«العرب الأسبوعية»: واشنطن تراهن على الاقتصاد والأمن والانتخابات لبناء تسوية سياسية في ليبيا

«العرب الأسبوعية»: ليبيا تدخل مرحلة سياسية شديدة الحساسية والجهود الدولية تنتقل من إدارة الانقسام إلى محاولة إنهائه

ليبيا – سلط تقرير تحليلي نشرته صحيفة «العرب الأسبوعية» اللندنية الضوء على دخول ليبيا واحدة من أكثر مراحل الانتقال السياسي حساسية منذ سنوات، في ظل مؤشرات متزايدة على أن القوى الدولية والإقليمية لم تعد تكتفي بإدارة الانقسام العميق بين شرق البلاد وغربها، بل تسعى إلى تحويل التفاهمات الاقتصادية والأمنية الأخيرة إلى أسس لتسوية سياسية أوسع.

وأوضح التقرير، الذي تابعته صحيفة المرصد، أن جهود توحيد ليبيا تتقدم رغم استمرار الصراع على السلطة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تتبوأ موقعًا متقدمًا في هذه التحركات وتسعى إلى البناء على مكاسب تحققت خلال الأشهر الأخيرة، أبرزها الاتفاق على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 13 عامًا.

الميزانية الموحدة بوابة نحو إعادة التوحيد السياسي

وأشار التقرير إلى أن أهمية الميزانية الموحدة تتجاوز آليات الإنفاق العام، إذ يعكس النهج الأميركي الناشئ رؤية للتكامل الاقتصادي باعتباره أداة محتملة لدفع عملية إعادة التوحيد السياسي، وليس غاية منفصلة في حد ذاتها.

واعتبر أن التحدي يكمن في أن توحيد المالية العامة ضمن إطار واحد يبدو أسهل بكثير من توحيد مراكز القوى المتنافسة تحت سلطة سياسية واحدة.

الصراع الحقيقي حول من يدير المرحلة الانتقالية

وبيّن التقرير أن الخلاف الجوهري لا يتعلق فقط بما إذا كان ينبغي توحيد ليبيا، بل بمن سيسيطر على الدولة خلال المرحلة الانتقالية المؤدية إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية، والترتيبات السياسية التي ستحكم البلاد قبل أن تتاح للناخبين فرصة اختيار قادتهم.

وأشار إلى أن هذه الأسئلة عرقلت مرارًا الجهود الرامية إلى إنهاء الجمود السياسي.

تقارب أميركي وتركي ومصري وأممي

ورأى التقرير أن التقارب بين واشنطن وأنقرة والقاهرة والأمم المتحدة يشير إلى تحول مهم في التفكير الدولي تجاه ليبيا، بحيث تتجاوز الأولوية مجرد منع عودة الصراع واسع النطاق إلى محاولة بناء إطار أكثر استدامة لإدارة الدولة.

وأضاف أن الدبلوماسية الأميركية الأخيرة تسعى إلى البناء على سلسلة من التطورات السابقة، بينها الميزانية الموحدة ومشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها في مناورات «فلينتلوك 26» العسكرية بإشراف الولايات المتحدة.

وأكد أن أهمية هذه الخطوات تكمن في أثرها التراكمي، إذ تبدو كل واحدة منها محدودة بمفردها، لكنها تشير مجتمعة إلى محاولة خلق مجالات عملية للتعاون بين مؤسسات وقوات مسلحة عملت لسنوات على طرفي الانقسام السياسي.

المبادرة الأميركية مكملة للخارطة الأممية

وأشار التقرير إلى تأكيد الولايات المتحدة أن مبادرتها قصيرة الأجل تأتي مكملة لخارطة الطريق الأممية، بعد سنوات شهدت خلالها ليبيا تعدد المبادرات والمؤتمرات الدولية من دون حسم النزاع الجوهري حول السلطة الانتقالية.

وأوضح أن واشنطن تتبنى، وفق قراءته، نهجًا تدريجيًا يقوم على إنشاء مجالات اتفاق قابلة للتطبيق عمليًا، ثم استخدام هذه التفاهمات لاحقًا لدعم تسوية سياسية أوسع.

اتفاق على الانتخابات وخلاف على قواعدها

وأضاف التقرير أن الأطراف السياسية الليبية غالبًا ما تتفق من حيث المبدأ على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، لكنها تظل منقسمة بشدة بشأن القواعد والمؤسسات والترتيبات التي تسبقها.

وأشار إلى عدم وجود ما يدل على توافق كامل بين القوى الخارجية بشأن الشكل النهائي للتسوية السياسية، لافتًا إلى استمرار اختلاف مصالحها في الملفات الأمنية والاقتصادية ودور الفاعلين السياسيين والعسكريين المتنافسين.

ومع ذلك، اعتبر أن التقارب المتزايد بينها بشأن ضرورة تعزيز الوحدة المؤسسية يمثل تطورًا بالغ الأهمية.

الهدف يتجاوز منع الحرب إلى بناء دولة قادرة على العمل

وبحسب التقرير، لم يعد الهدف الدولي يقتصر على منع ليبيا من الانزلاق مجددًا إلى الحرب، بل يمتد إلى بناء دولة قادرة على العمل بعيدًا عن التوازن الحالي بين السلطات والمؤسسات المتنافسة.

ولفت إلى أن النفط يمثل محركًا اقتصاديًا رئيسيًا مرتبطًا بهذه الجهود الدبلوماسية، بعدما حالت سنوات الانقسام السياسي وانعدام الأمن دون الاستفادة الكاملة من إمكانات القطاع.

النفط قد يدعم الوحدة أو يتحول إلى عقبة

وحذر التقرير من أن النفط قد يصبح في الوقت نفسه عائقًا أمام إعادة التوحيد إذا استمر توزيع عائداته محورًا للصراع على السلطة.

ورأى أن أي اتفاق سياسي دائم يتطلب تفاهمًا بشأن السلطة التنفيذية، إلى جانب آليات واضحة لتنظيم عائدات الطاقة والإنفاق العام والرقابة المالية وتوزيع الموارد بين المناطق.

وأضاف أن السؤال المحوري يتعلق بمدى ثقة القوى السياسية والعسكرية المتنافسة في أن الدولة الموحدة ستوزع الثروة الوطنية بصورة عادلة، بدلًا من السماح لطرف واحد بالسيطرة على الموارد الاقتصادية للبلاد.

المسار الأمني أكثر صعوبة من الاقتصادي

وأشار التقرير إلى أن بدء التعاون من الجانب الأمني قد يكون أكثر صعوبة من الاقتصاد، في ظل تعدد الجماعات المسلحة وسلاسل القيادة المتنافسة واستمرار الترتيبات الأمنية الهشة.

واعتبر أن التعاون الأمني قد يكون العنصر الأكثر جدوى وخطورة في الوقت نفسه ضمن الجهود الحالية لإعادة توحيد البلاد.

فرصة حقيقية رغم استمرار الصراع على النفوذ

ورأى التقرير أن ليبيا أمام فرصة حقيقية لتحقيق تقدم رغم عدم نضج تسوية سياسية نهائية حتى الآن، مشيرًا إلى أن معظم الفصائل الرئيسية يمكنها تأييد مبدأ الدولة الموحدة، فيما يتمحور الخلاف حول شروط هذه الوحدة والمستفيد منها.

وأضاف أن الفاعلين السياسيين يستطيعون تأييد الانتخابات من حيث المبدأ، مع استمرار مخاوفهم من أن تؤدي القواعد الانتخابية أو توقيت التصويت أو نتائجه إلى فقدان النفوذ والامتيازات التي تراكمت خلال سنوات الانقسام المؤسسي.

3 مسارات قد تحدد مستقبل التسوية

وخلص التقرير إلى أن السؤال المحوري لم يعد متعلقًا برغبة المجتمع الدولي في توحيد ليبيا، بل بمدى إمكانية تحويل الضغط الدولي والتقارب الإقليمي إلى اتفاق ليبي يتمتع بالشرعية السياسية وقابل للتنفيذ.

وأشار إلى أن نجاح واشنطن والأمم المتحدة وتركيا والشركاء الإقليميين والدوليين قد يرتبط بقدرتهم على ربط 3 مسارات رئيسية هي المالي والأمني والانتخابي ضمن عملية واحدة.

ورأى أن الجمع بين هذه المسارات قد يسمح لليبيا بالانتقال تدريجيًا نحو نموذج مختلف للمرحلة الانتقالية، يقوم على بناء التسوية السياسية خطوة بعد أخرى بدل انتظار اتفاق شامل إلى أجل غير مسمى.

المرصد – متابعات

 

Shares