولأسرة عادت إلى منزلها فوجدته كومة حجارة، ولجريح ما زال يحمل في جسده شظايا حرب انتهت في الأخبار ولم تنتهِ في حياته.

ويمتد وقع الصورة إلى درنة التي خبر أهلها حكم داعش واغتيالاته وإعداماته، وإلى سائر المنطقة الشرقية التي دفعت ثمن سنوات الإرهاب. فالضحايا لا يرون في الصورة وجه رجل فقط، بل يرون خلفه الشركاء والرايات والسيارات المفخخة والجرافات المحملة بالذخيرة.

مدينة تحمل آثار داعش في أجساد أبنائها

وبالرجوع إلى مكان الحدث وأين رفعت صورة بن حميد نعود مجددًا إلى مصراتة، حيث بلغت الحصيلة النهائية المعلنة لمعركة «البنيان المرصوص» 730 قتيلًا وأكثر من 6 آلاف إصابة، بينها 4269 حالة مسجلة، وتحدث وزير الصحة حينها صراحة عن مبتوري أطراف ومصابين بالشلل يحتاجون إلى رواتب ضمانية وعلاج طويل الأمد. وكانت الغالبية الكبرى من المقاتلين من مصراتة، بحسب رويترز.

هؤلاء هم الغائبون عن صور الرالي؛ شباب عاد بعضهم إلى أهله محمولًا، وعاد بعضهم بجسد لن يعود كما كان، لكيلا تبقى راية البغدادي مرفوعة على بعد ساعات من مدينتهم. فكيف تمر بعد ذلك صورة رجل عقد بيعة قتال مع التنظيم فوق طرق مصراتة، بين أهلها وأمام جرحاها، وكأن شيئًا لم يحدث؟

إذا كانت مصراتة، مدينة «البنيان المرصوص» التي رفعت صور بن حميد فيها، ستنسى سرت ومن بقي من أبنائها مبتور الأطراف بسبب داعش، فمن سيتذكر؟ وإذا مرت صورة حليف التنظيم تحت أعين الأمن في المدينة التي هزمته، فربما تكون المعركة العسكرية قد انتهت، لكن الحرب على الذاكرة لا تزال مستمرة.

أين حكومة الدبيبة؟

وجود السيارات داخل فعالية مؤمّنة رسميًا وحضرها رئيس الحكومة يفرض على وزارة الداخلية ومديرية أمن مصراتة توضيح ما حدث، والتحقق ممن رفعوا تلك الشعارات وخلفياتهم وهل هم موافقون على رفعها أم لا، وإعلان موقف صريح من تمجيد قادة الجماعات المرتبطة بالإرهاب.

فالإرهاب لا يعود دائمًا بحزام ناسف أو سيارة مفخخة؛ أحيانًا يعود في صورة منمقة فوق زجاج سيارة، مستفيدًا من ذاكرة قصيرة ودولة صامتة. وعندما يُسمح بتحويل قائد مرحلة الدم والركام إلى «رمز»، يشعر الضحايا أنهم قُتلوا مرتين: مرة بالسلاح، ومرة بالنسيان.

تقارير المرصد – خاص 

Shares