ليبيا تصدّر 1.4 مليون برميل يوميًا ومواطنوها يشكون الفقر وتردي الخدمات

نفط بـ18 مليار دولار وليبيون يشكون الفقر.. أين تذهب عائدات الخام؟

ليبيا – سلّط تقرير تحليلي نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية الضوء على مسار عائدات تصدير النفط والغاز الليبي وكيفية إنفاقها، في ظل اعتماد البلاد على القطاع النفطي لتوفير نحو 98% من دخلها، رغم امتلاكها أكبر احتياطيات نفطية في إفريقيا وتصديرها قرابة مليون و400 ألف برميل يوميًا.

وأوضح التقرير، الذي تابعته صحيفة المرصد، أن الليبيين لا يزالون يشكون الفقر وتردي الخدمات، فيما تُحصّل عائدات تصدير النفط والغاز بالدولار وتُحوّل إلى حسابات المصرف الليبي الخارجي، قبل انتقالها إلى المصرف المركزي وتسجيلها بصفة إيرادات سيادية في ميزانية الدولة.

من آبار النفط إلى خزينة الدولة

وأشار التقرير إلى أن المصرف المركزي يحوّل العائدات من الدولار إلى الدينار بالسعر الرسمي البالغ 6.36 دنانير للدولار، مقارنةً بنحو 9.12 دنانير في السوق الموازية، قبل أن تصدر وزارة المالية في حكومة الدبيبة أذونات الإنفاق وفق الترتيبات المالية المعتمدة، ليفرج المصرف لاحقًا عن الأموال لصالح الوزارات والهيئات الحكومية بحسب الأبواب المخصصة لها.

وبيّن أن عائدات تصدير النفط والغاز ارتفعت إلى 18 مليار دولار خلال النصف الأول من العام 2026، بما يقارب ضعف مستواها خلال الفترة ذاتها من العام 2025، ناقلًا عن الخبير النفطي محمد الشحاتي إرجاعه هذا الارتفاع إلى اشتداد الحرب بين طهران وواشنطن وما نتج عنها من ارتفاع في أسعار الطاقة.

اقتصاد ريعي همّش الزراعة والصناعة

ونقل التقرير عن خبراء اقتصاديين تأكيدهم أن اعتماد ليبيا على النفط بصفته مصدرًا شبه حصري للدخل يمثل جوهر أزمتها الاقتصادية، فيما قال الأكاديمي في جامعة بنغازي أيوب الفارسي إن تجربة البلاد أظهرت كيف يمكن للاتكال المفرط على الموارد الطبيعية أن يتحول إلى معضلة مالية معقدة عند اقترانه بالتشرذم السياسي وغياب التنويع الاقتصادي.

وأوضح الفارسي أن الاقتصاد الليبي قائم على نموذج الدولة الريعية، ويعتمد بصورة شبه كاملة على صادرات النفط لتمويل الخزينة وتوفير العملات الأجنبية، ما أدى إلى تشوهات هيكلية عميقة تمثلت في تهميش قطاعي الزراعة والصناعة وتضخم الجهاز الإداري لاستيعاب العمالة في وظائف عامة غير منتجة، إلى جانب الاعتماد الكبير على الواردات لتوفير معظم السلع الاستهلاكية.

وأضاف أن النشاط الصناعي لا يزال محدودًا ويقتصر بدرجة كبيرة على القطاع الخاص والإنتاج الصغير، بينما يهيمن عدد محدود من التجار والمستوردين على السوق، ما يسهم في إزاحة السلع المستوردة للمنتجات المحلية.

ليس كل برميل يتحول إلى إيراد

من جانبه، أكد الشحاتي وجود فارق بين قيمة النفط الذي تنتجه ليبيا والأموال التي تصل فعليًا إلى خزينة الدولة، موضحًا أن كل برميل منتج لا يتحول مباشرةً إلى دولار يدخل الخزينة، بسبب حصول الشركات الأجنبية الشريكة في الإنتاج على حصصها وفق ترتيبات تعاقدية مختلفة.

وأشار إلى وجود تناقض صارخ يتمثل في إنتاج ليبيا النفط الخام مع اعتمادها بصورة كبيرة على استيراد البنزين والديزل وغيرهما من المنتجات البترولية لتلبية الطلب المحلي، ما يعني تخصيص نسبة متزايدة من موارد البلاد بالعملة الأجنبية لسداد تكلفة واردات الوقود.

وانتقد الشحاتي غياب بيان موحد ومنتظم وسهل القراءة يوضح القيمة الإجمالية للنفط المنتج، وحصص الشركاء الأجانب، والكميات المصدرة لحساب الدولة، وما يُخصص للسوق المحلية، وصافي الإيرادات المتاحة فعليًا للإنفاق العام.

وأضاف أن الأرقام المتداولة تقدم جانبًا من الصورة، لكنها لا تكشف دائمًا التدفق المالي الكامل للعائدات منذ استخراج النفط من الآبار وحتى وصولها إلى الخزينة العامة.

مليارات الدولارات لاستيراد الوقود

وقال الشحاتي إن نحو 26% من عائدات النفط تُخصص لاستيراد المنتجات النفطية، بما يعادل قرابة 7 مليارات دولار عند بلوغ سعر البرميل 70 دولارًا، متوقعًا ارتفاع هذه القيمة خلال العام الجاري إلى ما بين 8 و9 مليارات دولار مع تجاوز أسعار النفط 85 دولارًا للبرميل واتساع الفجوة بين أسعار الخام والديزل والبنزين.

وعزا هذا الارتفاع كذلك إلى نقص الإمدادات وزيادة الاستهلاك المحلي، مدفوعًا بالنمو الاقتصادي وتنامي عمليات تهريب الوقود.

دعم الوقود والإنفاق الموازي

بدوره، قال الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية عز الدين مختار إن انقطاعات الكهرباء تمثل جزءًا من نمط أوسع من الإخفاقات المالية المتكررة، يشمل نقص الوقود وتدهور الأوضاع المعيشية، مرجعًا ذلك إلى الفساد والإنفاق غير المحدود من حكومتين متنافستين على السلطة في شرق البلاد وغربها.

واعتبر مختار أن نظام الدعم يمثل مشكلة جوهرية أخرى، مشيرًا إلى تخصيص أكثر من 60% من ميزانية الدولة لدعم الوقود، وداعيًا حكومة طرابلس إلى التخلص التدريجي منه ووضع خطة وطنية لتطوير القوى العاملة والمهارات الصناعية.

وأضاف: «نحن نستورد كل شيء؛ اللبن ومنتجات الألبان والفواكه والخضراوات والأسماك المجمدة وحتى الملابس الداخلية، فكل شيء يأتي من الخارج».

غياب الميزانية ومعايير توزيع العائدات

وأوضح الشحاتي أن غياب ميزانية وطنية معتمدة يحول دون تحديد كيفية توزيع الإنفاق بين الفئات السكانية والمناطق، مشيرًا إلى استحواذ المدن الرئيسية على معظم الإنفاق ووجود تفاوت كبير في المرتبات بين أقاليم ليبيا الثلاثة وبين الدرجات الوظيفية وأنواع العمل المختلفة.

وحذر من أن هذه الفجوات تنذر بتفاقم التفاوت المالي بين الفئات الاجتماعية، مؤكدًا أن الاتفاق على توحيد الإنفاق التنموي لم يُنفذ على النحو المطلوب بسبب غياب المعايير الواضحة والميزانية الشاملة.

وأضاف: «لا توجد معايير لتوزيع عائدات النفط، وعملية التوزيع عشوائية وغير مستدامة».

الانقسام يخلق ماليات عامة موازية

وعاد الفارسي ليؤكد أن الانقسام السياسي والمؤسسي ووجود سلطات متعددة فاقما الأزمة الاقتصادية، موضحًا أن التشوهات لم تعد هيكلية فقط، بل أنتجت ماليات عامة موازية ودفعت الإنفاق الاستهلاكي إلى مستويات أعلى لتلبية مطالب السلطات المتنافسة.

وأشار إلى أن ذلك أدى إلى ارتفاع بندي المرتبات والدعم إلى مستويات غير مسبوقة، فيما دفعت الإغلاقات المتكررة لحقول النفط وانخفاض الإيرادات الفعلية خلال السنوات السابقة السلطات المالية إلى تمويل العجز وزيادة الدين العام.

وأضاف أن تدهور المالية العامة وضع السلطات النقدية في موقف صعب، وأجبرها على اتخاذ تدابير طارئة لحماية الاحتياطيات واحتواء العجز، لتتمثل النتيجة في ضعف العملة الوطنية ونقص السيولة وانهيار الثقة، وتحول السياسة النقدية من أداة لتحفيز النمو والاستثمار إلى وسيلة لإدارة الأزمات اليومية.

الفساد يعرقل الإصلاح

ورأى الشحاتي أن انتشار الفساد على نطاق غير مسبوق يقف عائقًا أمام أي حل، مؤكدًا أنه لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح مهيمنًا على جوهر المالية العامة وفي قطاعات رئيسية، إلى جانب غياب الرؤية المؤسسية وانهيار الإدارة الوسطى التي كانت تربط السياسات المالية والنقدية بالواقع الاقتصادي.

وأضاف أن السياسات أصبحت منفصلة عن الاقتصاد وفقدت قدرتها على استعادة التوازن، معتبرًا أن الإصلاحات التقليدية التي نجحت في دول أخرى لن تنجح في ليبيا؛ لافتقار البلاد إلى سلطة سياسية مركزية قادرة على بناء رؤية مؤسسية وكبح الفساد المستشري في القطاعين العام والخاص.

دعوات إلى تنويع مصادر الدخل

وأكد الفارسي أن خروج ليبيا من أزمتها المالية والنقدية يتطلب معالجة جذورها، من خلال توحيد إدارة المالية العامة وكبح الإنفاق الحكومي وإطلاق إصلاحات هيكلية حقيقية تنقل البلاد تدريجيًا من الاعتماد على عائدات النفط إلى بناء اقتصاد متنوع.

ودعا مختار بدوره حكومة طرابلس إلى وضع خطة استراتيجية لتحسين استغلال الموارد البشرية ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة وكسر اعتماد ليبيا شبه الكامل على عائدات النفط.

المرصد – متابعات

 

Shares