الولايات المتحدة – تستعد إدارة ترامب لتفعيل صلاحياتها الخارجية بعد هزيمة الجمهوريين، وسط توقعات بضربات محتملة على إيران أو تسوية دبلوماسية، فيما تبقى الخلافات مع أوروبا وأوكرانيا قائمة.
في هذاالسياق توقعت وكالة بلومبرغ أن ينشط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الملفات الخارجية والتجارية بعد هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، مستفيداً من صلاحياته الواسعة، وطرحت احتمال تجدد الضربات على إيران واستكمال تحقيقات تجارية خلال الفترة السابقة لتولي الكونغرس الجديد مهامه.
وتُظهر تقارير من مصادر أخرى أن الملف الإيراني يمثل الاختبار الأوضح للاتجاه المقبل، مع استعدادات عسكرية أمريكية تقابلها وساطة لتفادي القتال، بينما يسود الحذر لدى الحلفاء من توقع تغيير سريع في سياسة ترامب تجاه أوروبا وأوكرانيا والتجارة.
وفي المقابل، تشير تقديرات خليجية نقلتها رويترز إلى أن الهزيمة نفسها قد تزيد حاجة الرئيس إلى تسوية مع طهران، ما يبقي التصعيد والاتفاق مسارين متنافسين، لا نتيجة محسومة في اتجاه واحد.
إيران: الاستعداد للقوة لا يلغي خيار الاتفاق
نقل موقع أكسيوس، في تقرير نشره باراك رافيد في 5 نوفمبر، عن مسؤولين أمريكيين أن الجيش ينهي استعداداته لاحتمال استئناف عمليات قتالية كبرى ضد إيران، بما يشمل إرسال مزيد من القدرات العسكرية إلى المنطقة.
لكن الموقع كشف بالتوازي أن وسطاء قطريين يعملون للحصول على دعم أمريكي وإيراني لمسودة اتفاق تمنع العودة إلى القتال، وقد تتيح استئناف محادثات مباشرة خلال الأيام المقبلة.
وبحسب التقرير، تقف أمام ترامب ثلاثة خيارات: العودة إلى الضربات، أو التفاوض على اتفاق، أو مواصلة الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية لاختبار قدرة طهران على تحمل الضغط واستعدادها لتقديم تنازلات.
ولا يخلو أي منها من المخاطر؛ فالقصف قد يُبقي أسعار الوقود مرتفعة من دون ضمان نتيجة عسكرية أفضل، والتفاوض قد يتعثر إذا رفعت إيران مطالبها، بينما يحتاج الضغط الاقتصادي إلى وقت أطول لإظهار تقدم.
ويكشف أكسيوس عن تباين في المقاربات داخل الإدارة، إذ قاد نائب الرئيس جيه دي فانس توجها يدعو إلى اتفاق ينهي الحرب، بينما فضّل مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف ووزير الخزانة سكوت بيسنت وآخرون منح الحصار والعقوبات وقتا إضافيا.
أما ترامب،فأقر بأن الحرب وارتفاع أسعار الوقود أسهما في خسائر حزبه، لكنه دافع عن قراره وقال إنه سيكرر ما فعله عند الضرورة، من دون أن يعلن حسم الخيار العسكري المقبل.
حسابات طهران والخليج: كيف يمكن تجنب التصعيد؟
عرضت رويترز في 4 نوفمبر قراءة مخالفة لفكرة أن الهزيمة ستقود حتما إلى الحرب، فنقلت عن مصدرين قريبين من دوائر حكومية خليجية أن ضعف ترامب يزيد حاجته إلى اتفاق، ويجعل هجوما شاملا على إيران أقل ترجيحا. لكنهما لم يستبعدا ضربات محدودة على منشآت نووية، قد تتيح لواشنطن إعلان تحقيق أهدافها ووضع نهاية للصراع.
وربطت ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، فرص التسوية بكيفية قراءة إيران للموقف: فإذا أدركت أن ترامب يحتاج إلى اتفاق يستطيع قبوله، فقد تظهر فرصة لإنهاء الحرب، أما إذا فسرت النتائج باعتبارها ضعفاً في الإرادة الأمريكية، فقد تشجّع تصعيداً جديداً.
وفي المقابل، حذّر عبد العزيز صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، من أن تراجع القيود الانتخابية قد يجعل ترامب أكثر استعداداً للضرب، خصوصاً إذا أراد منع إيران من إعلان الانتصار، بينما نقلت الوكالة عن مصدرين إيرانيين كبيرين أن طهران بقيت في حالة تأهب خشية محاولة الرئيس تعويض خسارته السياسية بضربة عسكرية.
أوروبا وأوكرانيا: استمرار الخلاف أرجح من عودة سريعة إلى التوافق
في العلاقات عبر الأطلسي، رصدت أسوشيتد برس في 5 نوفمبر ارتياحاً حذراً لدى دول وقادة اختلفوا مع ترامب، مع أمل في سياسة أمريكية أقل صدامية، لكن من دون ضمان أن تتغير مواقفه من أوكرانيا والحلفاء الأوروبيين. ونقلت عن لوريل راب، من معهد تشاتام هاوس، أنها لا تتوقع تغيراً كبيراً في نهج الإدارة تجاه أوروبا، واصفة إياه بأنه قائم على الصفقات والتشكيك في قيمة أوروبا للدفاع الأمريكي.
وفي الملف الأوكراني تحديداً، قالت رويترز إن نتائج الانتخابات يُستبعد أن تغيّر سريعاً موقف الإدارة في محادثات السلام، حيث مارست واشنطن ضغطاً على كييف لتقديم تنازلات، بالتوازي مع مناقشة صفقات تجارية مع موسكو.
وأشارت الوكالة إلى أن إقرار مساعدات أمريكية إضافية، إن أمكن، لن يكون سريعاً، بما لا يلبي تلقائياً احتياجات أوكرانيا العاجلة إلى صواريخ اعتراض أمريكية الصنع.
وطرح محرر الشؤون العالمية في الإندبندنت سام كيلي، في مقال رأي نشر في 4 نوفمبر، تصوراً أكثر تشاؤماً، متوقعاً أن تصبح سياسة ترامب أشد خطراً على أوكرانيا والحلفاء الأوروبيين، وأن يستخدم الأزمات الخارجية لصرف الأنظار عن الضغوط الداخلية.
غير أن هذا التصور يبقى توقعاً تحليلياً، بخلاف ما نقلته أسوشيتد برس عن عدم توقع تحول كبير في النهج القائم، وهو ما يميز بين احتمال تفاقم الخلافات واحتمال استمرارها بالمستوى نفسه.
التجارة: بقاء الرسوم أداة ضغط خارجية
وفي السياسة التجارية، رجّحت بلومبرغ استمرار اعتماد ترامب على السلطات الواسعة التي فوّضها الكونغرس للرئاسة، بما يسمح له بمواصلة نهجه حتى مع انتقال الأغلبية إلى خصومه، وتوقعت تحركاً لاستكمال تحقيقات تجارية قبل تولي الكونغرس الجديد مهامه.
وتناولت رويترز احتمال المضي في تهديدات تجارية قائمة، من بينها فرض رسوم بنسبة 100% على الدول الأوروبية التي تفرض ضرائب على الخدمات الرقمية للشركات التكنولوجية الأمريكية، من دون أن تجزم بتنفيذها.
ويعكس ذلك بقاء خطر المواجهة التجارية قائماً، لا ثبوت قرار بزيادة الرسوم عقب الانتخابات؛ فقد نقلت أسوشيتد برس عن الوزير الكندي دومينيك لوبلان أن أثر النتائج على موقف بلاده التفاوضي لم يتضح بعد، وأن التفاوض سيستمر مع إدارة ترامب.
كما أوضحت رويترز أن محاولات تقييد السلطات التجارية للرئيس ستواجه على الأرجح حق النقض، ما يحد من توقع تغيير سريع في هذا المسار.
كوبا: احتمال متداول لا تدخل محسوم
يبقى الملف الكوبي في مستوى أقل من اليقين؛ إذ تناول تحليل بلومبرغ احتمال العمل العسكري ضد الجزيرة، فيما توقع سام كيلي في الإندبندنت تدخلاً أمريكياً ضمن قراءته لاحتمال اتساع التحركات الخارجية للرئيس. لكن المادتين لا تقدمان تأكيداً لاتخاذ قرار بالتدخل أو تفاصيل عن استعدادات عسكرية معتمدة، بما يبقي هذا السيناريو مختلفاً عن الملف الإيراني الذي أورد أكسيوس بشأنه معلومات من مسؤولين أمريكيين عن تحضيرات قتالية محتملة.
وتشير حصيلة هذه التغطيات إلى أن خسارة الجمهوريين لا تعني انعطافاً تلقائياً نحو التهدئة الخارجية: فخيار القوة يبقى مطروحاً ضد إيران إلى جانب التفاوض، والخلافات مع أوروبا بشأن أوكرانيا والتجارة قد تستمر، بينما يظل سيناريو كوبا في نطاق التوقعات غير المحسومة.
أما الانتقال من نشاط خارجي مكثف إلى تصعيد واسع، فلا تثبته المعطيات المنشورة حتى الآن، خصوصاً مع استمرار الوساطة بشأن إيران وتقديرات ترى أن الهزيمة قد تزيد حاجة ترامب إلى صفقة، لا إلى حرب جديدة.
المصدر: روسيا اليوم (RT)

