«يورشيا رفيو»: المصانع وحدها لا تكفي.. نجاح التصنيع في ليبيا مرهون بربط الشركات المحلية بسلاسل الإمداد
ليبيا – أكد تقرير اقتصادي نشرته صحيفة «يورشيا رفيو» الأميركية أن نجاح ليبيا في تنفيذ المشاريع الصناعية الكبرى لا يتوقف على إنشاء المصانع والمنشآت الإنتاجية وحدها، بل يعتمد بدرجة أكبر على قدرة الاقتصاد المحلي على بناء شبكة من الموردين والخدمات والصناعات المساندة حول هذه المشاريع.
وأوضح التقرير، الذي تابعته صحيفة المرصد وترجمت أبرز ما ورد فيه من طروحات اقتصادية، أن مشاريع من قبيل مجمع «توسيالي» للصلب المختزل في بنغازي يمكن أن توسع صادرات ليبيا من الحديد والصلب، إلا أن القيمة الاقتصادية المستدامة لن تتحقق إلا إذا ارتبط المشروع بشركات ليبية تعمل في الخدمات اللوجستية والصيانة والهندسة وسلاسل الإمداد وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالصناعة.
تحذير من تكرار تجربة تصدير تقودها الشركات الأجنبية
وحذر التقرير من تكرار تجربة شهدتها دول أخرى مثل فيتنام، حيث تمكنت الشركات الأجنبية من الهيمنة على جانب كبير من الصادرات بينما ظل انخراط الشركات المحلية في سلاسل القيمة العالمية محدودًا.
وأشار إلى أن ليبيا تواجه فجوة أكبر في القدرات بعد عقود من الاعتماد على قطاع المحروقات، ما يجعل بناء منظومة صناعية متكاملة بحاجة إلى برامج عملية لتطوير الموردين المحليين وتمويل سلاسل الإمداد واعتماد سياسات تدريجية وتنافسية للمحتوى المحلي.
وأكد أن الهدف ينبغي أن يكون بناء منظومة صناعية واسعة، لا مجرد إنشاء مرافق ضخمة تعمل بصورة شبه معزولة عن بقية الاقتصاد.
المصنع قد يرفع الصادرات دون أن يغير الاقتصاد
ولفت التقرير إلى أن أي مجمع صناعي ممول أو مدعوم من الخارج يمكنه رفع القدرة التصديرية للدولة من دون أن يؤدي بالضرورة إلى تحول جذري في اقتصادها المحلي.
وأوضح أن هذا التمييز مهم بالنسبة إلى ليبيا في وقت تسعى فيه إلى جذب استثمارات خارج قطاع النفط والغاز.
وضرب التقرير مثالًا بالمنصات النفطية البحرية التي يمكنها تحقيق عائدات تصديرية ضخمة، في حين تعتمد بصورة كبيرة على الموردين الدوليين في المعدات والتكنولوجيا والخدمات ولا تترك سوى قدر محدود من القيمة داخل الاقتصاد المحلي.
مجمع الصلب يختلف لأن قيمته في الشبكة المحيطة به
ورأى التقرير أن مجمع الصلب الحديث يختلف عن النموذج النفطي التقليدي، لأن قيمته الاقتصادية طويلة الأجل تعتمد بدرجة كبيرة على الشبكة التي تتشكل حوله.
وتشمل هذه الشبكة شركات الخدمات اللوجستية والهندسة ومقاولي الصيانة والموردين الصناعيين والمصارف وشركات إدارة النفايات والمختصين الفنيين.
واعتبر التقرير أن ذلك يمثل فرصة وتحديًا في الوقت نفسه أمام ليبيا، التي بدأت في استقطاب مشاريع صناعية أجنبية كبيرة يمكن، إذا أُحسن استغلالها، أن تسهم في تغيير هيكل الاقتصاد.
الاستثمار الأجنبي وحده لا يصنع قطاعًا صناعيًا
وشدد التقرير على أن الاستثمار الأجنبي المباشر لن يكون كافيًا بمفرده لتحقيق تصنيع واسع النطاق، محذرًا من بقاء جزء كبير من القيمة التي تولدها المصانع الجديدة خارج الاقتصاد الليبي إذا لم ترتبط الشركات المحلية بهذه المشاريع.
واستشهد بمشروع «توسيالي صلب» في بنغازي، الذي تنفذه شركة توسيالي التركية بالشراكة مع الشركة الليبية المتحدة للحديد والصلب، باعتباره اختبارًا عمليًا لاستراتيجية ليبيا الصناعية.
ونقل التقرير عن رئيس مجلس إدارة شركة ليبيا المتحدة لصناعة الحديد أحمد جاد الله قوله إن المشروع يمثل خطوة مهمة نحو التصنيع في بنغازي وتطوير قطاع الصلب الليبي.
السؤال ليس هل سيُبنى المصنع بل ماذا سينشأ حوله؟
وأوضح التقرير أن الأسئلة الحقيقية لا تتوقف عند اكتمال إنشاء المصنع، بل تشمل حجم النشاط الاقتصادي الذي سينشأ حوله وعدد الشركات الليبية التي ستصبح مؤهلة للتوريد له.
وأضاف أن الأسئلة تمتد إلى الشركات التي ستتمكن من الحصول على الشهادات والتقنيات والقدرات المالية اللازمة للتحول إلى موردين صناعيين طويلَي الأجل، فضلًا عن نسبة الإنفاق التشغيلي للمشروع التي ستبقى داخل الاقتصاد الليبي.
ورأى أن الإجابات عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت ليبيا تبني قطاعًا صناعيًا حقيقيًا أم تستضيف منشأة تصديرية ضخمة أخرى.
خطر وصول المستثمرين بسلاسل توريد جاهزة من الخارج
وحذر التقرير من أن المستثمرين الأجانب قد يصلون إلى ليبيا مصحوبين بسلاسل التوريد الدولية التي يتعاملون معها أصلًا، خصوصًا إذا لم تكن الشركات الليبية قادرة على تلبية المتطلبات الفنية والتشغيلية.
وأوضح أن الاقتصاد المحلي قد يحقق في هذه الحالة مكاسب من الوظائف والإيرادات الضريبية والصادرات، لكنه سيستحوذ على حصة محدودة من سلسلة القيمة الصناعية.
وأكد أنه لا يمكن افتراض أن الموردين المحليين سيظهرون تلقائيًا حول المشاريع الضخمة الجديدة.
معايير عالمية أمام الشركات المحلية
وأشار التقرير إلى أن تشغيل منشأة صناعية عالمية المستوى يحتاج إلى شركات قادرة على الالتزام بمعايير صارمة في السلامة الصناعية والهندسة ومراقبة الجودة والخدمات اللوجستية والصيانة.
وأضاف أن كثيرًا من الشركات الليبية الصغيرة والمتوسطة ستحتاج إلى استثمارات ودعم فني قبل أن تصبح قادرة على المنافسة على عقود هذه المشاريع.
ورأى أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في ضعف الرغبة في ريادة الأعمال، بل في الفجوة بين القدرات الحالية للشركات المحلية ومتطلبات المشتريات لدى المؤسسات الصناعية الدولية.
تفكيك العقود الكبيرة لفتح الباب أمام الموردين الليبيين
وأوضح التقرير أن المشاريع الصناعية الكبرى تعتمد عادة على شركات ضخمة للهندسة والمشتريات والإنشاءات، وأن تجميع العقود في حزم كبيرة يقلل التعقيد الإداري ومخاطر التنفيذ بالنسبة إلى المستثمر.
إلا أنه حذر من أن الإفراط في تجميع العقود قد يؤدي إلى استبعاد الشركات الليبية الصغيرة والمتوسطة.
ورأى أن النهج الأكثر عملية يتمثل في تحديد أجزاء من عمليات الشراء والصيانة والخدمات يمكن للشركات الليبية توفيرها بصورة واقعية، ثم هيكلة عقود تسمح لها بالمنافسة عليها.
تطوير الموردين دون خفض المعايير
وشدد التقرير على أن توسيع مشاركة الشركات المحلية لا يعني خفض المعايير المطلوبة، بل مساعدة هذه الشركات على بلوغها.
وأشار إلى إمكانية إنشاء برامج لتطوير الموردين تساعد الشركات الليبية في الحصول على الشهادات الدولية وتحسين أنظمة السلامة المهنية وتحديث المعدات وبناء أنظمة الإدارة التي تتطلبها الشركات متعددة الجنسيات.
المصارف جزء من معادلة التصنيع
ولفت التقرير إلى أن التمويل يمثل عنصرًا لا يقل أهمية عن التأهيل الفني، موضحًا أن شركة لوجستية أو شركة صيانة صغيرة قد تكون قادرة تقنيًا على الفوز بعقد، لكنها تعجز عن تنفيذه بسبب نقص رأس المال العامل.
وأوضح أن انتظار الشركات لمدة 90 أو 120 يومًا للحصول على مستحقاتها يعني حاجتها إلى تمويل يغطي الفترة بين تنفيذ الأعمال واستلام الأموال.
ورأى التقرير أن دور المصارف الليبية ينبغي أن يتجاوز تمويل الواردات إلى توفير تسهيلات لرأس المال العامل وتمويل المستحقات وسلاسل الإمداد، إذا كانت الدولة تريد مشاركة الشركات المحلية على نطاق واسع في المشاريع الصناعية الجديدة.
«المحتوى المحلي التنافسي لا الحمائية»
وحذر التقرير في المقابل من إلزام المستثمرين بالشراء من موردين لا يستطيعون تلبية المعايير الدولية، معتبرًا أن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف ومشكلات تشغيلية وتراجع ثقة المستثمرين.
وشدد على أن الهدف ينبغي أن يكون «محتوى محليًا تنافسيًا لا الحمائية»، من خلال أهداف مرحلية قابلة للقياس ومرتبطة بأداء الموردين.
واقترح منح المستثمرين الأجانب حوافز لتطوير الموردين الليبيين، في مقابل مطالبة الشركات المحلية بالوصول إلى المعايير الدولية والقدرة على المنافسة.
المشاريع الصناعية قد تربط طرابلس ومصراتة وبنغازي اقتصاديًا
ورأى التقرير أن المشاريع الصناعية الكبرى في بلد يعاني من الانقسام مثل ليبيا قد تساعد على إنشاء مصالح تجارية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.
وضرب مثالًا بإمكانية أن تعمل شركة لوجستية في طرابلس وشركة هندسية في مصراتة ومورد صناعي في بنغازي جميعها ضمن سلسلة قيمة مرتبطة بمنشأة صناعية واحدة.
وأكد أن هذا النوع من الترابط الاقتصادي يخلق مصالح مشتركة في استقرار التشغيل ووجود لوائح قابلة للتنبؤ وعقود قابلة للتنفيذ وشبكات نقل فعالة ووصول موثوق إلى السوق.
ترجمة المرصد – خاص

